
يُعد مفهوم المقاربة النقدية من المفاهيم التي وجدت مكانا لها في العلوم الطبيعية والإنسانية، بالإضافة إلى الفلسفة، الثقافة، والأدب والسياسة. ويتميز هذا المفهوم بتنوع جوهره ومعانيه، مما يؤدي أحيانا إلى التداخل أثناء استخدامه في سياقات محددة، وأحيانا أخرى يفتقر إلى الوضوح ويميل إلى التجريد والغموض، أو يستخدم النقد كغاية بحد ذاته وليس كوسيلة لتحقيق معرفة أعمق. وتنتشر هذه الممارسات التي تفرغ النقد من محتواه بشكل خاص عند معالجة قضايا جدلية، سواء كانت علمية أو فلسفية أو سياسية، كما ظهر ذلك جليا خلال فترة الحرب الباردة في الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
تاريخياً، نشأت المقاربة النقدية وتبلورت كنتاج لتطور الفكر والثقافة الإنسانية، وقد حدث ذلك على مسارات متوازية. فعلى الصعيد الفلسفي، تعود جذور هذه المقاربة إلى الفلاسفة اليونانيين، الذين رأوا أن الحقيقة ليست معطى جاهزاً، بل هي ثمرة الفحص والتدقيق، والاختبار المستمر عبر طرح الأسئلة التي تكشف عن التناقضات الكامنة في الأفكار. ويُعد هذا المنهج جوهر التوليد الحواري الذي اشتهر به سقراط (470-399 ق.م)، أب الفلسفة اليونانية، الذي تميز بالغموض وعُرف أساساً من خلال كتابات تلامذته مثل زينوفون (430-354 ق.م) وأفلاطون (427-347 ق.م).
واستخدم سقراط أسلوب الحوار القائم على السؤال والجواب كأداة رئيسية في مناقشة الأفكار مع محاوريه، حيث كان يسعى إلى تفكيك البنى الفكرية لديى المقابل وكشف التناقضات التي تحتويها، معتبراً أن الحقيقة تكمن في داخل ذات الإنسان ولا تُمنح له بشكل تلقيني مباشر. هذا الأسلوب يؤدي إلى ولادة معارف جديدة في ذهن المتلقي، تماماً كما تولد القابلة الطفل، فكان سقراط يرى نفسه مولداً للمعرفة وليس معلماً لها، وهو ما جعل منه رائداً في منهج التوليد الحواري الذي أرسى أسسه في الفلسفة.
ويرتكز المنهج التوليدي المعرفي على خلق بيئة حوارية مفتوحة، يحذر فيها من تقديم الأجوبة الجاهزة للمتلقي. وتعتمد هذه المقاربة على ثلاث خطوات مترابطة تشكل لب عملية التوليد المعرفي وتؤسس لمراجعة شاملة للبنية الفكرية القائمة. فتبدأ العملية بالشك المنهجي، حيث يتم التتابع في طرح الأسئلة التي تختبر صلابة البناء الفكري للمتلقي. الهدف هنا هو تقويض الاعتقاد واليقين الزائف، عبر كشف مواطن الضعف والانخداع في الأفكار، بحيث لا تُسلّم الحقيقة بشكل مباشر، بل تُكتشف من خلال الحوار والنقاش. وبعد إثارة الشك وتفعيل الحوار، تأتي مرحلة تفكيك الافتراضات التي يستند إليها الفكر. في هذه الخطوة، يتم الكشف عن التناقضات الكامنة في تلك الافتراضات، وإعادة النظر فيها بهدف مراجعتها وصياغتها من جديد. تُعد هذه المرحلة محورية في زعزعة اليقين وفتح المجال لإعادة بناء المعرفة. وفي المرحلة الأخيرة، يصل المتلقي إلى مستوى أعلى من المعرفة تولدت داخله نتيجة الحوار والتفاعل النقدي. ينعكس هذا الارتقاء في إعادة صياغة الفرضيات والخروج بمعانٍ جديدة، حيث يصبح المتلقي شريكا فاعلا في إنتاج المعرفة وليس مجرد متلقٍ سلبي، وتتحرر بذلك الأفكار من القيود السابقة وتعيد تشكيل نفسها على ضوء الفهم النقدي الجديد.
ورغم قدم المقاربة النقدية التوليدية، إلا أنها لا تزال مستخدمة في مدارس النقد الأدبي لتحليل بنية النص وإنتاج معانٍ جديدة، كما تُستعمل في الفلسفة للوصول إلى الحقيقة بتحليل المفاهيم وكشف المغالطات. وتحظى أيضا بأهمية في مجال التربية والتعليم كبديل للتلقين وفي العلاج المعرفي السلوكي لتحليل الذات وتغيير السلوك. جميع هذه الاستخدامات تتفق على أن المتلقي شريك فاعل في إنتاج المعرفة، حيث تتحقق المعرفة من خلال التفكير والحوار وليس عبر تلقي الأجوبة الجاهزة.
وفي هذا السياق، اتبعت بعض المدارس الماركسية الغربية وخاصة مدرسة فرانكفورت النهج التوليدي السقراطي لابتكار مفاهيم نظرية جديدة، بديلة عن المنهج الديالكتيكي المادي، في إطار نقد أفكار ماركس وانجلز ولينين وغيرهم، وحازت على شعبية بين النخب الثقافية اليسارية الأوروبية، خاصة خلال فترة العداء الغربي للشيوعية في سنوات الحرب الباردة.
ولم تكن المقاربة النقدية التوليدية نتاجا أوروبيا محضا، بل انتقلت الى الفلاسفة المسلمين في الشرق الذين أعادوا صياغتها على شكل مشروع معرفي إسلامي عقلي عبر تحويل التوليد السقراطي الذي يعتمد الجدل والحوار الى منهج معرفي يعتمد على أدوات لتحليل النص والكشف عن المغالطات والتناقضات فيه وبناء البرهان وصولا الى توليد المعنى والمعرفة البديلة.
وتعرف الفلاسفة المسلمون على المنهج التوليدي السقراطي من خلال تراجم مؤلفات أفلاطون وبقية الفلاسفة الإغريق التي انتقلت إلى العالم الإسلامي. وقد لعب علم الكلام دورا محوريا في تفعيل هذا المنهج، إذ اعتمد المتكلمون على الجدل وطرح الأسئلة بهدف الكشف عن التناقضات الكامنة في الأفكار وبناء حجج مضادة تدعم الرؤية النقدية للفكر.
ولم تقف الاستفادة عند هذا الحد، بل استثمر الفقهاء أصول الفقه، كامتداد للفكر السقراطي، في إعادة إحياء المنهج التوليدي عبر أدوات عقلية أصيلة، مثل الاستنباط والقياس. فالاستنباط يُعد أحد المناهج المعرفية الأساسية في الفلسفة والعلوم والفقه، ويعتمد على استخراج نتائج جديدة من مقدمات معلومة بطريقة منطقية دقيقة. أما القياس فهو استدلال ينتقل فيه العقل من قضية أو أكثر إلى نتيجة لازمة عنها في معرض الوصول الى علاقة منطقية أو للكشف عن وجود علة مشتركة.
واعتمد الفكر الفلسفي الإسلامي على طرح الأسئلة الافتراضية، ما أتاح تجديد المنهج التوليدي السقراطي ومنحه بعدًا جديدًا يتناسب مع خصوصية الثقافة الإسلامية. لقد شكل ذلك إضافة نوعية في تطوير الحوار العقلي والنقدي.
يُعد الكندي مثالاً بارزاً على تجليات المنهج التوليدي العقلي في الفكر الإسلامي، حيث يُنظر إليه باعتباره مؤسس التفكير العقلي في الحضارة الإسلامية وأول من أدخل الفلسفة اليونانية إلى الثقافة الإسلامية، مما مثل إضافة نوعية لتأسيس منهج فلسفي عقلي شرقي. فقد قام الكندي بإعادة صياغة الفلسفة اليونانية بلغة عربية واضحة، ودمجها مع الفلسفة والقيم والفقه الإسلامي، ليجعل من الفلسفة معرفة الأشياء بحقائقها، ويعتبر البرهان أساساً للمعرفة.
وقد اعتمد الكندي على المنهج التوليدي العقلي بطريقة جديدة، حيث تتولد المعاني من المبادئ الأولى عبر العقل القادر على استخراج الحقائق من مقدمات يقينية، من خلال التحليل الذي يفضي إلى معرفة جديدة، وبذلك يربط بين العقل والوجود. كما أظهر الكندي اهتماماً كبيراً في رسائله البلاغية بعملية توليد المعنى من اللغة، وذلك من خلال تحليل الدلالة والإشارة والعلاقة بين اللفظ والمعنى، وهي جميعها مفاهيم مركزية في علم السيميائيات المعاصر الذي يقدم مقاربة مختلفة في تحليل النص الادبي، او الفلسفي، او العلمي، او الديني عبر دراسة العلامات والأنظمة الرمزية، متجاوزة حدود اللغة الى أشكال أخرى على التعبير الثقافي.
ومن بين أفكار الكندي الفلسفية المهمة، تفصيله لأنواع العقل واعتباره البرهان أعلى درجات المعرفة والطريق إلى اليقين، كما تناول العلاقة بين الفلسفة والدين ليخلص إلى أن الحقيقة واحدة وأن مهمة الفلسفة هي فهم هذه الحقيقة، دون وجود تعارض مع الدين. وقد ترك الكندي تأثيراً كبيراً على الفلاسفة الذين جاؤوا بعده مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد والجرجاني، خاصة في مفهوم الدلالة والإشارة اللغوية من منظور فلسفي، حيث يرى أن المعنى حقيقة عقلية سابقة على اللفظ، وأن اللغة تشير إلى الحقائق التي يدركها العقل، وأن اللفظ أداة تشير إلى الحقيقة.
ويمكن القول إن أطروحات الكندي تقترب من مفهوم السيميائيات الحديث الذي ينظر إلى العالم كشبكة من العلامات، حيث تتحول الثقافة إلى مشروع نص كبير، مع التأكيد على أن هذه المقاربة لا تتطابق تماماً مع السيميائيات المعاصرة، بل تمثل مرحلة متقدمة في تطور الفكر النقدي والمعرفي في الحضارة الإسلامية.
رغم أن منهج التوليد السقراطي اعتُبر خطوة متقدمة في تطور الفلسفة ونظرية المعرفة، إلا أنه لم يسلم من النقد من اتجاهات متعددة. فقد رأى البعض أن الحوار في سياق هذا المنهج لا يعدو كونه تلاعبا بالفكر يهدف في كثير من الأحيان إلى هدم المعرفة القائمة وليس لاكتشاف حقائق جديدة أو تقديم بدائل معرفية، بل لفضح جهل الطرف المقابل. كما اعتبر أخرين أن الحوار يتحول أداة للسلطة الفكرية بدلاً من أن يكون عملية محايدة يقود إلى نتائج محددة سلفا بفعل طبيعة الأسئلة المطروحة، فيتحول المنهج بذلك إلى وسيلة لإنتاج الشك والنقد أكثر من كونه أداة لتوليد المعرفة الحقيقية. ومن الملاحظات النقدية الأخرى حول المنهج التوليدي كونه طريفا غير مثاليا للوصول إلى الحقيقة، إذ أن المطلوب في كثير من الأحيان هو إقامة البراهين والأدلة القاطعة وليس الاكتفاء بطرح الأسئلة والحوار، خاصة في الحوارات غير المتكافئة بين طرفين متفاوتين في المهارة أو القدرة العقلية. كما أن المنهج التوليدي السقراطي يتسم بطبيعة نخبوية تتطلب خبرة سابقة في الجدل العقلي وقدرات ذهنية عالية.
وإلى جانب ذلك أنتقد بعض المفكرين المنهج التوليدي من زاوية انفتاحه وذاتيته، مشيرين إلى أنه يفتقر إلى القواعد والمعايير الواضحة وأدوات التحليل القابلة للقياس. فبدلاً من التركيز على المنظومة الكلية للمعرفة، يوجه هذا المنهج عنايته إلى أعماق الفرد ويعتبر أن الحقيقة كامنة في داخله، متجاهلاً بذلك الأبعاد الاجتماعية واللغوية والتاريخية التي تؤثر في تشكل المعرفة وتطورها. وقد ركز فلاسفة ما بعد البنيوية، مثل دريدا وفوكو، في نقدهم على أن اللغة ليست أداة محايدة لكشف الحقيقة، بل هي في الأساس وسيلة لبناء المعنى وتشكيله. ومن هذا المنظور، يصبح الحوار في المنهج التوليدي وسيلة غير مباشرة للوصول إلى المعنى، إذ تكتسب الأسئلة والحوار طابعًا سلطويًا يتحول فيه الحوار من أداة للمعرفة إلى أداة للهيمنة الفكرية.
وفي السياق ذاته، انتقدت المقاربة الماركسية المنهج التوليدي لتركزه على البعد الذاتي والنفسي للفرد وجعل نواياه فيمركز انتاج الفكر وتهمل دور البنية الاجتماعية وشروط الإنتاج المادية. فالثقافة، بحسب الرؤية الماركسية، ليست مجرد نتاج فردي، بل هي جزء من البنية الفوقية التي تنتجها البنية التحتية (الاقتصادية - الاجتماعية) وتعيد إنتاجها كأداة أيديولوجية. وقد تؤدي هذه الثقافة الى خلق وعي زائف يكرس العبودية أو حقيقي يعزز رفض الهيمنة البرجوازية والتمرد والثورة للتعبير عن الحرية ومن أجل تقريب البديل الإنساني وتحقيق حلم العدالة الاجتماعية.







