نشرت مؤسسة رزا لوكسمبورغ التابعة لحزب اليسار الألماني سلسلة جديدة بعنوان "ما هو الواقع؟"، تقدم فيها شرحا المصطلحات المهمة في الخطاب السياسي، وتبين المصالح والصراعات الكامنة وراءها. وكانت البداية مع "ما هو القانون الدولي تحديدا؟

لو افترضنا أن جميع الدول متساوية رسمياً وتلتزم بنظام قائم على القواعد ومتفق عليه بين جميع الأطراف، فهل ستظل الحروب قائمة؟

في 16 اذار 2022، أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها في قضية "أوكرانيا ضد روسيا الاتحادية". وبأغلبية 13 صوتاً مقابل صوتين، حيث صوّت نائب رئيس المحكمة الروسي كيريل جيفورجيان والقاضي الصيني شو هانكين ضد القرار، قضت المحكمة بأن على روسيا "التوقف فوراً عن العمليات العسكرية التي بدأت في 24 شباط 2022 ".

نعيش في زمن شديد التسييس. تتغير النقاشات بسرعة، وغالبا ما تكون حادة. تُطلق أحيانا ادعاءات كاذبة عمدا، وليس من السهل دائما التمييز بين الحقائق والأخبار الكاذبة.

يشمل القانون الدولي العام، أو ما يُعرف عادة بالقانون الدولي، المبادئ القانونية والمعاهدات والاتفاقيات التي تنظم العلاقات بين الدول، وكذلك بين الدول والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات العالمية الاخرى. نظريا، تعتبر الدول "أطرافا متساوية في القانون الدولي"، بغض النظر عن حجمها أو طبيعة نفوذها.

يُعدّ ميثاق الأمم المتحدة، الذي اعتُمد عام ١٩٤٥، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام ١٩٤٨، من الركائز الأساسية للقانون الدولي الحديث. كما تندرج تحت هذا الإطار المعاهدات الدولية المتعلقة بنزع السلاح والتجارة وحماية البيئة، مثل اتفاقية باريس للمناخ لعام ٢٠١٥. وعلى عكس القوانين الوطنية، لا يقوم القانون الدولي على احتكار (دولي) لاستخدام القوة، بل تعتمد فعاليته على استعداد الدول للالتزام بالقواعد المتفق عليها.

في الجرائم الخطيرة للغاية، كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، يمكن محاسبة الأفراد. وتختص المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بالنظر في هذه الجرائم. إلا أن دولا كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، بالإضافة الى إسرائيل لا تعترف بها. كما يمكن للمحاكم الوطنية تطبيق القانون الجنائي الدولي. في المقابل، يمكن مقاضاة الدول لانتهاكها القانون الدولي أمام محكمة العدل الدولية، ومقرها في لاهاي أيضاً.

انعكاس لتوازن القوة العالمية

نشأ القانون الدولي الحديث إلى حد كبير بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ويفهم غالبا على أنه درس مستفاد من هاتين الكارثتين. في الواقع، تعود الاتفاقيات الدولية إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى صلح وستفاليا عام 1648، الذي يُعتبر ميلاد النظام الأوروبي، القائم على دول قومية رأسمالية.

لم يقتصر دور القانون الدولي على الحد من العنف فقط، بل امتد ليشمل إضفاء الشرعية على العنف الإمبريالي والاستعماري. وانطلاقا من هذا الفهم، لا يُعدّ القانون الدولي تقدميا بطبيعته، بل يعكس ديناميكيات توازن القوى السياسية في كل حقبة.

وحتى في الماضي القريب، ظلت المساواة الرسمية بين الدول في كثير من الأحيان نظرية. فبينما سعت الدول القوية مرارًا لتبرير سياساتها استنادا إلى القانون الدولي، كان قانون الأقوياء هو السائد في الواقع. فعلى سبيل المثال، تم غزو العراق عام 2003 من قِبل تحالف بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى دون تفويض من مجلس الأمن الدولي. وكذلك شن الناتو، قبل ذلك، حرب تفكيك يوغسلافيا عام 1999دون تفويض مماثل. وكان المبرر آنذاك هو ضرورة منع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في كوسوفو.

الضغط على القانون الدولي

على الرغم من محدوديته، يوفر القانون الدولي إطارا يمكن حتى للدول الأقل نفوذا أو منظمات حقوق الإنسان الاستناد إليه. مع ذلك، يتعرض القانون الدولي لضغوط متزايدة. فبينما كانت الحكومات في السابق تحاول على الأقل تصوير التدخلات العسكرية على أنها متوافقة مع القانون الدولي، نادرا ما يكلف رؤساء دول مثل دونالد ترامب أنفسهم عناء ذلك الآن. تتصاعد حدة الحروب، وتستمر عمليات الضم علنا، كما هو الحال في حرب الإبادة للشعب الفلسطيني والعمل على تقويض هويته الوطنية، وحرمانه من حقوقه المشروعة، ومطالبات ترامب بضم غرينلاند دولا اخرى، أو بسط روسيا سيطرتها على شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤. وغالبًا ما يُنظر إلى الذين ما زالوا يصرون على ضرورة وجود نظام قائم على القواعد والالتزام بالقانون الدولي على أنهم ساذجون.

في عالم متعدد الأقطاب حيث لم تعد للاتفاقيات والأعراف أي قيمة، يتزايد الخطر على البشر والبيئة ومستقبل كوكبنا. لذلك، من الأهمية بمكان الدفاع عن القانون الدولي ضد سياسات القوة الصريحة، حتى وإن ظل إنفاذه غير مكتمل. لأنه طالما أن الدول تعمل ضمن نظام المنافسة الرأسمالية، فسيتم فرض المصالح، إذا لزم الأمر، دون الالتزام بالقواعد المتفق عليها.

الأممية تحقق القانون الدولي

يتعرض القانون الدولي لضغوط هائلة: فانتهاكات القانون، وازدواجية المعايير، والجهل، تضعف القدرة الحقيقية للمؤسسات الدولية على إنفاذه. وتصاغ المصالح والأهداف الوطنية بشكل متزايد بلغة القوة. وفق رؤية اليسار، يفاقم هذا الوضع معضلة قديمة.

على الرغم مما سبق، توفر القواعد الدولية ضمانات حاسمة ضد سياسات القوة الصارخة و"قانون الغاب". إن المطلوب هو دفاع استراتيجي عن أهميتها السياسية، إلى جانب رؤية متجددة. إذ يبقى نظام السلام القائم على القانون الدولي شرطاً أساسياً لكي تضطلع هذه الرؤية بدور فاعل.

ومن الضروري مناقشة كيفية الحفاظ على عالمية القانون الدولي رغم كل التناقضات. نريد أن نعرف: أين فشلت المعايير القانونية، وأين تم تحقيقها من خلال النضال السياسي؟ وهذه الضرورة تستوجب من بين أمور أخرى، دراسة تاريخ الصراعات بين القوى الكبرى والقانون الدولي، وخصوصا علاقتها بمعايير حقوق الإنسان عالميا. ما هو هامش المناورة المتاح للدول الأقل قوة ومنظمات المجتمع المدني عند الاعتماد على المعايير القانونية الدولية؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع مؤسسة روزا لوكسمبورغ – 18 آذار 2026