يواجه العراق اليوم تحديات عميقة مرتبطة بعوامل عدة أحدها هشاشة الدولة بنيويا حيث تديرها قوى متنفذة تعتمد الولاءات الجزئية الطائفية والعشائرية والعائلية وتحول مؤسساتها الى أدوات اتصال لتوزيع غنائم الاقتصاد الريعي على شكل وظائف أو عقود لمشاريع فاسدة وأسست لبنية اجتماعية اوليغارشية.     

وأحد جوانب هشاشة الوضع العراقي الحالي هو الفراغ السيادي الرقمي نتيجة مستلزمات اقتصاد رقمي ناجح يتطلب استثمارات مالية أولية عالية وفجوة المهارات البشرية الرقمية وتقنيات الخزن السحابية المتطورة الضروري للإدارة الفعالة للبيانات الضخمة و لقدرات الخزن السحابية التي تقود على اعتماد ما توفره  المنصات الرقمية الأجنبية والتي تخلق أرضية موضوعية لما يصطلح على تسميته "استعمار البيانات" كما يعرّفه نيك كولدري من كلية لندن للاقتصاد و أو ليسيس ميخاس والذي بمنظورهم اصبح  نظاما عالميا جديدا كاستعمار معرفي واقتصادي وتقني يستخرج البيانات من البشر بطريقة لا تختلف عن الاستعمار الكلاسيكي الذي كان  ينهب الموارد الطبيعية في القرن التاسع عشر.

فالإمبراطوريات الرقمية العملاقة تستخدم بيانات الحياة اليومية الخام للمليارات من البشر من مختلف بقاع الأرض ومن ضمنها العراق وتخضعها لتقنيات الذكاء الاصطناعي لتشكيل أنماط من الوعي و السلوك الذي يحقق لها المزيد من الأرباح والمكاسب.

وفي هذا السياق، يُعدّ العراق هدفًا سهلًا ومثاليًا لهذا الشكل من الاستعمار الجديد، لأن البيانات الشخصية وشبه الرسمية، بما فيها ما يُعرف عراقيًا بـ«حكومات الواتساب»، تُعالَج وتُخزَّن على منصات رقمية أجنبية. وبذلك يُنتَج الوعي والسرديات والهويات العراقية داخل فضاء رقمي لا يملكه العراقيون ولا يسيطرون عليه، ليغدو جزءًا من الاقتصاد المعرفي الأجنبي، وهو جوهر استعمار البيانات.

إضافة إلى ذلك، تعمل في العراق حاليًا عشرات المنظمات الدولية التي تجمع بيانات عن النازحين والفقراء والمستفيدين من المساعدات والعائلات المتضررة من الإرهاب والعنف. ويبدو أن كثيرًا من هذه البيانات، إن لم يكن معظمها، يُخزَّن ويُحلَّل خارج العراق، ويُدار عبر خوارزميات لا تُعرف آلية عملها ولا كيفية وصولها إلى النتائج التي تُعرض عادة في شكل تقارير.

ومن مظاهر الخلل الرقمي البنيوي في العراق تعرّض البيانات العراقية لما يُعرف بالتحيز الخوارزمي، إذ تتحول الطائفية إلى وقود للخوارزميات بما تولده من غضب وانفعال واستقطاب وتحريض على الإقصاء والعنف ونشر الشائعات. وقد استغلت التنظيمات الإرهابية، مثل داعش وأشباهها، هذه الآليات بكفاءة، كما استثمرتها شبكات الحسابات المزورة والمأجورة للتلاعب بالرأي العام عبر حملات منسقة تبث الكراهية وتضلل الوعي وتعمّق التشظي المجتمعي.

ومن المعروف ان الشركات الرقمية العملاقة تحتكر المنصات وتتحكم فيما يُنشر ويُحذف، وفي ما يراه العراقيون ويسمعونه، بما يعيد تشكيل الوعي السياسي من دون مساءلة. ويظهر هذا الاستعمار أيضا في مجال المساعدات الإنسانية، من خلال التأثير في تحديد من يستحق المساعدة، وفي الأمن الرقمي عبر مراقبة العراقيين وتحليل بياناتهم وبناء نماذج لسلوكهم وشخصياتهم من دون علمهم. وتستفيد هذه المنصات من الميمات، بوصفها وحدات ثقافية تنتشر بالتقليد وتؤثر في انتقال الأفكار وتحوّل الثقافات، لتحديد ما يُعد مهمًا وصحيحًا ومثيرًا ومقبولًا. وهكذا تتحول إلى أداة لـ “استعمار الوعي"، وهو أخطر أشكال الاستعمار. فالمنصات العالمية، مثل فيسبوك وتيك توك، لا تتحكم فقط في تدفق المعلومات، بل تحدد أيضًا معنى "المحتوى المقبول" وشكل النقاش السياسي والفكري الذي يخدم مصالحها.

في هذا الفضاء الرقمي، يتحول المواطن العراقي إلى مجرد بيانات وأنماط تفاعل ذات قيمة اقتصادية، لأن الخوارزميات لا تُصمَّم لتحقيق العدالة، بل لتعظيم الربح والتفاعل والسيطرة. ومن هذا المنظور، تقترب هذه المنصات من تصور فوكو للسلطة بوصفها سلطة غير مرئية، انضباطية ومعرفية وتنظيمية، تعمل من دون رقابة مباشرة، فتحدد ما يُرى وما يُحجب، وتعيد تشكيل الوعي الجمعي من غير أن يشعر الناس بذلك. ووفقًا لتحليل كولدري، يعيش العراقيون داخل بنية استعمارية رقمية تُعرف بـ«استعمار الحياة»، لأنهم لا يملكون التقنيات التي تدير هذه المنصات ولا يتحكمون بها أو يفهمون آليات عملها.

وإذا انتقلنا من العام إلى الخاص، وقرأنا مظاهر هذا الاستعمار الرقمي في انتفاضة تشرين 2019، يتضح أن فيسبوك وتيك توك كانا المنصتين الأبرز في تشكيل الفضاء الاحتجاجي الرقمي. فقد أدى فيسبوك دورًا محوريًا في النقاش السياسي والتنظيم والبث المباشر وكشف الانتهاكات، بينما برز تيك توك بوصفه فضاءً للتعبئة العاطفية والفيديو القصير والرموز والسخرية والاستعراض. كما غدت المنصتان ساحة صراع بين المحتجين وجيوش الميليشيات الإلكترونية، بما يكشف أن الخوارزميات المستخدمة فيهما ليست محايدة، بل أمكن التلاعب بها عبر البلاغات المنظمة وصناعة الترندات من قبل الذباب الإلكتروني.

 عامل اخر هو كثافة الجيوش الالكترونية الممولة من جهات عراقية واجنبية. فقد لاحظ نشطاء الانتفاضة حالات من غلق مفاجئ للبث المباشر من ساحة الاحتجاج وحذف منشورات عن قمع المحتجين وملاحقة النشطاء وغلق حسابات شخصية وانتشار مقاطع تحريضية بسرعة غير اعتيادية ذات مضامين طائفية تبقى لفترة طويلة. ويضاعف كل ذلك، ان الخوارزميات غير مدربة جيدا على اللهجة العراقية والمفردات في السرديات السياسية العراقية فتخطئ في تفسير المحتوى او تروجه بشكل غير دقيق بينما يتم تفسيرها عراقيا كانحياز لصالح السلطة او بسبب تدخلات خارجية. وهناك عامل اخر هو ان الخوارزميات مدربة على مكافأة الغضب والانفعال والاستقطاب السياسي او المجتمعي فتُضخّم الطائفية لأنها "محتوى عالي التفاعل" مقابل الخطاب الهادئ والمعتدل للقوى المدنية واليسارية. فمثلا تعتمد خوارزميات الفيسبوك على سرعة وحجم ردود الأفعال ونمط التفاعل فحجبت محتوى يوثق القمع وانتهاك حقوق المتظاهرين لان البنية الخوارزمية المعتمدة غير مناسبة لبيئة يحتدم فيها الصراع الاجتماعي    فتكافئ الغضب والاستقطاب والمحتويات التي تثير ردود أفعال قوية لذلك انتشر فيها المحتوى الطائفي التحريضي ضد فئات معينة بينما تم حذف وغلق البث التوثيقي المباشر من ساحة التحرير بسبب المحتوى من عنف وصراخ ودم لان الخوارزمية لا تفرق بين التوثيق و التحريض.

وتعتبر خوارزميات التوكتوك اكثر خطورة لاعتمادها على خوارزمية توصية (طريقة رياضية برمجية تتنبّأ بما قد يعجب المستخدم، ثم تقترحه عليه) لأنها  تعمل على تضخيم المحتوى العاطفي وتكافئ  الموسيقى الحزينة واللقطات الدرامية والمشاهد الصادمة والسخرية، لذا انتشرت لقطات القمع وفيديوهات الشهداء والأغاني السياسية والثيمات الساخرة ولكن كوفئ أيضا استعراض الميليشيات والسلاح ومقاطع العنف فضخمتها الخوارزميات لأنها صادمة وقصيرة وتولد تفاعلا. كما يعتمد التوكتوك على الموسيقى والتكرار والترندات (هي الموضوعات أو السلوكيات أو المقاطع التي ترتفع فجأة في حجم التفاعل الرقمي خلال فترة قصيرة، لتصبح الاتجاه السائد على منصات التواصل ويحدث نتيجة تفاعل بين الخوارزميات والعقل الجمعي والظروف الاجتماعية والسياسية) فمثلا تحولت أغاني تشرين "نريد وطن" الى ترندات ضخمة عززت وحدة الهوية الاحتجاجية ولكن في المقابل بسبب سهولة التعامل مع الترندات انتشرت هاشتاغات (تُستخدم لربط المحتوى بموضوع واحد، مما يجعل اكتشافه أسهل ويزيد من انتشاره  تعمل كأداة فهرسة داخل منصات التواصل، وتُعد جزءًا أساسيًا من صناعة الترندات وبناء المجتمعات الرقمي) طائفية مضادة لتشرين قامت بها  الجيوش الالكترونية باستخدام حسابات وهمية وتفاعل مصطنع وتضخيم محتوى وإعادة نشر منسقة لان خوارزمية تيك توك لا تميز بين التفاعل الحقيقي والمصطنع وتحولت الى مرآة للصراع بين الانتفاضة و اعدائها.

في هذا السياق، يسهم الاستعمار الرقمي في إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الشعارات والرموز، والسرديات، وصناعة الأبطال، والأعداء. كما يعزز قدرته على تحريك الشارع، سواء للتضامن مع ضحايا الانتفاضة وشهدائها أو لتأجيج العنف والتحريض ضدهم، ولا سيما من خلال نشر السرديات المضللة والشائعات، خصوصا تلك التي تستهدف تشويه سمعة الناشطات والناشطين. كذلك يفاقم الطائفية لأن المحتوى الانفعالي يحصد معدلات تفاعل أعلى. وفي هذا الفضاء، تتعامل الخوارزميات مع العراقيين بوصفهم بيانات وأنماط سلوك واستهلاك، لا ذوات بشرية، بهدف تعظيم التفاعل والإعلانات بصرف النظر عن مضمون المحتوى. ويزيد الأمر تعقيدًا غياب الشفافية في آليات اتخاذ القرار الخوارزمي، بما يصعّب التحقق من العدالة أو الانحياز.

وهكذا تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة صراع بين الديمقراطية والاستبداد، وإلى مرآة للبنية السياسية وأداة توظفها السلطة أيضًا. وبعد عقدين من الاحتلال وسقوط النظام السابق، تعيش الهوية العراقية لحظة إعادة تشكّل غير مسبوقة، إذ أصبح الفضاء الرقمي، مع اتساع العنف والطائفية والاضطراب السياسي، أداة فعالة في تشكيل الهوية والوعي والذاكرة والانتماء والذات، ولا سيما بين الشباب.