
لنتفق أولاً حول مفهوم ’’الپارادايم‘‘ الذي استعرناه في هذا المقال من نظرية الفيلسوف “توماس كون”، فبينما صاغ “كون” هذا المفهوم في الأصل كنموذج إرشادي أو نموذج فكري لفهم تطور العلوم التجريبية (1)، فإننا هنا نقوم بإسقاطه معرفياً على المجال الاجتماعي لنصل إلى مفهوم "البارادايم الثقافي" (Cultural Paradigm)؛ وهو بمثابة نظام التشغيل الخفي الذي يُدير عقل المجتمع، فإذا كانت القوانين والسياسات والمؤسسات هي الأجهزة المرئية، فإن البارادايم الثقافي هو البرمجية غير المرئية التي تُحدد كيف تعمل تلك الأجهزة، وكيف يفهم الأفراد عالمهم المحيط، ويصدرون أحكامهم عليه.
ظلت الإشكالات السياسية والبنيوية التي واجهت العالم العربي عبر تاريخه المعاصر رهينة مقاربات تكنوقراطية وقانونية مسقوفة، تنظر إلى التغيير من زاوية ميكانيكية بحتةٍ تختزل الإصلاح في تعديل الدساتير أو إعادة صياغة التشريعات وصناديق الاقتراع، بيد أن واقع الحال يُثبت أن أي نظام سياسي –مهما بلغت درجة إحكامه الدستوري– يظل هيكلاً بلا روح إن لم يستند إلى بيئة حاضنةٍ من القيم والمعايير الفكرية المجتمعية. مِن هنا يَبرز ’’ المنظور الثقافي‘‘ليس بوصفه نشاطا فكريا هامشيا أو نخبويا معزولا، وإنما باعتباره بنيةً تحتية غير مرئية وهندسة حيوية تعمل على حفر التربة التي تنمو فيها تلك القوانين، بهدف صياغة الوعي الجمعي وتأسيس انتقال ديمقراطي مستدام ينبع من القناعة والوعي الذاتي لا من الإكراه والتحكم الفوقي.
إن الارتقاء بالمشهد السياسي الراهن ينطلق بالضرورة من تعزيز البنيات الثقافية والمؤسساتية التي تدعم السلوك السياسي الإيجابي في الفضاء العام؛ إذ تتكامل المقاربة الثقافية والتاريخية للمجتمع مع آليات التحديث السيادي لِتنقل العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى آفاق متجددة ترتكز على دولة المؤسسات والمواطنة الدستورية الشاملة والمسؤولية المشتركة. ويُساهم هذا المسار في تقوية اللحمة الوطنية والانتقال بالمجتمع من أطر الانتماء الضيقة كالعشيرة والقبيلة، إلى أفق المواطنة المؤسساتية التي تضمن الحقوق والواجبات تحت سيادة القانون، وفي ظل الثوابت الوطنية الجامعة.
وفي سياق هذا التحول، لا يعود الفن البصري والروائي مجرد وسيلة للترفيه والتزجية، بل يتحول إلى مختبر تجريبي حقيقي للمواطنة والتثقيف السياسي غير المباشر؛ حيث تسهم السينما الجادة والأدب الروائي الرصين في إعادة بناء الذاكرة الجماعية، ومواجهة سياسات التجهيل الساعية لاحتكار السردية التاريخية، فضلاً عن تدريب العقل –من خلال الشخصيات المركبة والقصص الإنسانية وأبطالها– على قبول الاختلاف والتعددية وفهم دوافع الآخر وهو جوهر الممارسة الديمقراطية.
وهذا التطور العضوي للوعي يظل رهناً بمدى قدرة المجتمع على إنتاج المثقف العضوي الذي يغادر برجه العاجي لينخرط في هموم الشارع، معيداً صياغة المفاهيم السياسية والفلسفية المعقدة بلسان يسير يربط قضايا التنمية والحرية بالمعيش اليومي للمواطن. ويدعم هذا المسار تأسيس فضاءات ووسائط مدنية كالأندية السينمائية والمراكز الثقافية التي تعمل كبرلمانات مصغرة تدرب الشباب على فضيلة الحوار وصياغة الحجة وقبول النقد. وفي المحصلة، لا يمكن مأسسة هذه المقاربة الثقافية لضمان ديمومتها إلا عبر مدخل إجباري يتمثل في أنسنة التعليم عبر الانتقال بالمنظومات التعليمية من مربع التلقين وشحن الذاكرة وإعداد كفاءات تقنية محصورة، إلى آفاق التفكير النقدي عبر تفعيل العلوم الإنسانية كالفلسفة والسوسيولوجيا؛ فالطالب الذي يتعلم التساؤل والتعاطف ونقد السرديات الرسمية داخل محراب المدرسة، هو المواطن الفاعل والناخب الواعي الذي سيقود الغد بصورة مسؤولة. إن بناء عالم عربي مستقر وديمقراطي يتطلب بالضرورة الكف عن النظر إلى الثقافة كقطاع ثانوي أو ترفي، وإعادة الاعتبار لها كرافعة سيادية وبنية تحتية لإنتاج المواطن الفاعل، فالتغيير السياسي الحقيقي والمستدام يبدأ وينتهي بتغيير منظومة القيم وأطر التفكير التي تحرك العقل البشري، وبدون هذه الثورة المعرفية الهادئة، ستبقى المحاولات الإصلاحية تدور في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الأزمات بوجوه وأسماء مختلفة.
بناءً على ما تقدم، يتضح جلياً أن الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة التي تعصف بالعالم العربي ما هي إلا تمظهرات خارجية لأزمة غائرة في البنية الثقافية والوعي المعرفي. إن الوعي السياسي الناضج لا يمكن استيراده عبر قوالب مؤسساتية جاهزة، كما لا يمكن فرضه بإرادة سلطوية فوقية، لأنه ببساطة نبتة تنمو داخل تربة ثقافية حرة ونقدية. ومن ثم، فإن العبور نحو أفق سياسي مستقر ومستدام يظل مشروطاً أولاً وأخيراً، بمدى قدرتنا على إحداث تلك الثورة المعرفية الهادئة في البارادايم الثقافي؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ بتبديل الوجوه أو القوانين، بل بتجديد نظام التشغيل الفكري الذي يصنع وعي الإنسان، ويحدد بوصلة المجتمع.
لذا، تصبح إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها بنية تحتية ورافعة سيادية هي طوق النجاة الوحيد، وبدون هذا القطع المعرفي وتجديد أطر التفكير ستظل دورتنا الحضارية تدور في حلقة مفرغة تُعيد إنتاج الهياكل ذاتها بانتظار نتائج مختلفة لن تتأتّى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توماس كون، بنية الثورات العلمية. ترجمة د. شوقي جلال، وصدرت عن سلسلة عالم المعرفة (الكويت)، العدد 168، ديسمبر 1992، ص 46 وما يليها.
(2) "بوليتيكا" – 19 حزيران 2026







