خلال المرحلة التي تبلورت فيها الفلسفة المادية الجدلية عند ماركس وما بعدها، شهد العلم اكتشافات مهمة، فيما كانت علوم الأعصاب ما تزال في بداياتها التجريبية. ومع أفول الفرضية الأرسطية التي عدّت القلب مركزًا للتفكير، ترسخ تدريجيًا أن الدماغ هو مصدره. كذلك انهارت نظرية «الأرواح الحيوانية» التي افترضت انتقال جوهر حي داخل الأعصاب، وحلّت محلها فكرة أن الدماغ يعمل بآليات فيزيائية وكيميائية. أما فهم الذاكرة والإدراك والناقلات العصبية وآليات التشابك العصبي، فلم يكتمل إلا في القرن العشرين. لذلك ركز ماركس في كتاباته المبكرة على الفكر والوعي بوصفهما نتاجًا للمادة وانعكاسًا للوجود الاجتماعي. ثم تناول لينين هذه المفاهيم في كتابه «المادية والمذهب النقدي التجريبي» (1909) من زاوية فلسفية نظرية، وليس بوصفها تفسيرًا عصبيًا علميًا بالمعنى الحديث.

 ومما حفز لينين لكتابته هو تضافر عوامل شخصية  ارتبطت بنفية من روسيا وفي سياق سياسي اتسم بأزمة حادة داخل روسيا القيصرية عقب هزيمة انتفاضة 1905 رافقها اشتداد حملات القمع البوليسي ضد حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي وكوادره نشطائه، وأدت الى تشتت وتفكك التنظيمات الحزبية وظهور خلافات فكرية في داخلها حيث ازدهرت بين اوساط النخب المثقفة الروسية، وبعضهم من البلاشفة، تيارات فكرية غادرت الإرث الماركسي او مزاوجتها مع نزعات فلسفية تجريبية كانت قد انتشرت في أوروبا مطلع القرن العشرين. وقد رأى لينين في انتشار هذه التيارات علامة على التراجع والجزر في الحركة الثورية، وهو ما يحدث غالبًا بعد موجات القمع العنيف التي تستهدف قوى اليسار بمختلف اتجاهاتها.

ومن أبرز ممثلي هذا التيار في أوروبا أرنست ماخ (1838–1916) في النمسا، وريتشارد أفيناريوس (1843–1896) في ألمانيا. وقد ربط ماخ بين الفيزياء التجريبية ونظرية المعرفة، فمهّد للوضعية المنطقية في الفلسفة الأوروبية. وردّ المعرفة إلى العناصر الحسية، ورفض كل ما لا يخضع للتحقق التجريبي. وبحسبه، تتكون العناصر الأساسية للواقع من الأحاسيس، أما الأشياء والمادة فليستا إلا تنظيمًا ذهنيًا لها. لذلك رأى أن العلم لا يعكس العالم الخارجي مباشرة، بل يوفر وسيلة موجزة ومنظمة لترتيب الخبرات الحسية. وانطلاقًا من هذا الموقف، رفض الميتافيزيقا، وعارض مفاهيم مثل الذرة لأنها لم تكن قابلة للرصد المباشر، كما أنكر أن تكون الذات جوهرًا ثابتًا. وطرح أيضًا مبدأ «الاقتصاد في الفكر»، ومؤداه أن أفضل نظرية علمية هي الأكثر قدرة على تفسير نتائج التجربة بأبسط الوسائل. كذلك رفض تصور نيوتن للمكان والزمان، واقترح بدلًا منه أن القصور الذاتي لأي جسم يعتمد على توزيع الكتلة في الكون، وهي فكرة ألهمت أينشتاين في تطوير النسبية العامة.

ورأى ماخ أن الإدراك والوعي ليسا نسخةً من الواقع، بل بنيات حسية تنظّم الخبرة وتختصرها. فالفكر، في نظره، مجرد ربطٍ للإحساسات وترتيبٍ لها، لا فعل عقلي يعكس واقعًا خارجيًا مستقلًا. أما الوعي فهو مجموع العناصر الحسية المرتبطة في لحظة معينة، لا ظاهرة عقلية قائمة بذاتها. لذلك لا يطلب العقل الحقيقة بقدر ما يسعى إلى تقليل الجهد، ويغدو الوعي أداة لتنسيق الإحساسات وتجميعها بصورة ديناميكية. وبالمثل، لا تعدّ النظريات العلمية وصفًا للواقع، بل وسائل لتبسيط الخبرة. والماخية لا تنكر وجود الدماغ، لكنها ترفض تفسير الفكر بوصفه نتاجًا فيزيولوجيًا مباشرًا له، مستعيدةً في ذلك رأي الطبيب الفرنسي بيار جان جورج كابانيس (1757–1808)، الذي شبّه إنتاج الدماغ للفكر بإفراز الكبد للصفراء.

وكان الفيلسوف الألماني ريتشارد أفيناريوس شريكًا لماخ في تطوير المذهب النقدي التجريبي، الذي يرى الواقع نتاجًا للتجربة الخالصة من دون افتراضات مسبقة. وقد رفض الثنائية الشائعة في الفلسفات المثالية، وأكد مبدأ الاقتصاد في التفكير، أي ميل العقل إلى اختيار أبسط التفسيرات بأقل جهد معرفي. كما رفض الميتافيزيقا لأنها تفترض كيانات غير قابلة للملاحظة، ورفض كذلك المادية لأنها تفترض وجود مادة خارج التجربة.

وقدّم لينين في كتابه «المادية والمذهب النقدي التجريبي» نقدًا موسعًا لآراء ماخ وأفيناريوس والماخيين الروس. فعلى الرغم من مظهرها «العلمي» لاعتمادها على الفيزياء الحديثة، فإنها في جوهرها نزعة مثالية تنكر الواقع المادي الموضوعي. فهي لا تجعل المادة أصلًا، ولا ترى الوعي انعكاسًا للواقع، بل تقيم كل شيء على «التجربة». ورأى لينين في انتشار هذه الأفكار خطرًا فكريًا يستوجب التصدي له، لأنها تقوّض الحقيقة الموضوعية وتضعف الأساس العلمي للمادية التاريخية. لذلك شدد على أن الاكتشافات العلمية قد تعيد صياغة فهمنا للمادة، لكنها لا تنفي وجودها؛ فالعلم يكشف مستويات أعمق منها ولا يعلن زوالها. ومن ثم عدَّ المادية الجدلية الأساس الفلسفي للعلوم الحديثة، لا الماخية التي ينتهي منطقها إلى إنكار الواقع الموضوعي، وبالتالي إنكار العلم نفسه.

ازدهر هذا التيار الفكري في روسيا بعد كتاب بوغدانوف عام 1903، وتبنّاه بزاروف ولوناتشارسكي وتشيرنوف وآخرون، سعيًا إلى إحلال مفاهيم النقد التجريبي محل بعض أسس المادية الجدلية. وقد مثّل كتاب لينين إعلانًا لنهاية الماخية داخل التنظيم البلشفي، إذ كشف زيف ادعائها الحياد وأكد أنها مذهب مثالي لا يقف «فوق المادية والمثالية». كما رأى أن الفكر والفلسفة يرتبطان بالمصالح السياسية والطبقية، فلا يمكن أن يكونا محايدين، لأن المثالية تفضي إلى التوفيقية والانسحاب من الصراع الطبقي والهزيمة. لذلك غدا الدفاع عن الفلسفة المادية والعلم دفاعًا عن الثورة والتغيير. ودعا أيضًا إلى مواكبة التطورات العلمية وفهم دلالاتها الفلسفية، لأن كل اكتشاف جديد لا ينفي المادة، بل يقرّبنا من فهم الواقع الموضوعي ويتطلب جهدًا فلسفيًا لاستيعابه.

وقد احتلت الموضوعات المرتبطة بالدماغ والفكر والادراك والوعي جزءا مهما من سجال لينين مع الماخية  فالمادية الجدلية  تنظر الى  التفكير والإدراك والوعي كنتاج المادة المنظمة بشكل راق وهو الدماغ  البشري. وطور  لينين في كتابه مفهوم "الانعكاس" الذي تعني ان الوعي البشري ليس خالقاً للواقع، بل هو انعكاس له في الدماغ لان العالم  موجود خارج الوعي والمادة موجودة سواء وعينا بها أم لم لا. اما المعرفة فهي انعكاس (صورة، تمثيل، إعادة إنتاج) للواقع الموضوعي ولكن ليس انعكاساً ميكانيكياً بل صيرورة نشطة تاريخياً، واجتماعياً وحيث يتم اختبارها وتدقيقها في الواقع الحي من خلال "الممارسة" التي تشمل العمل والإنتاج والتجريب العلمي، وحيث تصبح المعرفة عملية اقتراب من الحقيقة الموضوعية في معرض رده على الماخيين الروس الذين يتنكرون للقوانين الطبيعية والواقع الموضوعي خارج الوعي البشري.

ومن الضروري هنا التأكيد انا ما عرضه لينين ومن قبله ماركس وانجلز هو ليس تحليلا من منظور علم الاعصاب كما نراه في القرن الحادي والعشرين. فلم يناقش الخلايا العصبية أو التشابكات او النواقل الكيمياوية بل قدم موضوعات أساسية منها ان الدماغ عضو مادي ينتج الفكر والوعي انعكاسًا للعالم الخارجي وانه ينشط داخل الممارسة الاجتماعية لذا يصبح الوعي ذا طبيعة اجتماعية تاريخية يتشكل ويتغير عبر اللغة، العمل، الثقافة، التاريخ وان الممارسة هي معيار الحقيقة وتشمل التجربة العلمية والتجارب الحياتية والعمل والتكنولوجيا والتفاعل مع الطبيعة.

ومن اللافت أن الدراسات العلمية الحديثة، التي تدرس الإدراك والوعي بوصفهما نشاطًا لشبكات عصبية قابلة للرصد والقياس، تنسجم في جوهرها مع المقاربة المادية الجدلية، التي وفرت إطارًا فلسفيًا قادرًا على استيعاب هذه النتائج ووضعها في سياقها المعرفي. وقد وُجّه إلى هذه المقاربة نقد مفاده أنها تبالغ في تقدير أثر العوامل البيئية والاجتماعية والخبرات الحياتية في تشكّل الفكر والوعي. لكن التطورات الحديثة في علم الجينات الجزيئي، ولا سيما الكشف عن دور التخلق الجيني، أبرزت أثر البيئة والخبرة في إعادة تشكيل البنية العصبية ضمن ما يعرف باللدونة العصبية. وقد أتاح ذلك تحديث المقاربة المادية الجدلية بوصفها إطارًا معاصرًا لفهم الوعي والسلوك والذاكرة والتجربة الإنسانية، انطلاقًا من تصور الإنسان ككائن يتشكل عبر تفاعل عضوي واجتماعي وتاريخي. وتمثل اللدونة العصبية، في هذا السياق، تجسيدًا بيولوجيًا للديالكتيك، لأنها تنفي الحتمية الجينية وتؤكد جدل الجين والبيئة؛ فالجينات لا تحدد السلوك وحدها، كما أن البيئة لا تلغي دورها. وهذا التفاعل الجدلي بين الجين والبيئة والثقافة والنشاط الاجتماعي هو ما سعى لينين إلى تأطيره فلسفيًا قبل أكثر من قرن.