تجلس فوق الهضبة الخضراء بشمال غربي لندن، فتظن أنك أمام بطاقة بريدية تدعوك للسكينة؛ حيث مروج ممتدة، وأشجار تلتقط أنفاسها بعيداً عن صخب المدينة، وبيتٌ برقم (14) يربض في هدوءٍ على أطراف متنزهٍ يحمل اسم رئيس الوزراء التاريخي وليم غلادستون، لكنّ الجغرافيا هنا خادعة. ففي عشرينيات القرن الماضي، كانت هذه البقعة الريفية المعروفة بـ "دولس هل" مأوى تنظيمياً لحركة صغيرة أطلقت على نفسها اسم "عمال صهيون". من تلك الرقعة تحديداً، صاغ المنظّر الصهيوني دوف بيير بوروخوف ورفاقه رؤيتهم لقلب المجتمع اليهودي وتحويله إلى قوة استيطانية عبر ما سموه "الهرم المقلوب"، ليتخرج من الغرف ذاتها ديفيد بن غوريون ورفاقه، مدشنين أولى شبكات التغلغل في شرايين حزب العمال البريطاني. كان المكان يُشبه الجنة، لكن الأفكار التي نبتت بين جدرانه كانت كفيلة بإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بالدم والنار.

يتتبع كتاب المؤرخ إيلان بابيه "اللوبي الصهيوني على ضفتي المحيط الأطلسي" (ترجمة أحمد حسن المعيني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2026) الجذور التاريخية والآليات السياسية لجماعات الضغط الصهيونية في بريطانيا والولايات المتحدة، وتطور أساليب الضغط وتمدد شبكات النفوذ، معتمداً على تحليل الوثائق والسياقات التاريخية. وفي تقديم الطبعة العربية، يستعرض المؤلف موقفه الأكاديمي الملتزم بتوفير سياق تاريخي وحكم أخلاقي ينحاز إلى حقوق الفلسطينيين، مستشهداً برأي الفيلسوف برتراند رسل الذي يرى أن التاريخ المكتوب بغير موقف واضح يفقد قدرته على تقديم رؤية تنقض التزييف.

بذور صهيونية قبل الصهاينة

حين انسحبت الإمبراطورية البريطانية مثقلةً بديونها، وتقدّمت الولايات المتحدة إلى الواجهة بثقة القوة الصاعدة، كانت فرصة أعاد فيها اللوبي الصهيوني كتابة قواعد لعبته بالكامل، ففي فندقٍ بنيويورك عام 1942، وخلال مؤتمر بيلتمور أُعيدت ولادة أدوات ضغط قديمة طويت، وصيغت أخرى أكثر دقة وتنظيماً لتناسب إيقاع السياسة الأميركية الجديدة، بحسب بابيه.

برز اسم إيزايا إل. كينن بوصفه أحد العقول التي فهمت مبكراً آليات التأثير داخل النظام السياسي الأميركي. عمل كينن في أربعينيات القرن العشرين ضمن شبكات داعمة للمشروع الصهيوني، ثم أسهم لاحقاً في تأسيس ما عُرف بلجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، وهي جماعة ضغط تسعى للتأثير في قرارات الكونغرس والإدارة الأميركية بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية.

اختار كينن مساراً عملياً يقوم على الاندماج داخل البنية السياسية الأميركية، مع تجنب أي صفة قانونية قد تقيّد الحركة. لهذا السبب لم تُسجَّل المنظمة بوصفها "وكيلاً أجنبياً"، وهو تصنيف يخضع لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب، الذي يفرض شفافية مالية ورقابة حكومية صارمة على الجهات المرتبطة بدول أخرى. هذا القرار منح المنظمة هامشاً أوسع للعمل، ومكّنها من بناء علاقات مستمرة مع صناع القرار، دون التعرّض لقيود قانونية تحد من نشاطها أو تأثيرها.

وبهدوءٍ محسوب، أطلق كين نشرة "تقرير الشرق الأدنى"، التي كانت أداة لصياغة رواية جاهزة تُقدَّم إلى الساسة والإعلاميين بوصفها تفسيراً معتمداً لما يجري في المنطقة. بدا الرهان على إقناع الشارع الواسع بشرعية إسرائيل هدفاً ساذجاً؛ لذا فإن تأثير التقرير على من يملكون حق القرار كان الخيار الأهم. هكذا، نُسجت شبكة علاقات داخل الكونغرس، تقوم على الدعم الانتخابي والتمويل السياسي، مقابل التزامٍ غير معلن بمواقف محددة. وفي الخلفية، ظل التهديد حاضراً، فمن يخرج من الساسة عن الخط، قد يجد نفسه أمام خصمٍ مدعوم في الانتخابات التالية.

ثنائية الضفتين

تكشف رحلة الكتاب عن تباين أسلوبي الدهاء بين ضفتي الأطلسي مع وحدة المأرب النهائي. ففي بريطانيا، ارتدى اللوبي زي الرصانة المؤسسية؛ فاخترق حزب العمال عبر وعود الاشتراكية الصهيونية ومصاهرة الأفكار، ثم اتجه لاحقاً لإنشاء منظومات "أصدقاء إسرائيل" داخل حزب المحافظين، موازياً ذلك بملاحقة المحطات الإعلامية والجامعات لتأديب أي صوت يحيد عن الخط المكتوب. كانت المعركة البريطانية تدار بالهمس في الأمسيات الفاخرة، وباستخدام نفوذ النخب الأكاديمية والسياسية لفرض الصمت، وهو ما تجلّى في الحملات المتلاحقة ضد الصوت الفلسطيني داخل الأحزاب الكبرى، وصولاً إلى استغلال اتهامات معاداة السامية لسحق أي تمرد أخلاقي داخل الحزب.

تجاوز طموح اللوبي كسب تأييد قواعد شعبية بعينها، مثل التيارات الإنجيلية المتعاطفة مع الصهيونية، إلى محاولة التأثير المباشر في مراكز القرار العليا داخل الدولة الأميركية. يورد بابيه أمثلة تاريخية لشرح هذا التحول؛ حيث تواطأت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في أكتوبر/ تشرين الأول 1956، في محاولة لإسقاط الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد تأميمه قناة السويس ودعمه للعمليات الفدائية ضد إسرائيل في غزة، ثم في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر، دخلت إدارة دوايت أيزنهاور في توتر مع إسرائيل، وحاولت فرض ضغوط عليها للانسحاب، وهو ما وضعها في مواجهة غير مباشرة مع قوى الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن.

اتخذ الضغط الإسرائيلي في الولايات المتحدة مساراً أكثر شراسة ومؤسسية. استند اللوبي إلى الشبكات الإنجيلية والنبوئية المتجذرة في الثقافة الأميركية، ثم دمجها مع قدرات مالية وتنظيمية هائلة مكنته من التأثير المباشر على الانتخابات التشريعية. ولم يتردد اللوبي في مواجهة رؤساء أميركيين أو دبلوماسيين كبار حاولوا اتخاذ سياسات متوازنة؛ فمن مواجهة إيزنهاور في الخمسينيات، إلى ترهيب جيمي كارتر وخليفته بوش الأب الذي صرح في لحظة غضب شهيرة بضرورة الوقوف بوجه الضغوط، وصولاً إلى استهانة نتنياهو بإدارة أوباما في ملف الاتفاق النووي الإيراني.

تبرير الجريمة وتجاهل الضحية

يرى بابيه أن الجهد الذي بذله اللوبي منذ نشأته لم يكن يهدف في جوهره إلى محاورة الفلسطينيين أو الرد المباشر على روايتهم التاريخية، بل جرى التعامل معهم وفق منطق "إزالة السكان الأصليين"، وهو المنطق نفسه الذي رافق تجارب الاستعمار الاستيطاني في أميركا الشمالية وأستراليا. كان التحدي الحقيقي بالنسبة للوبي يكمن في كيفية تبرير ما حدث للفلسطينيين أمام الضمير الغربي، وإقناع العالم واليهود أنفسهم بالصحة الأخلاقية للمشروع الصهيوني، عبر إعادة تعريف اليهودية من دين إلى هوية قومية استعمارية تُشرعن إقامة الدولة على أرض فلسطين التاريخية.

أدرك اللوبي عقب الحرب العالمية الثانية أن الخطاب الاستعماري القديم والممارسات العرقية أصبحت تتعارض مع القيم الجديدة المنادية بالتحرر وحقوق الإنسان. ولأنه يعلم صعوبة إقناع الجماهير العريضة بوجاهة الاحتلال والتمييز، فقد صبّ كل ثقله نحو استهداف النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية. يمكن إغراء النخب بالتمويل السياسي، أو شراؤها بالنفوذ، أو ترهيبها بإنهاء مسيرتها المهنية، بينما تظل الجماهير والمجتمع المدني أكثر عصياناً على الترويض الكامل.

تأكد لبابيه ما طرحه بداية من تحوّل اللوبي مع مرور العقود من ذراع لحماية إسرائيل إلى كيان سياسي قائم بذاته يقتات على نفوذه. أصبحت المحافظة على القوة السياسية في واشنطن ولندن هدفاً ذا قيمة قائمة بذاتها، تماثلاً مع العالم السوداوي الذي رسمه جورج أورول في روايته "1984"؛ حيث تُمَارس السلطة لمجرد ممارسة السلطة وإخضاع الخصوم. لقد بدا اللوبي في حالات كثيرة يتحرك بغضب وشراسة لإسكات أي تضامن مع الفلسطينيين في بعض الجامعات أو الجمعيات الكنسية المتطرفة أو المجالس البلدية، ليس فقط دفاعاً عن سياستها، بل إثباتاً لقدرته على الإخضاع والهيمنة.

ما بعد السابع من أكتوبر

يتوقف الكاتب في النهاية عند محطة السابع من أكتوبر 2023 ليقرأ مستقبل هذا النفوذ الضارب في القدم. يرى بابيه أن رد الفعل العالمي تجاه الحرب على غزة كشف عن انقسام حاد وغير مسبوق بين معسكرين واضحين. الأول هو "إسرائيل العالمية"، وهو تحالف يضم معظم الحكومات الغربية، والأحزاب الحاكمة، ووسائل الإعلام السائدة، وشركات السلاح الكبرى، والتي سارعت إلى تبني الرواية الإسرائيلية وتوفير الغطاء السياسي والعسكري للانتقام الجماعي والإبادة في غزة. أما المعسكر الثاني فهو "فلسطين العالمية"، الذي يتشكل من الحركات الشعبية، والطلاب في الجامعات الغربية، والنقابات العمالية، والمؤسسات الحقوقية، وأجيال جديدة من الشباب الذين لم يعودوا يستهلكون السرديات الإخبارية الموجهة.

يعتقد بابيه أن "الدرع الأخلاقية" التي أمضى اللوبي أكثر من قرن في بناء صرحها لحماية إسرائيل من المساءلة والتسييل القانوني قد تعرضت لتصدعات عميقة وغير قابلة للترميم.

لم يعد ممكناً الاستمرار في تسويق مشروع استعماري يعتمد على الفصل العنصري والحصار والقوة الغاشمة أمام جيل متصل شبكياً يرى الحقائق مباشرة بالصوت والصورة، بعيداً عن مقص الرقيب ومكاتب الضغط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"العربي الجديد" – 4 آب 2026