
العسكرة (Militarization, or militarisation) - ثمة العديد من التعاريف المصاغة من قبل المختصين بهذه الظاهرة – العسكرة – والهادفة لتحديدها بشكل اكثر وضوحا ولكي تعبر عن وجهة نظر محددة وتعكس الخلفية الفكرية لهذا الباحث أو ذاك. وبغض النظر عن هذه الملاحظة فانه يمكن القول ان العسكرة يمكن فهمها بثلاث معانٍ:
أولا: العسكرة كآيديولوجية. إذا كان هدف كل مستوى من مستويات الممارسة الاجتماعية للطبقة المسيطرة (أو الائتلاف الطبقي) هو اعادة إنتاج البنية الاجتماعية وفقا للشروط التي تتضمن هيمنة تلك الطبقة فإن الإيديولوجيا يتوجب عليها انجاز هذا الهدف في حقل نشاطها من خلال " تنظير " الممارسة الاجتماعية تلك. وبهذا الصدد يمكن القول ان العسكرة هي الآيديولوجية الداعية للحرب التي تطرح اهدافا تستدعي تلك الحرب. وهنا تعرف العسكرة بأنها "مختلف الاشكال الايديولوجية لتبرير السياسة الحربية للدول الرأسمالية وكذلك استخداماتها للقوة المسلحة في النزاعات المحلية".
ومن جهة اخرى تطرح العسكرة على انها الآيديولوجية الداعية لمبدأ الحكومات العسكرية أو بدرجة اقل حدّة، بأنها الآيديولوجية الداعية لاستقلال العسكريين عن السلطة المدنية. وطبقا لذلك فإن العسكرة هي: " المذهب Doctrine المعتمد من قبل مؤيدي غلبة العنصر العسكري في الدولة ".
غير ان العسكرة لا تحدد على أنها آيديولوجية العسكريين فقط، بل وكذلك سيادة أو هيمنة آيديولوجيتهم في أوساط مجتمع ما. وبهذا الفهم تحدد العسكرة بأنها: "غلبة المشاعر والمُثل العسكرية على شعب معين".
ثانيا: العسكرة كسياسة، أو على وجه الدقة كأحد تجليات السياسة التي يمارسها ذلك الجزء النشيط من البناء الفوقي – الدولة.
نقطة الانطلاق هنا هي اطروحة ماركس في (18 برومير لويس بونابرت) والتي اعتبرت الدولة آلة تسمح للطبقات المسيطرة بتأمين سيطرتها على الطبقات الأخرى من أجل اخضاعها لعملية نهب متعاظم لفائض القيمة بما يسمح بتجديد انتاج النظام وفقا لشروطها. غير ان تأمين السيطرة تلك يستدعي ممارسات ملموسة. وفي ظروف العولمة المتعاظمة للحياة الاقتصادية – الاجتماعية فان تلك الممارسات الملموسة تتخذ طابعا عالميا وتضع امامها اهدافا توسعية يتم تحقيقها باستخدام القوة المسلحة. وبهذا المعنى فان العسكرة هي: "السياسة..... الرامية لتعزيز القوة المسلحة والاستعدادات الحربية لأهداف الحاقية والتي تنتهجها البلدان الرأسمالية والمتخذة مديات واسعة في حقبة الامبريالية. ان تحقيق العسكرة يعني اخضاع الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية .... لأهداف الاستعداد للحرب".
يمكن القول بأن العسكرة هي خاصية ملازمة للرأسمالية الإحتكارية في سبيل اعادة اقتسام الاسواق ومناطق النفوذ واحكام هيمنة الطبقات المسيطرة اقتصاديا، وسياسيا وآيديولوجيا. وبهذا الصدد كتب (لينين) واصفا العسكرة بأنها:"نتيجة للرأسمالية. وهي بشكليها تجلٍ حيوي للرأسمالية: كقوة حربية تستخدمها الدول الرأسمالية في مصادماتها الخارجية...... وكسلاح في يد الطبقات السائدة من اجل قمع حركات البروليتاريا من كل شاكلة وطراز".
ويمكن القول أن العسكرة باهدافها العامة وتوجهاتها السياسية ترمي الى "تلطيف" حدّة التناقضات المرتبطة بالتطور الرأسمالي والمرافقة له ساعية لتقليص "الضغوطات" الناجمة عن "نزاعات" معينة، في المستويات المحلية والدولية، خالقة في نفس الوقت نزاعات جديدة، ولا يمكن تحقيق ذلك ممارسيا إلا بخلق المؤسسة القادرة على ضمان "ضبط الامور". وبهذا الصدد فان العسكرة – كممارسة – تتمثل في المحافظة على جيش دائم محترف قائم على قواعد الانضباط والولاء والخضوع للطبقة المهيمنة.
ثالثا: العسكرة كظاهرة مرتبطة ببنية محددة للسلطة. وفقا لهذا التصور يجري تناول العسكرة بمعنيين:
العسكرة كتعبير عن الحكومات العسكرية المتوضعة كمجموعة اجتماعية مستقلة ومتميزة.
العسكرة باعتبارها التأثير المقرر الذي يمتلكه العسكريون على سياسة الدولة وكذلك مختلف جوانب الحياة الاجتماعية الاخرى، بغض النظر عما اذا كان ذلك التأثير يجري بشكل مكشوف أو تحت يافطات معينة.
وفي ضوء ذلك يتم تناول العسكرة بالمعنى الضيق وبالمعنى الواسع.
إنها، بالمعنى الضيق، تعني: " الحكومات العسكرية كمجموعة مستقلة منفصلة (متمايزة) والتي يمكن ان تظهر في البلدان المتخلفة، أي ينعدم وجود طبقات مالكة قوية وحيث الجهاز الحكومي ليس في وضع يمكنه من القيام بالتحولات الاجتماعية المطلوبة والضرورية".
أما بالمعنى الواسع فان العسكرة تعني: " الظواهر والنزعات العسكرية التي تشكل حقلا محددا لتنامي البيروقراطية على صعيد اقتصادي – اجتماعي وسياسي اكثر اتساعا ".
وعلى اساس الملاحظات السابقة يمكن تناول العسكرة كظاهرة ملموسة ومعالجتها على مستويين:
المستوى الاول. هنا يتم تناول العسكرة باعتبارها عملية ادخال منتظمة للاشكال والطرق والانظمة والمضامين العسكرية الى مختلف جوانب الحياة المدنية، الاقتصادية والاجتماعية، وعلى وجه الخصوص السياسية منها. ان هذه العملية تقترن عادة بـ "تسرب" ممثلي المؤسسة العسكرية الى الحلقات المقررة في اجهزة البناء الفوقي وكذلك في منظمات الادارة الاقتصادية. وبنتيجة ذلك ينشأ نمط متشابك من الروابط العسكرية – السياسية يمكّن من انخراط متواصل لأفراد من المؤسسة العسكرية في عملية تسيير الحياة الاقتصادية والسياسية بشكل مباشر.
المستوى الثاني، وفيه يتم تناول العسكرة على أنها منظومة النشاطات الرامية الى تعزيز وتوطيد الخيارات أو الحلول الاقتصادية – الحربية والعسكرية للبلد المعني.







