
شهد العالم، منذ نصف قرن تقريباً، تراجع النموذج الرأسمالي القائم على مساهمة نسبية للدولة في تنظيم الأسواق والقطاع المالي، وإعادة توزيع جزء من فائض القيمة لتمويل "دولة الرفاه"، والاعتراف بالدور السياسي والاقتصادي للنقابات، وتنظيم علاقة العمل برأس المال، وحلّ محلّه نموذج جديد يقوم على تحرير الأسواق، وخصخصة المؤسسات العامة، وتحرير حركة رؤوس الأموال، وإضعاف النقابات، وتوسيع التجارة العالمية، وهو ما أطلق عليه بالليبرالية الجديدة.
ولم تكن هذه مجرد مجموعة من السياسات الاقتصادية، بل فكرة متكاملة ترى في تحرير الأسواق، ورفع القيود التنظيمية، وفتح التجارة والاستثمار، وتقليص ملكية الدولة، سبيلاً إلى زيادة الكفاءة والنمو والابتكار، إلى جانب "حق" الأسواق المالية العالمية في التحكم بالسياسة الاقتصادية للدول. ومثلت هذه الفكرة مرآة للعلاقة المأزومة بين الرأسمالية والديمقراطية. فحين ارتفع الدين العام، وتزايدت قوة الأسواق المالية، نفّذت الحكومات سياسات تقشف وخصخصة أفضت إلى تقليص قدرة الدولة على توجيه الموارد وفقًا للأولويات الاجتماعية، واصطفّت مع الدائنين والأسواق المالية على حساب حقوق المواطنين، وجرى التضييق على الديمقراطية الاجتماعية لصالح عمل الأسواق وحماية الاستقرار المالي (1، 2)
وتمتّع هذا النموذج بذروة نفوذه بعد انهيار التجربة الاشتراكية الأولى، حتى توهم أصحابه أنه نهاية التاريخ (3)، قبل أن يتعرض لهزات متلاحقة، بدأت بالأزمة المالية عام 2008، ثم جائحة كوفيد، واضطرابات سلاسل الإمداد، والحرب في أوكرانيا، والتوتر التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، وأزمات الطاقة والغذاء، مما فسح المجال لظهور مفاهيم الأمن والاستقلال الاستراتيجي من جديد، وجعل من الدفاع عن قدرة السوق على تنظيم نفسه بصورة كاملة فكرة غير مقنعة تماماً. ويشير تقرير لصندوق النقد الدولي بهذا الصدد إلى أن استخدام مفهوم السيادة الاقتصادية، بهدف زيادة النمو، وحماية الأمن القومي، والمرونة في سلاسل الإمداد، والمنافسة الجيوسياسية، بات أكثر تواتراً (4).
عودة إلى السوق الوطنية
وإذا كان أحد أهم عناصر النيوليبرالية هو إخضاع الاقتصاد الوطني بدرجة متزايدة لقواعد السوق العالمية، فإن التحول الراهن يتمثل جزئيًا في إعادة الاقتصاد إلى المجال السياسي الوطني عبر دعم الصناعات المحلية، وفرض قيود على بعض الواردات، وحماية سلاسل الإمداد، واعتبار التكنولوجيا والطاقة والغذاء قضايا أمن قومي، واستخدام الدولة للاستثمار العام في قطاعات استراتيجية. وسرعان ما برز أيضاً مفهوم Economic Nationalism أو ما يمكن ترجمته بالقومية الاقتصادية، وهي السياسة التي تعطي الأولوية للقدرة الإنتاجية الوطنية، وتقلل الاعتماد على الخارج في القطاعات الاستراتيجية، وتستخدم أدوات الدولة لحماية الصناعات المحلية وتطويرها (5).
دور اليسار الاشتراكي
ومع ظهور هذا المفهوم، الذي لا يرفضه اليسار بصورة مطلقة، بل يتعامل معه على أساس الغرض الاجتماعي الذي يستهدفه ومدى ابتعاده عن أي أيديولوجية قومية متطرفة، ومع تراجع العولمة واستعادة الدولة الوطنية بعضاً من سيادتها الاقتصادية، اتسع الحوار حول سبل جعل هذه المتغييرات ملائمة لصعود اليسار. وبرز هنا تحذيران مهمان، أولهما عدم اعتبار هذا التغيير انتصاراً تلقائياً لليسار، قبل أن تتمكن قواه من تحويل الإحمائية إلى مشروع للديمقراطية والعدالة الاجتماعية بدلاً من أن تُستغل في خدمة رأس المال الوطني، وثانيهما عدم الإسراف في الحديث عن انتهاء النيوليبرالية لأنها لم تختفِ بعد.
ورغم أن عودة السيادة الوطنية إذا اقترنت بالديمقراطية وبإخضاع الاقتصاد لمصلحة الشعب، يمكن أن تكون ذات قيمة لليسار، الذي كان ناقداً تاريخياً لتحرير الأسواق وإضعاف الدولة، فإن اليمين الشعبوي كان، للأسف، أسرع في الاستفادة سياسياً من ذلك، وراح يوظف الاستياء الناجم عن العولمة لإعادة المصانع، وفرض الرسوم الجمركية، وحماية العمال الوطنيين، وطرد المهاجرين، وتخفيض الضرائب على الشركات، دون إجراء أي تغيير في علاقات الملكية.(6)
ولهذا بات على اليسار ربط استعادة الدولة بتحسين قدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية ديمقراطية تحفظ التوازن بين السوق العالمية والسيادة الوطنية، بعد أن فرطت العولمة النيوليبرالية في هذا التوازن لمنع هروب الاستثمارات، أي باستخدام قومية اقتصادية اجتماعية تعيد السيطرة الديمقراطية على الاستثمار والإنتاج والعمل. (7) ولا يظهر الاختلاف بين المذهبين في بقاء الدولة أو غيابها، بل في من يسيطر عليها ومن يستفيد من تدخلها.
نمو فرص اليسار
وتمثل عودة السياسة الوطنية في صورة دعم حكومي واسع لتطوير الصناعات الاستراتيجية والتكنولوجيا والطاقة النظيفة، والمطالبة بالاستقلال الاستراتيجي، واعتماد التخطيط الصناعي طويل الأجل، هزيمة للنيوليبرالية، التي طالماً رأت الدولة عاجزة عن معرفة القطاعات التي ينبغي الاستثمار فيها، وأن السوق أكثر قدرة على تخصيص الموارد (8).
وبسبب عدم اقتصار دوافع هذه السياسة على التنمية الاقتصادية، وامتدادها لتشمل مسائل الأمن القومي والمرونة الجيوسياسية، نالت أسئلة اليسار على مصداقية اكبر. فإذا كان من المقبول مجددًا أن تستخدم الدولة المال العام لتوجيه الاستثمار، فلماذا يجب أن تذهب هذه الأموال إلى الشركات الخاصة دون شروط اجتماعية، مثل الحفاظ على الوظائف، ورفع الأجور، والاعتراف بالنقابات، وتقليل الانبعاثات، ومشاركة العمال في الإدارة، واخيراً حصول الدولة على حصة من الملكية؟ وهي شروط توفر فرصة لليسار لإعادة توزيع القوة داخل الرأسمالية نفسها، وربما تجاوزها تدريجيًا في بعض القطاعات. كما أن نمو فرص اليسار لا يتطلب التركيز على إعادة توزيع الدخل من خلال دولة الرفاه فحسب، بل وأيضاً تحديد من يملك الاقتصاد ومن يقرر اتجاه الاستثمار، فالاشتراكية تعني تغيير علاقات الملكية والسيطرة على الإنتاج.
وتفتح عودة الدولة إلى الاقتصاد ابواباً جديدة لتوسيع الملكية العامة في الطاقة، والنقل، والإسكان، والرعاية الصحية، والبنية التحتية الرقمية، والصناعات الدوائية، وشبكات الكهرباء. ولكي تحصّن الملكية العامة من البيروقراطية والاستبداد، لا بد من الجمع بين الملكية العامة والديمقراطية الاقتصادية، وبين تمثيل العمال في مجالس إدارة الشركات، وتقوية النقابات، وتطوير التعاونيات، وإنشاء صناديق ثروة اجتماعية تملك حصصًا في الشركات الكبرى. وبذلك ينتقل اليسار من سياسة "تصحيح نتائج السوق" إلى سياسة التأثير في كيفية عمل الاقتصاد نفسه.
البروليتاريا والقومية الاقتصادية
أدت العولمة، من خلال زيادة التجارة وإعادة توزيع الإنتاج عالميًا، إلى زيادة البطالة في بعض الدول الصناعية، مما ولّد شعوراً بالاستبعاد لدى قطاعات من الطبقة العاملة، استغله اليمين الشعبوي وحوله من صراع اجتماعي بين العمل ورأس المال إلى صراع بين المواطنين والمهاجرين أو بين الدولة الوطنية والعالم الخارجي. ويلقي هذا الواقع على اليسار مهمة فضح استخدام رأس المال للمنافسة بين العمال، والسعي لرفع الوعي بضرورة أن تصبح السياسة الاقتصادية الوطنية وسيلة لحماية العمل، لا وسيلة لخلق عداوة بين العمال. كما ينبغي عليه تجنب الوقوع في خطأ مساواة القومية الاقتصادية بالاشتراكية، فالدولة يمكن أن تدعم الصناعة الوطنية وفي الوقت نفسه تحافظ على ملكية رأسمالية شديدة التركيز، أو أن تتحول إلى شكل من أشكال رأسمالية الدولة.
كما ينبغي على اليسار تبني معايير واضحة للحكم على السياسة الصناعية الوطنية، ما الذي تنتجه؟ ومن يملكه؟ ومن يعمل فيه؟ ومن يحصل على الأرباح؟ وما هي الشروط الاجتماعية والبيئية المرتبطة بدعم الدولة؟ فعبر الاجابة على هذه التساؤلات يمكن أن يتم التعرف على أمكانية تحويل هذه السياسة من سياسة رأسمالية إلى سياسة اشتراكية تدريجية.
أن السيادة الديمقراطية للدولة الوطنية لا تتناقض بالضرورة مع التعاون الدولي في قضايا المناخ، والتجارة، والضرائب، والتمويل، والتكنولوجيا، والطاقة، بل يمكن أن يتكاملا، إذ يرى مفكرون أن على اليسار إيجاد صيغة تستطيع فيها الدول ذات التوجه الاجتماعي أن تتعاون فيما بينها (9).
وتحظى فكرة التحول الأخضر بشعبية كبيرة، فالانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يحتاج إلى استثمارات هائلة في الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، والنقل العام، والمباني، والصناعة، والتكنولوجيا، وإلى تخطيطً طويل الأجل، لا تستطيع الأسواق وحدها ضمانه. ومن هنا يستطيع اليسار أن يطرح مشروعًا يقوم على أربعة عناصر (الدولة والصناعة والبيئة والعمل)، بحيث يجمع بين تقليل الانبعاثات وبناء قاعدة صناعية جديدة، وخلق وظائف اكثر، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع الملكية الاجتماعية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1. Wolfgang Streeck, “The Politics of Public Debt: Neoliberalism, Capitalist Development and the Restructuring of the State,” German Economic Review, Vol. 15, No. 1, 2014, pp. 143–165.
2. Wolfgang Streeck, “Capitalism, Neo-Liberalism and Democracy,” interview with Ben Jackson, 2014.
3. "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، الجزيرة نت، 8 ديسمبر 2022.
4. International Monetary Fund, “Industrial Policy Can Lift Productivity—but Comes With Risks and Trade-offs,” IMF Blog, 25 November 2025.
5. Simon J. Evenett et al., Industrial Policy Since the Great Financial Crisis, IMF Working Paper 2025/222, International Monetary Fund, 2025.
6. Benjamin Kunkel, “The New National Question,” New Left Review, 160, 2026.
7. Dani Rodrik, The Globalization Paradox: Democracy and the Future of the World Economy, W. W. Norton, 2011.
8. Simon J. المصدر السابق
9. Benjamin K. المصدر السابق







