
أهداني الصديق الروائي والشاعر والمترجم هذه الرواية في 2021
وقرأتها، والتقيته واعطيته رأيا وجيزا عن قراءتي وبعض الملاحظات عن طباعة الرواية.
(*)
أوّل مواجهة بين القارئ والمؤلف هي صدمة عنوان الرواية
ومن الصدمة يرتفع سؤال القارئ: كيف يحل العطش في وادي الرافدين؟ وماهي الأسباب التي أدت لهذا العطش؟ وسابقا قال السياب (ما مر عام ٌ والعراق ليس فيه جوع) وصرخ مستغربا مظفر النواب (جوعٌ وثلاثة ُ أنهار؟) تحيل مفردة (عطش) للحكومات المتعاقبة، التي ضيعت العراق وثرواته وأهله.
وهذه المفردات جسدتها الرواية، من خلال الاجهاز على الشيوعيين، حيث تسلم السلطة جثة الأستاذ علي، ولا يحق لعائلته أن تقيم مجلس عزاء، هذه في بداية التصفيات لكن بعد ذلك لا بيان وفاة ولا قبر معلوم للشيوعيين والإسلاميين وكافة القوى الوطنية
ويتم نسف الجبهة الوطنية والحرب ضد إيران ثم غزو الكويت، والانتفاضة الجماهيرية، أثناء انسحاب الجيش من الكويت، ثم دبابات أمريكا التي اسقطت الطاغية، وبعد السقوط الاقتتال الطائفي، والتفخيخ.
(*)
في الصفحة الأخيرة من الرواية، تحيل مفردة (عطش)
إلى وباء كورونا، واصابة (وفاء) بهذا الوباء وهنا كارثة العطش الشرس ،(رفعوا نسبة الأوكسجين لها، لم يمض وقت طويل حتى جفت شفتاها وضاق التنفس تماماً سألها رافع: وفاء تريدين ما، وفاء أنت عطشى! / 288)
(*)
أن قاتل الحب بين وفاء ورافع، هو أم وفاء التي تريد أن تسرد حياة بنتها بمشيئتها هي، لا برغبة بنتها التي لا تريد زوجا وحبيبا غير رافع. وكان سرد الأم لحياة بنتها، بشعاً وقاسياً، فما يهم الأم هو المال والمال فقط.
(*)
هندسة الرواية إلى فصول قصيرة، جعل السرد مشوّقا وجميلاً
(*)
الرواية وهي بسعة صفحة298، تمنح القارئ جواباً سردياً وافياً، على عنوانها. وعلى القارئ أن يصغي وهو يتنزه في أربعين فصلا من السرد الروائي الجميل، المتكون من الذاتي والعام، وهنا تكون الرواية من نسيجين متداخلين، فهي سيرة وطن وسيرة إنسان شفيف المشاعر، وترى قراءتي للرواية: خطين سردين متوازيين، ومختلفين، خط سالب والآخر موجب. ويواصل الخطان حضورهما من بدء الرواية إلى ختامها
(*)
المؤلف جاسم محمد بالسرد الروائي يريد تضميد الخاص والعام، والبينة على ذلك صفحة الإهداء:
(إلى وطني الجريح: العراق.
إلى أمي الحبيبة التي علمتني أن الوطن: بيت.
إلى زوجتي وحبيبتي الراحلة (رحمها الله): سمراء.)
ويعود إلى الوطن (إلى الأرض التي تعفر ترابها بدم الشهداء
إلى كل الأحرار الذين يريدون: وطن) في الإهداء الأخير
(إلى كل الأحراء الذين يريدون: وطن) يؤكد المؤلف الروائي جاسم محمد تضامنه المطلق مع انتفاضة تشرين العارمة التي استشهد فيها أقمار العراق وشموسه.
(*)
التوازي السردي الأول : هو النجاح المتميز ل (رافع) الذي ادخل البهجة للعائلة وكانت فرحة الأم بعينين باكيتين، في الفصل الثاني، يظهر الخط السردي السالب: على الضابط الشيوعي، أن يتسلل خارج الوطن، لأن البعثيين، لن يرحموه وقد كان متشددا معهم، بتوقيت حكومة عبد الرحمن عارف. والضابط هو أبو أحمد خال رافع والزمن الروائي يعلن عن 1969، في هذه اللحظة انتقل الفرح العائلي إلى كآبة عائلية، لأن الخال الضابط سيغادر بطريقة سردية، عبر بادية السماوة. بعد رحيله بثلاثة أيام، يظهر الخط السردي الموجب، يأتي البشير ويسلّم العائلة مظروفا لأم أحمد، يحتوي المظروف رسالة عن سلامة دخول الضابط الشيوعي إلى السعودية، فتعود الفرحة للبيت. ثم بعد أيام تستعد أم للسفر عبر بغداد ومنها إلى السعودية، هنا تصيب الكآبة قلب رافع، فسفر العائلة سيحرمه من عروسة المستقبل وفاء ابنة خاله. وهنا يهيمن الخط السردي السالب على رافع.
(*)
في السعودية رواتب غير السعوديين هابطة مقارنة بالسعوديين، والمعلمات السعوديات يتعاملن مع المعلمة العراقية أم أحمد، بقسوة، مما يضطرها لتقديم الاستقالة، هنا التوازي السالب، لكن زوجها تساعده الظروف لتوليد التوازي الموجب، يحصل على ترقية في عمله كما حصل على عمل أضافي في معرض للسيارات.
(*)
السرد في ص29 يختزل الزمن ويخبرنا السارد بمرور سنوات على وجود الخال أبو أحمد وعائلته في السعودية، وأن العائلة قررت تزور العراق. هذا الخبر يسعد قلب رافع، لكن المتوازي الثاني سيجعله تعيسا، فتعرف عائلة رافع أن الزيارة تأجلت لأسباب
تخص عمل الخال، ثم بعد أيام تحل البشارة بمجيء الخال إلى البصرة. وتكون الزيارة في (20/ 9/ 1978)
بالطبع فرح رافع فرحا كبيرا بمجيء وفاء التي ازدادت جمالا وبادلت رافع نفسه الشعور، وهنا متوازي السعادة، يقابله متوازي الإحباط لدى ابنة خاله الثاني، وهي لمى فقد شعرت بالغيرة من وفاء، وحتى توقف البث بين العيون، أمرت أن يذهب إلى عمته ويسلّم عليها، لكن المتوازي السعيد ينتصر، حين تقول وفاء لرافع
(أنا سوف أعود معك/ 32)
(*)
أم وفاء ماهرة في صناعة المتوازي السالب فهي (لم تكن تحب أم رافع/ 39) وهي تخطط لبنتها أن تعيش حياة مرفهة، جمالها الفتان لا يستحقه إلا أمير سعودي أو رجل أعمال خليجي. لكن بنتها وفاء تجسد المتوازي الموجب، فهي لا ترتاح إلا في بيت عمتها الفقيرة أم رافع. ثم يصعقنا المتوازي السالب، حين تبكر أم وفاء وتقتحم بيت أم رافع وتقف وسط البيت وبعصبية تخاطب بنتها وفاءً وحين تتدخل بلطف أم رافع، تخاطبها أم أحمد (تذهب معي الآن ماذا لديها عندكم؟/ 44) ثم تسحب بنتها وتغادر بيت أم رافع وهي عمتها. ثم يخبرنا السارد بظهور المتوازي السعيد ثانية :
(عاش رافع ووفاء أياما جميلة خلال فترة الاجازة تلك، وقد أدرك رافع أن وفاء متعلقة به كما أن وفاء أيقنت من حبه لها وخوفه عليها/ 45) ويظهر المتوازي السالب، حين يقصدها أبو رافع، طالبا منها يد وفاء لرفع، يكون جواب أم وفاء خشنا ولا تناديه (أبو رافع) بل تخاطبه (محمد) فشعر الرجل بنوع من الإهانة واتهام باطل. ثم تجيبه بصراحة مطلقة ( أمرالزواج هذا مرفوض) ثم ترده بقوة (أنا أريد لبنتي زوج مناسب/ 51) وستذوق وفاء المر والويل من الزوج السعودي الثري، المدمن على الخمر والمخدرات، لكن قوة شخصية وفاء تتحداه، وتتحرر اقتصاديا، حين تتوظف..
(*)
الفضيلة الوحيدة لهذه الأم الخالية من الرحمة والتي لا تفكرّ بغير المال والذهب، لولا أم وفاء التي يتجسد فيها الخط المتوازي السالب المطلق، لما كانت هذه الرواية الموجعة، هذه الرواية التي تناصر الجمال والعدالة والحق في عراقنا المسلوب بلا ذنب
جاسم محمد/ عطش في وادي الرافدين/ ط1/ دار يسطرون/القاهرة/ 2021
*مشاركة في الأمسية الثقافية التي أقامها ملتقى جيكور الثقافي في قاعة الشهيد هندال
13 كانون الثاني 2026







