عنوان المجموعة الشعرية يؤسس لمفارقة شعرية ذكية وكسر الواقع فليس الماء وسيلة الغسل بل موضوعها . والغير مألوف في العد التنازلي للنصوص والتي مجموعها " 164 " حيث البداية من هذا الرقم وتنتهي بالرقم " 2 "

يمكن قراءة العنوان بوصفه فعلا وجوديا ، الإنسان الذي يحاول إنقاذ العناصر الأولى من فساد العالم. غسل الماء قد يكون محاولة يائسة لإعادة البراءة إلى أصل الأشياء، او احتجاجا صامتا على زمن تسبب في تلوث رموزه .

* " كلما مررت بهم ، اراهم يؤثثون الامس ويتركون النهار ذبيحا على ساعة حائط المكتبة ترفضهم وشمس الشوارع ، " 162"

النص يشتغل على ثنائية الزمن، الأمس بوصفه زمنا مؤثثا ، وربما مزيفا ، وحاضرا مذبوحا .هنا يثبت الكاتب نجاحه في خلق هذه المفارقة ، حيث كشفت نقدا ضمنيا لوعي يعيش على ترميم الماضي ويهمل الحاضر، او يضحي به .

" * اذا عشقت سمكة طائرا يغرد على شجرة ، كيف تراه " 158

المفارقة في هذا النص تقوم على استحالة اللقاء لا على غرابته فقط ، وهي مفارقة وجودية أكثر منها تصويرية. وعلى غير المتوقع هنا أن العشق يحدث بين كائنين لا يشتركان في أفق واحد للرؤية.

 * " لا نعرف كيف نتحاشى جدرانا لا نراها ، ترتطم بنا كل يوم في الشوارع " 114

المفارقة في هذا النص تنشأ من تصادم اللامرئي بالمحسوس، ومن عكس وظيفة الرؤية والحركة ، حيث لإنسان هو الذي يرتطم بالجدار وليس

 العكس ، نستدل من النص ان هناك عوائق غير مرئية لكنها مؤثرة ، فالجدار متحرك غير ثابت ، الشارع مفتوح لكنه يصطدم بنا ،

* " الشيخوخة تنقض على الكفين ، آثارها الضوئية تختض في عروة الكوب بين السبابة والابهام " 62

الشيخوخة، لا تقرأ كخسارة بل كشف بصري دقيق جدا ؛ لا تسرق الأشياء من اليد، بل تُضيء العلاقة الهشة بينها وبين العالم. للزمن هجمات نعم، لكنه يترك أثره في شكل ومضة لا في شكل ندبة.

* " غصة الغصون تربك الهواء الواقف على رؤوس اصابع كفيه في هذا الفضاء الساطع عريا "

المفارقة في هذا النص تقوم على قلب خصائص الأشياء وتبادل وظائفها، بحيث يصبح المجرد جسدًا، والمتحرك متجمدا والطبيعيّ مختنقا .

* " على ذمة الحوار والسيناريو : يشاع ان المتسبب : شيخوخة شجر اصابت الهواء باليرقان ، لا أحد يحفر الظلام " " 38"

 الفارقة في النص تهكّمية/كاشفة: تُكتب الأسباب بدل أن تُكشف ، يمرض الهواء بدل محاسبة الفاعل ، يلام الشجر بدل النظام ، ويترك الظلام بلا حفار .

   * " السفينة تتأمل شجرة فتية تتصدى لهواء خبيث ، لا مجال للطيران " "32"

ا نه نص عن عالم تُسحب فيه وظيفة الأشياء، فتبقى الكائنات في أماكن ليست لها، تقاوم ما لا يُرى، دون أفق أعلى .

* " لا يتوقف التسبيح في طي المسافة كالسجل يرتق الضفتين ويعبر الاقاليم في جلوسه الصامت ، وظله يسيح في كل مكان وآن " " 28 "

انه نصّ يقول إن الزمن والمسافة يخضعان لما لا يُرى، وأن الجلوس، حين يكون امتلاءً ابعد من السفر ، تتشكل المفارقة في هذا النص عبر جمع المتنافر ، حركة قصوى ، سكون مطلق .

* " المتساقط لا حبات عنب ولا زيتون ولا تمر .. المتساقط حاوية الفورمالين المستطيلة الزقاء : عيون السجناء بعد الشنق " " 14 "

 لمفارقة في النص ليست لغوية فقط، بل سياسية/وجودية: الأرض لا تُنبت ،  الذي يسقط هو الإنسان ، والذي يُحفظ هو عيونه، لا حياته ، إنها مفارقة عالم يخزّن الموت بدل أن يوزع الخبز .