ابتدأ المقهى الثقافي العراقي بلندن موسمه الجديد لهذا العام بأمسية حمل عنوانها موضوعا له فرادة وخصوصية .. فقد تضمن إعلان المقهى ان الدارمي نوعا خاصا بالعراقيين فقط وأول من اجترحته وقالته المرأة العراقية .. ضيف المقهى البروفيسور عبدالرضا علي أشار في ذلك الإعلان الفيديوي إلى ان محاضرته ستتناول تميز هذا النوع من الشعر الشعبي وما هي خصائصه وسماته وأشكاله . . وللاطلاع على الإعلان الفيديوي القصير اليكم رابطه:

https://www.facebook.com/reel/1200764981721341

وقبل ان تبدأ الأمسية حاولنا التهيؤ لهذا الموضوع لما ينطوي عليه من فرادة وأهمية الخوض في نشأته وأصوله لا سيما ان الحديث في الأمسية سيُكرسْ عن علاقتهِ بالغناء العراقي .

قادنا بحثنا إلى معلومة مفادها ان تسمية هذا النوع من الشعر جاءت "من " دارم " التي هي بطن من قبيلة تميم متمثلة بـ " فرج دارم بن عمارة" الذي هو الجد الأكبر لعشائر الفريجـات " .

ويقال ان كثيرا ممن تصدى للبحث عنه يتفق على التسمية هذه، وهذ امر له ما يناظره في الادب العربي فالشعر العذري سمي بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة "عذره" لشيوعه في هذه القبيلة .

بينما يرى آخرون ان أصل تسميته له صلة وثيقة بالمعنى اللغوي "درم" والدرمان في اللغة تعني " تقارب الخطو" وبذلك سمي الرجل دارما، والدرمة أي المرأة القصيرة . ويرجح بعضهم ان ذلك يعود لقصر الدارمي ويعتبرون هذا سبباً مباشراً في أصل هذه التسمية .

في حين يذهب بعضهم الآخر إلى نسبته إلى مادة الـ " ديرم " وهي الصبغة المستعملة في تزيين النساء والتي أصلها " لحاء شجر الجوز" وهناك من يشير إلى ان " الدارمي" هو "غزل البنات " او " شِعّرْ البنات " الا ان إطلاق "غزل البنات "على هذا النوع من الشعر يحدده بالموضوع الرومانسي، في حين كثيره ما قيل من قبل النساء، وهن يتناولن هموم المرأة وأحزانها وتعبها وما تعانيه من ظلم اجتماعي .

يقول "ريسان الخزعلي ": انه جاء من الدردمة وهي الحالة الصوتية التعبيرية عندما يضيق الانسان ذرعا من حالات الانفعال وبذلك يكون انفعالياً "درمي" وتحول بالتدريج إلى دارمي وهذا الرأي بعيد مما تتعامل به اللغة في قواعد النسب . لان النسب إلى "الدردمة" " دردمي" وكذلك لا ابدال في اللفظ.

نشأ الدارمي في جنوب العراق، واشتهر بالأخص في محافظة الناصرية، من رحم الكبت الذي فرضته البيئة العراقية على النساء، اذ كان ينظر إلى عشق المرأة على أنه جريمة مخلة بالشرف ووصمة عار تلحق بأسرتها وعشيرتها وأغلب نصوص الدارمي قيلت على لسان المرأة المضطهدة اجتماعيا بفعل العادات والتقاليد التي عفا عليها الزمن ولان المرأة العراقية ترفض العيش على الهامش ابتكرت "الدارمي" وجعلته سلاحا، شفهيا، لمواجهة العادات والتقاليد وفي بيئة يعد فيها الحب جريمة مخلة بشرف البنت، مما اضطر الشاعرة إلى التجرد من اسمها .

هذا وقد وجدنا بعضاً آخر يطلق على "الدارمي " صفة شعر الومضة، لكون المساحة الكتابية ضيقة، وقصيرة جدا، مقارنة مع أنماط الشعر الأخرى.

ذلك ما توصلنا اليه من معلومات، لم تؤكدها ولم تنفها، كما رأينا، مصادرنا .. واحتفظنا بها كوجهات نظر ولنرى ما تقوله لنا الأمسية :

كانت كلمات الافتتاح على لسان الدكتور نجم الدين غلام الذي قدم الأمسية وأدار الحوار فيها :       

"أعزائي الحضور مساء الخير

أهلا ومرحبا بكم في هذه الأمسية من آماسي المقهى الثقافي العراقي في لندن .

يدخل المقهى، هذه السنة، عامه الخامس عشر، بهذه المناسبة اسمحوا لي، نيابة عن كل أصدقاء المقهى ان أتقدم بالشكر الجزيل للأخوة الكرام الفنان التشكيلي البارز فيصل لعيبي،  الفنان المسرحي المتميز علي رفيق وأبو شهلة (ياسين العبيدي) لعملهم الدؤوب، بدون مقابل، وبدون كلل وملل، لا اعتقد أحدا وصف هذا المقهى بقدر ما وصفه كاتبنا اللامع عبد المنعم الأعسم في مقالته الموسومة " مقهى وطن" في مقالته المنشورة في نوفمبر الماضي بـ "طريق الشعب".. أتمنى ان يستمروا في هذا العطاء للحفاظ على ديمومة هذا الصرح الجميل الذي يجمعنا في آخر يوم جمعة من كل شهر على مدار السنة. أدعوكم للتصفيق لهم بحرارة ".

بعد ان استجاب الحضور لدعوة السيد نجم الدين حيث ضجت القاعة بالتصفيق، عبر مدير الأمسية عن سعادة المقهى ان تكون باكورة أعماله لهذا العام استضافة :

  " استاذنا ومعلمنا الكبير د. عبد الرضا علي الباحث والناقد الأكاديمي الذي طاف بعلمه بين جامعات العراق :الموصل والمستنصرية وجامعة صنعاء ، كما شغل منصب عميد كلية الآداب في الجامعة الحرة في لاهاي / هولندا ..وأثمر جهده الأكاديمي عن خمسة وعشرين كتابا أغنت المكتبة العربية تناول فيها عناوين نقدية متنوعة مهمة . وتتلمذ على يديه الآلاف من الطلبة وترك بصمته أينما حل".

بعد ذلك قدم الدكتور غلام تعريفا موجزا بالضيف البروفيسور عبد الرضا علي فذكر أنه ولد في بغداد عام ١٩٤١، ودرس المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها وأنهى درجة البكالوريوس في الجامعة المستنصرية (قسم اللغة العربية) وتخرج فيها عام ١٩٧١.. ثم حصل على الماجستير في الادب الحديث ونقده من جامعة القاهرة عام ١٩٧٦ وحصل على شهادة الدكتوراه في النقد من جامعة بغداد عام ١٩٨٦.

ثم دعا د. غلام ضيف الأمسية لـ :" يتحدث عن (الدارمي في الغناء العراقي) فلتفضل مشكورا ".

 "السلام عليكم أيها الحضور ورحمة الله وبركاته راجيا ان تكون هذه الأمسية في المقهى الثقافي بلندن من الأماسي الثقافية التي تدخل الرضا في النفس كما أدخلته في أماسيها على مدى خمس عشرة سنة مضت". بهذه الكلمات ابتدأ البروفيسور عبد الرضا علي محاضرته مشيرا إلى انه لبى دعوة المقهى على الرغم مما يعانيه من تعب وإرهاق وانطفاء الذاكرة وأضاف : "وددت ان أحيي المؤسسين لهذا المقهى الثقافي وأشيد بدورهم في نشر الثقافة الجادة ، فضلا عن توجيه تحيتي الخاصة لصديقي السينمائي علي رفيق الذي التقيته بلندن بعد واحد وستين عاما من فراق سببته المنافي. وشاكرا لصديقي الدكتور نجم الدين غلام ( مقدم هذه الأمسية) دوره الحيوي الذي كان وراء هذا اللقاء مجددا".

ثم قدم ضيف الأمسية أ.د. عبد الرضا توطئة لموضوع محاضرته قائلا:" الإيقاع توافق صوتي بين مجموعة من الحركات والسكنات يؤدي وظيفة سمعية، ويؤثر في من يستجيب له ذوقيا بحكم ميل الإنسان نفسيا إلى ما ترتضيه حاسة سمعه من تطريب يؤثر في أعماقه، وتكون الاستجابة نسبية على ضوء ما في تلك الحركات والسكنات من طاقة نغمية عالية، او من رنين سحري يحفز الأعماق على الاستجابة" .

وأكد على الحقيقة الآتية :"يستوي في هذا الشعر العربي الموقع والشعر الشعبي، لأن أوزان الشعر الشعبي هي عينها التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي(١٠٠-١٧٠ هجرية) وإن اختلفت الإيقاعات الشعبية في التسمية".

 ثم دخل الأستاذ المحاضر في متن المحاضرة والتي كان عنوانها : " الدارمي في الغناء العراقي" فذكر ان للرجز تشكيلات أهملها القدامى والمعاصرون لكونها أقرب إلى الفجاجة منها إلى النضج، ولعلها كانت ضمن تشكيلات الرجز في مراحله الأولى ، وقال ان ما يقوّي هذا الظن :" ما لاحظناه من هندسية صارمة في تسكين مفردات البيت الواحد، ومنها تشكيلان هما :

الأول: مُستفعِلنْ فعلانْ مستفعِلاتُن          مُستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتُنْ".

 وضرب البروفيسور علي أمثلة على التشكيل الأول فجاء على ذكر ما يأتي ( وسنحرص في هذه التغطية في توثيق ما ذكره المحاضر توخيا للدقة العلمية ) :

1-  لا تكذبن الناس       في القول يوما

2-  أهوى من الغزلان    ظبيا شـــرودا

3- يا طالب التحقيق       أنظر وجودك

 اما عن التشكيل الثاني فذكر أنه :

مُستفعِلن فعْلان مُستفعٍلاتانْ            مُستفعِلنْ فعلانْ مستفعٍلاتانْ

وكانت أمثلته على التشكيل الثاني هي :

1-   يا أيها الباغون       أغضبتم اللهْ

2-   أواه   مِمَّا كان       أواه    أواه

3-   شتان بين اثنين     من دين اودان

ثم عقب الضيف قائلا :" هذان التشكيلان هما اللذان نُظم عليهما الدارمي

ولكن بجعل البيت يتألف من شطرين في الأعم الأشمل".

 وفيما يأتي الأمثلة من التشكيلين من الشعر الدارمي والتي القاها بالمحكية العراقية وأردفها بذكر التفعيلة الشعرية لكل تشكيل منهما :

 "فمن الأول :

1- كلجن يمظلومات للكاظم أمشنْ     يم سيّد السادات فكن حزنجنْ

مستفعِلن فعلان مستفعالاتنْ.             مستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتنْ

 2-    بتْ بعد بالدلال جاهل يعت بي.     يبجي من أصيح عليه يكطعه من أخليه

مستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتنْ           مستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتُنْ

 3-    مالي شغل بالسوك مريت أشوفك       عطشان حفنة اسنين وأروى عله شوفك

 وشجابه للغراف طير المجرة         سابيها كل هالناس حيرني بأمره

 شبه الدرج دنياك شَي أعله شَي       يل بالشمس ظليت هم يكسر الفي؟".

ثم جاء الأستاذ عبد الرضا على ذكر أمثلة من التشكيل الثاني للدارمي :

"أرد أبجي بالعباس وألطم بالحسين        يفضحها بين الناس العشكت إثنينْ

مستفعِلنْ فعلان مستفعلاتان          مستفعلن فعلانْ مستفعلاتانْ

 كون القلب بي باب ينطر وأراويكْ        جا كتـلي عفيــه عليـك دم ولحم بـيكْ

 ماتنســــمع رحاي بـس إيــدي إدّير        أطحنْ بقايا الروح موش أطحن شعيرْ

شماتي مو شمات شماتي شماتْ           بالقبر ويسألونْ حَي بعده لو  مات  ؟

وين اليودي الروح لأرضكْ يلعراق       حن قلبي واشتاقيتْ عذبنَّي لفراق

 وين الجفنْ ينباعْ يلشايلْ الخامْ             عدله ارد أطمها الروحْ من ضيم الأيام

 مستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتانْ           مستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتانْ ".

 وبعد ذلك أضاف الدكتور علي فقال :" وقد تفنن الملحنون العراقيون تحديدا في جعل ذينك التشكيلين يدخلان قلوب المستمعين العراقيين دون استئذان ، فأعاروها أسماعهم حين أدتها أصوات شجية تمتلك كيمياء التأثير في نفوس المرهفين، فتوافقت أنغامها اللحنية المعبرة مع نصوصها الجميلة .

فمن التشكيل الأول الذي هو :

 مستفعِلُنْ فعلانْ مستفعِلاتُن           مستفعِلُن فعلانْ مُستفعلاتُنْ

 غنى حسين نعمة من كلمات كاظم الركابي والحان كوكب حمزة أغنية " ينجمة".

وبإعلانه عرضت الأغنية في الأمسية على الحضور من على شاشة كبيرة .

 كما عرضت الأمسية أيضا للفنانة أنوار عبد الوهاب من تراث الدارمي ومن الحان محمد جواد أموري أغنية  "ريت الله لا ينطيك يالصحت باسمه".

 أعقبها جرى عرض تسجيل فيديوي لأغنية المطرب حسين نعمة من تراث الدارمي القديم ومن الحان محمد جواد أموري " مالي شغل بالسوك مريت أشوفك"

كما عرضت على الشاشة أيضا للمطرب سعدون جابر من كلمات عريان السيد خلف والحان محسن فرحان أغنية "عيني عيني.. لتعاشر البذات والماله تالي مثل اليلم الماي يرد جفه خالي".

 وبعد إهاء الأغاني التي كانت نماذج من التشكيل الأول للدارمي قدم الأستاذ المحاضر من التشكيل الثاني الذي هو :

مستفعِلنْ فعلانْ مستفعلاتُن            مستفعِلُن فعلانْ مُستَفعِلاتانْ

 فغنى الفنان قحطان العطار من كلمات عريان السيد خلف والحان محسن فرحان أغنية "لو غيمت دنياي" بتسجيل له عرض على الشاشة .

لوغيمت دنياي دنيا انت أحس بيك       بعيوني دمعة تصير وبروحي اباريك

 ومن هذا التشكيل أيضا ومن على الشاشة نفسها غنى حميد منصور من كلمات كاظم الرويعي والحان عبد الحسين السماوي أغنية " سلامات".

 صبح ومسى يهواي أبعث سلامات .

ثم ذكر أ.د. عبد الرضا :" ان على هذا التشكيل أيضا غنى داخل حسن :

 ما تنسمع رحاي بس إيدي اتدير       أطحن بقايا الروح موش أطحن شعير

 مُستفعِلُنْ فعلانْ مستفعلاتانْ     مُستفعِلُنْ فعلانْ مستفعِلاتانْ.

وقد انتهت محاضرة البروفيسور عبد الرضا علي بتصفيق من الحضور معبرين عن استمتاعهم واستحسانهم ثم طرح مدير الأمسية الدكتور غلام سؤالين على المحاضر أولهما فيما ان كان قد كتب في شبابه الشعر الشعبي وما يتذكر منه ؟ فكانت اجابته :

-" كنت أقرزم الشعر الشعبي في مرحلة معهد المعلمين، للنكتة أحيانا، وأذهب بهذه القرزمة إلى العروض الصافية . فالعروضيون يقسمون البحور إلى صافية ومركبة .. الصافية التي تتألف من تفعيلة واحدة وتتكرر مثلا الكامل : متفاعلن متفاعلن متفاعلن..  والرجز : مستفعلن مستفعلن مستفعلن..هذه بحور صافية ..فكنت آنذاك أقرزم بيتا او بيتين للنكتة :

ياحبيبـــي من أشـــوفـك ترتعـــش أعضـاء جسـمي

أنسى نفسي وأرد اكولك : انت شسمك وآني شسمي؟

( ضحك وتصفيق من القاعة )

وأضاف : " ان في تلك الحقبة، وفي معهد المعلمين شاعت .. وهي حقبة ١٩٦٣ الانقلاب المشؤوم الذي حدث ضد الشهيد عبد الكريم قاسم .. والذي جلبوا فيه الطرش والصمم لأذاننا بفعل التعذيب الذي مارسه الانقلابيون .. شاعت في تلك الفترة ظاهرة ( العدم) و(السأم) فنظمت في ذلك الوقت على شكل استهجان ومزاح:

واثنعش كونية أم قلم

كلها ألم

راحت على ظهور الطرش

تاكل علف من جبدي

وقمل الهوا ياكل بآخر جلدي

وصار العشك ما يعدي

وكله سأم

وشجاب روحي على العدم

والأسبرين أحسن دوه

لأهل العدم يامجدي

غركت سفينتنه ابحر افكارك

مشحون بالقوة عبالك سيرف تلهب نارك ( السيرف مثل التايد كان وقتها مسحوق غسيل الملابس المشهور)

يازين هل يفجخني يوم حجارك؟

 ثم فتح باب الأسئلة والمداخلات فكانت الحوارية التالية :

د. عمر الصكبان ( طبيب) : عندي مداخلة لبعض الدارميات وقراءة أخرى للدارمي الذي ذكره الدكتور عبد الرضا ( ما تنسمع رحاي لو ايدي اتدير     أسحن بقايا الروح موش اطحن شعير ) والتغيير هنا في كلمة (السحن) وهو الذي يختلف عن (الطحن ) فالسحن هو آهات غير مسموعة بعكس الطحن الذي هو مسموع .. وهناك بيت دارمي آخر .. حيث عندنا في وسط وجنوب العراق عندما يكون الانسان في وضع حرج صحيا يقولون عليه (يعالج) فكان أحدهم ( يعالج ..ينازع الموت وهو ينتظر حبيبته فقال :

للجبلة (للقبلة) راسي اندار خو تدري بيه   تسوه اثنعش دكتور طبتك عليه

(ضحك من القاعة)

وهناك دارمي آخر لولهان عاشق جاء لخياط وخاطبه قائلا:

تكدر تشل جروح قلبي انت خياط     لا آني بتوالي الليل شايل ولا حاط

الخياط اجابه:

أكدر أشل جروح قلبك وأدبره    بس كون هواك يلظم الأبرة

ضحك من القاعة

أ.د. عبد الرضا : الدراميات كثيرة لكننا اختصرنا وقت المحاضرة لأنها حين تطول يمل المستمع وما ذكرته حضرتك صحيح وعند د. نجم الدين كثير من الدارميات سيسمعكم بعضها.

عبد الرحمن مفتن أبو زينة (تربوي وناشط مدني) : ما رأي الدكتور بالمقولات التالية : أولا : يقال ان الدارمي العراقي هو تعبير عن قصة قصيرة جدا .. ثانيا : يقال أيضا إن الحزن العراقي بالدارمي أيضا هو تعبير عن إبداع وهو أكثر ما يتجلى بالدارميات .. الشيء الآخر يقال انه قديم نشأ عند السومريين وهو بالأساس يسمونه (غزل البنات) والمرأة هي التي تبدع فيه أكثر وأحب ان أضيف ان الدارمي باللهجة العراقية يكون عادة أجمل أكثر مما ذكر من الرجز أي من الفصيح فالشعبي صوره أجمل وتعطي للمتلقي إمكانية عيشها وتفتح له الآفاق وشكرا .

أ.د. عبدالرضا : شكرا لمداخلة الأستاذ.. انا قلت إن في الدارمي قيل الكثير ..لكن ما يقوي ظني هو الرأي الأول والثاني، اما كون الدارمي قصة قصيرة فهذا شيء غير معقول فهذا لا اتفق معه. وقد قيل الكثير في الدارمي لكني ولكوني أكاديميا أميل لكل ما طرحته اليوم ..

د. نجم الدين : عزيزي أبو زينة بالنسبة لشعر البنات .

عبد الرحمن أبو زينة : ( موضحا) غزل البنات .

د. نجم الدين : نعم غزل .. هذا خطأ .. لسبب بسيط .. لنسأل من الذي خلق الدارمي ؟ خلقته المرأة العراقية بالجنوب وبالأخص العمارة والناصرية .. لماذا ؟

صوت من الحضور : بسبب الظلم

د. نجم الدين نعم بسبب الظلم الواقع عليها .. المرأة العراقية لا تستطيع ان تفصح عن حبها، لأنها تقتل فلا يمكن ان يكون غزل .. اما عن ما ذكرته أنه قصة قصيرة فكما قال الدكتور رضا .. لكن البعض يسموه شعر  (الومضة ) لمساحته الكتابية القصيرة.

عواد ناصر (شاعر عراقي) : حول ما طرح (غزل البنات ) انا أعتبره نوعا من الدفاع الذاتي لأن أغلب او إذا ما كله جاء على لسان نساء .. وهن يدافعن عن أنفسهن في مجتمع ذكوري صلب ، خصوصا، المجتمع الريفي، على الاكثر في جنوب العراق نقلا عن المرحومة ( أمي) هي لا تنظم الشعر سواء دارمي او أبوذية انما تحفظ ، فأحفظ منها دارميين .. لم أنسهما طيلة هذه السنوات ، سمعتهما منها وانا مراهق .. واحد يتذمر يصف انه سقى بدموعه لوح الزرع ( واللوح الساقية الصغيرة لري الزرع) ويقول كثرة دموعي سقيت الواح من الزرع فأجابته واحدة وقالت له :

متعجب بدنياك دمعك سگى لوح؟

دمعي مندگله مروز لهل الرضا يروح

على أساس ( مدينة مشهد) ابعد مكان على وجه البسيطة والدارمي الثاني على لسان سيدة تزور الإمام فتقول له :

من دمعي الشباچ فاض وتلطلط

العلمنارة يفوج والبصحن غط.

 انا بيني وبين نفسي ووقتها كنت فضوليا واسرق كتبا لأقرأ لأن ليس لدي فلوسا لأشتريها فقارنت بين هذا النمط من البلاغة والخيال الواسع وبين السريالية التي منشأها في فرنسا والدادائية بين فرنسا واسبانيا فالدارمي سبق الحركات الاوربية بخياله الجامح بعشرات السنين .. فماذا يعني :

من دمعي الشباچ فاض وتلطلط

العلمنارة يفوج والبصحن غط.

انه لا يأتي على بال أي أحد او خيال أي مبدع .. هذا ما احببت اضافته وشكرا.

أ.د. عبد الرضا : تعقيب بسيط ..انا قلت وأكرر قيل فيه الكثير ..ولكني كأكاديمي انا لا أقتنع الا بالأشياء التي انا اعتقدها صواب .. انا لدي منهج اسير عليه .. تعلمت هذا المنهج من استاذي علي جواد الطاهر .. وعندما اردت اخوض في قضية الدارمي ذهبت إلى الأصوليين الذين درسوا من أين جاء الدارمي وعلى رأسهم الشيخ جلال الحنفي.. أستاذ المقام ولديه كتاب:( العروض تهذيبه وإعادة تدوينه ) بألف صفحة ويخصص فيه مبحث للدارمي وقال فيه ما قلته انا في محاضرتي ان العرب القدامى استثقلوه فأهملوه..

طاهر بركات ( فنان موسيقي): أنا مع ما قاله الأخ الذي سبقني .. الدارمي هو من اختراع المرأة .. حديثا قاله الرجال .. لكن قبلهم قالته المرأة وهذا يسمونه " شعر البنات " و" غزل البنات " وكل الكتب تذكر هذا ولا اجادل في هذا . وقد كانت المسألة تعبيرية عن الامرأة المظلومة .. كانت المراسلات بين الحبيبة والحبيب عن طريق الدارمي .. أحب قراءة بيتين من الابيات الجميلة الأول عن الأم يقول :

وي امي امشي بالتشييع هب بارد الريح    من غطا التابوت بروحك اتصيح

ومن ابيات الشاعر الراحل عبد الحسين داخل السماوي يقول :

عفيه على هذي الروح بيها الحزن عن

ينلكط شيب الراس من يلكط الون

د. نجم الدين: آخر دارمي قبل ان اعطي الكلمة الأخيرة للدكتور عبدالرضا:

مثل حرامي هواي من لمس رجلي

سودة ضربته حيل لبالي رجلي

وأختتم المحاضر عبد الرضا علي الأمسية :" شكرا جزيلا لحضوركم المشرف وشكرا لجميع الذين تداخلوا وعقبوا وشكرا للمقهى الثقافي على هذه الأمسية وأعذروني لأنني في وضع صحي ليس على ما يرام .

وهكذا قدم المقهى أمسية متميزة أخرى اقتربت من ثقافة شعبنا ووطننا استقبلها حشد من بنات وابنا ء جاليتنا الكريمة وهم في غربتهم، بترحاب كبير .. ولمن يريد متابعة التوثيق التلفزيوني لهذه الأمسية اليكم رابطها على صفحة المقهى بالفيسبوك:

 https://www.facebook.com/reel/1533759761032778

 ورابطها على اليوتيوب:

https://youtu.be/sU1HhXe1KDA