رأيته ُ مرة ً واحدة ً (طيّب الله ثراه) وهو على المنصة، يقرأ قصيدة عمودية، في أمسية ملتقى السياب الأول، أقامته جامعة البصرة في أوائل تسعينات القرن الماضي. كنتُ جلساً بين أستاذين لهما منزلة كبيرة في عقلي وقلبي الشاعر مجيد الموسوي وأستاذنا محمود عبد الوهاب (طيّب الله ثراهما).

(*)

رأيتُ القاص موسى كريدي مراتٍ عديدة من خلال نزهاتي في قصصه القصيرة، وأنا مدين لقصصه بكل البهجة التي اسبغتها على روحي. واليوم أريد تسديد بعض قروضي من خلال نزهاتي في (أصوات في المدينة) المطبوعة في المكتبة العصرية / صيدا – بيروت/ 1968.

(*)

هي ليست أصوات المدينة، بل (أصوات في المدينة) وحرف الجر(في) له فاعليته وهي (أصوات) بحالة نكرة، يرد ذكرها في القصص (سمعت أصواتا تتناهى بعض الشيء/ 28 قصة يظل السفر هو الطريق) (نظرت إلى أمواج النهر، سمعت أصواتا غامضة تختلط بالأمواج، يختلط معك ظلك/ 28 قصة : يظل السفر هو الطريق).(عبرت إليك أصوات مجهولة خلتها تخب واراءك كالليل وتقرع كأجراس بعيدة/ 39 قصة الظل والصدى) (وفي الأصوات رنين أجوف، ورائحة شجر محروق.. السيارات كالكلاب، والناس كوم تتصل كالأشباح وتتحرك في ذعر تتزاحم عند مسيل الشمس/89 قصة بركة رجوان) .

(*)

أثناء نزهتي في (أصوات في المدينة) لم أسمع من الأصوات البشرية، سوى صوت السارد، البطل المأزوم، المسكون بالقتامة التي فاضت من روحهِ وغمرت فضاءات القصص، وبينتي هذه العينات السرديةٍ:

(1)         (يبحث عن مدينته في الزوايا المعتمة وكان هاجس يقرع خفياً في الصمت/ 28قصة يظل السفر هو الطريق)

(2)         (افترض أن تموت وأنت ترضع خشب المقاهي بعضاً من وقتك/ 39 قصة الظل والصدى)

(3)         (ألم تكتب وتتردد على الآخرين أنك لا تؤمن بشيء/ 40/ المصدر السابق)

(4)         (ما أسرع ما يرتد إلى وعيه المهزوز حتى يجد نفسه الظمأى تلهث وسط آماد تضيق وتنغمر تحت وطأة واقع مجدور يتهيل عبر نهاراته الراحلة وجوداً شجيا يأكل منه الخطى والجفون/ 67 قصة رؤيا الغروب)

(5)         (لسنا إلا أصداء.. نعم مجرد أصداء مرشحة للتلاشي في أية لحظة/ 69/ المصدر السابق)

(6)         (الأرض التي أطؤها لا تحبل إلاّ بالشقاء.. كل الأشياء تتآمر عليّ/ 71)

(7)         (بينما تلهث مدينتي كالكلب وتتراجع خلفي/ 75 قصة حافة البحر)

(8)         (نم يا حبيبي فالسماء ما تزال تبصق رمادها فوق الجثث/ 85/ قصة جفاف)

(9)         (اللعنة بلون الفجيعة، تطارده كذئب مسلوخ، جائع يبحث عن بقايا عظام / 98 قصة خطوات الوجه المقامر)

(10)  (فما سر هذا الشقاء أذن.. لم نركض وراءها كالكلاب.. لا يوهمنك السراب يا ولدي الناس عميان، أنا عمياء رغم عينين مؤتلقتين.. وهذا مسكين رغم مظاهر الكبرياء، وأنت حزين رغم ابتسامتك/ 106 قصة الوهج القديم

(11)  (السرير فارغ، وكل شيء فارغ، ويفرش الصمت جناحية/ 8/ قصة: عقدة النهار)

(12)   (لصوت صديقه الرسام رنين يرتطم بزرقة الفراغ، ولم يكن ثمة فراغ حقيقي/ 58 قصة: الشيء المستحيل)

(سمات جميلة وأخرى..)

من سمات قصص (أصوات في المدينة) :

(1)         أن القاص موسى كريدي يمتلك وعيا جميلا في تعامله مع اللغة

(2)         القاص مهموم بوجهة نظرهُ إلى الحياة

(3)         وفرة من الإغماض أحيانا في قصصه

(4)         السرد مبثوث من ذاتٍ تحاور ذاتها، وكذلك الحوار مع الآخرين. هو حوار ذاتي، وليس حوار بين طرفين

(5)         الوجوم هو مظلة السارد التي لا يريد التخلي عنها

(6)         لغة السرد آسرة تجعل القارئ النوعي متناغما معها

(7)         السرد يبدأ بعد انتهاء الحدث في كافة القصص، والسرد يرصد الأمكنة ويكتفي بذلك، تاركا للقارئ متعة التلقي الجميل.

(تأزيم)

القصص محورها رجل مأزوم: (أشعر أني غريب وثمة شيء من الحنين يغلل فؤادي/ قصة: صوت من بعيد).( أن لا شيء يجدي أبداً/ قصة: موصدة هي الأبواب) في قصة (الشيء المستحيل)

(أني أشم رائحة وأسمع موسيقى مشوشة تقول لا شيء لا شيء)

الشخصية المحورية في قصص المجموعة، يرفض التصالح مع الحياة التي يعيشها، ولا يجترح لنفسه حياة ً أخرى توائم مزاجه، أن الشخصية القصصية تمتلك تجربة ً في الحياة، لكنها لا تمتلك وعي التجربة، ربما لهذا السبب تكرر أزمتها في كل قصة من القصص. والرجل المأزم كان ظاهرة ثقافية في المجتمع العراقي، وهذه الظاهرة سطعت بعد ثورة 14 تموز 1958 واتسعت بعد مجازر 8شباط 1963 والظاهرة انتجت أمراض القصة القصيرة العراقية.

(الوجه)

 في (أصوات في المدينة) الوجه: له مكانة كبيرة. في قصة (عقدة النهار) نقرأ التالي (وعلى حافة حوض الماء اتخذ مكانه وبدأ يغسل وجهه بالماء البارد) وهي جملة عادية لا ترميز فيها، لكن هذه الجملة هي منصة الوجوه في قصص المجموعة، في قصة (دوار وثلج في نهار قصير) (قيل لي أن لا شيء في الغرفة، حتى وجهي لم يعد له وجود) لا تصدر هذه الجملة إلاّ من شاعر حداثي مرهف. غياب الوجه من الغرفة يعني شراسة الفراغ في مكان مغلق. (كنت استعرض وجوهاً كثيرة ً وجوهاً شاردة، وأخرى شاحبة، وأخرى مصبوغة، وجوهاً ناعمة، وأخرى كئيبة) ينتقل السارد من الفرد إلى الجماعة تتسم بالتأزيم. في قصة (يظل السفر هو الطريق) يعود السارد إلى الفرد: (لا تعرف، حين لا مست نظراتك وجهه، لماذا يتدفق هكذا بتحد وجنون/ 23). في قصة (الظل والصدى): (كان الذباب يتناسل حول وجهك/ 37): صورة مقززة. في قصة (بركة رجوان): (أيغرق وجهها بالبصاق/ 87) هذه الصورة أبشع من التي قبلها. في قصة(خطوات الوجه المقامر) : (أني كنت انظر إلى وجهه بشره طفولي/ 96) في قصة الوهج القديم : (في الطريق كان يفكّر في أبيه. يرسم شكله وديعاً تخفي ابتسامته ظلال كهولته ويعرق وجهه ويبدو بلون القمح/105)

(غياب الأب)

هذه الصورة تغوني للبحث عن الأب الغائب في القصص. يخبرنا السارد في قصة (دوار وثلج في نهار قصيرة) عن الحالة المرضية لأبيه (وسرت رعشة في مفاصلي وقلت لا بد أن أراه.. وغاب خيال أبي/16) في القصة نفسها يعزي أحدهم الابن بوفاة أبيه، ثم يخاطب الابن (لقد حضرت التشيع.. والفاتحة.. ومر يومان.. ظننت أنك تجيء وقد سألوني عنك، وأبرقوا إليك.. ألم تصلك البرقية؟ لا بد أن تغادر.. أنهم قلقون.. كن رحيماً.. ثم أن الناس لن تغفر لك هذا العقوق ألست معي.. ليكن ذهابك هذا المساء! / 21) لم يرد عليه الأبن بل راح يكلّمه نفسهُ (لم أقل شيئاً لكني اجفلت، واحسست أني أتمزق واشتعل أكثر من مرة ولكن في قعر جليدي مظلم) في قصة (الشيء المستحيل) يلتقط السارد مشهدا حواريا بين امرأتين:

(- انظري.. انظري له.. أنه لا يشبه أباه.

تبتسم المرأة ببلادة وتقول: هه .. أنه يشبهني) في قصة (رؤيا الغريب) نقرأ التالي (لم يذب الصقيع، فوالده لم يزل غولا يجدل خيوط اللعنة، ويرعد سماء صحوه بغيماته السود موقدا ً ألف شرارة في باحة البيت الصغير.. لن تلج عتبة بيتي أيها السكير)

يتضح غياب الأب في القصة المكرسة عنه (الوهج القديم) الابن

لم ير أباه!! تحاول مخيلته أن ترسم وجها قمحيا وديعا للأب، يود رؤيتهُ ليفرح به ولو مرة.. ليمطر خديه بالقبل، ليرتمي في حماه

الأب بمثابة شبح بالنسبة للابن والشبح ( الغائب  يتجسد كياناً تكتمل قسماته وتتضح كلما دنى من عتبة البيت.. وفجأة اضطربت صورة أبيه، وارتعد قلبه، وسأل نفسه: ترى أين هو الآن.. لم يقل أحد أنه مات) ومن جهة ثانية يتساءل الابن :  لماذا أمي لم تحدثني عن أبي..

(*)

ربما غياب الأب هو المتسبب بتأزيم حياة الابن أو الرجل في كافة قصص المجموعة

(الغرفة)

فضاء القصص يتوزع بين الغرف والشوارع، أعني بين المغلق والمفتوح والغرف: يمكن اعتبارها شخصية قصصية رئيسة لدى القاص موسى كريدي. بعد عشر سنوات تصدر للقاص موسى كريدي مجموعة قصصية عنوانها (غرف نصف مضاءة) 1979 وهناك قصة في المجموعة عنوانها (الغرفة) شخصيا اشتريت هذه المجموعة القصصية في 26/ 12/ 1991، فتنامى حبي لقصص القاص موسى كريدي. لي نزهة  ثانية قريبة في (غرف نصف مضاءة).