حين يُهان الجمال علنًا:؟؟؟ مسرحيٌّ عراقي يفضح تخريب الذائقة ويطالب بإنصاف من ماتوا منفيّين.

لا يتحدث الدكتور عزيز جبر الساعدي من برجٍ عاجي، بل من خندق المسرح نفسه. مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا وأكاديميًا، راكم تجربة طويلة جعلته شاهدًا وفاعلًا، ولهذا تأتي كلماته قاسية بقدر ما هي صادقة. في هذا الحوار، يضع إصبعه على جرح الثقافة العراقية: تخريب الذائقة، إفلاس النقد، وتواطؤ المؤسسات.

سيرة مختصرة بالأفعال لا بالألقاب

يُعد عزيز جبر الساعدي من الأسماء المسرحية التي جمعت بين التنظير والممارسة.

ففي المسرح: قدّم وأخرج وكتب عددًا كبيرًا من العروض التي اشتغلت على الإنسان بوصفه سؤالًا أخلاقيًا، لا مادة استهلاك، وأسهم في تكوين أجيال عبر معهد الفنون الجميلة.

في الكتابة: كتب نصوصًا ودراسات ومقالات نقدية وكُتب أصدر منها خمسة في الاختصاص اشتبكت مع قضايا الجمال والهوية والمسرح بوصفه فعل معرفة ومقاومة.

في التلفزيون، شارك ممثلًا وكاتبًا في أعمال درامية، محافظًا على خطه المهني، رافضًا الابتذال، ومصرًّا على أن يكون الحضور امتدادًا للقيمة لا تنازلًا عنها.

هي تجربة عابرة للتخصصات، لكنها ثابتة في الموقف.

 حاوره الفنان صلاح الصكر.

الحوار

المحاور: كيف تصف ما يجري اليوم من تراجع فاضح في الذائقة الجمالية؟

الساعدي: ما يجري ليس انحدارًا عفويًا، بل تخريب مقصود. حين تُكافأ السفاهة، ويُهمَّش العمق، وتُدار الثقافة بمنطق السوق والشللية، فنحن أمام مشروع لإنتاج متلقٍ أعزل، لا يسأل ولا يحتج. الأخطر أن هذا يتم باسم (الترفيه).

المحاور: أين النقد من هذه الفوضى؟

الساعدي: كثير من النقد تخلى عن وظيفته وتحول إلى مجاملة مدفوعة أو صمت. النقد الذي لا يُغضب، لا يُصلح. من يخشى خسارة علاقة على حساب الحقيقة، لا يحق له ادّعاء الانتماء للثقافة.

المحاور: تصرّ على المسرح المدرسي ومعاهد الفنون، لماذا؟

الساعدي: لأن من يتجاهل المسرح المدرسي يصنع خراب الغد بيديه وهو النشأة الاولى للمسرح العراقي. الذائقة لا تُستورد جاهزة، تُربّى. ومعاهد الفنون ليست معامل شهادات، بل معامل وعي. وهو صرح حضاري معروف عالميا وعربيا وتاريخ مشرف وإضعافها جريمة تربوية قبل أن تكون فنية.

المحاور: وماذا عن المسرحيين الذين رحلوا في الغربة؟

الساعدي: هؤلاء فضيحتنا الأخلاقية الكبرى. زينب، لطيف صالح، علي فوزي، نور الدين فارس، أديب القليجي، وداد سالم، وغيرهم…في الشعر والموسيقى والتشكيل والأدب، أسماء صنعت تاريخًا، ثم تُركت خارج الذاكرة الرسمية. ردّ الاعتبار لهم ليس منّة، بل دين في رقبة المؤسسات: توثيق، أرشفة، تدريس، واستعادة رمزية حقيقية، لا نواحًا موسميًا.

المحاور: من يتحمل المسؤولية؟

الساعدي: المؤسسات أولًا، ثم الإعلام، ثم النخب التي اختارت السلامة. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة. من يرى الخراب ويسكت، يوقّع عليه.

المحاور: وماذا تقول بعد؟

الساعدي: الفن لا يُدار بالمجاملات، ولا يُقاس بالضجيج. إمّا أن نعيد الاعتبار للقيمة، للنقد، ولذاكرة المبدعين، أو نعترف بأننا نشارك في دفن الجمال حيًّا.

خاتمة حادّة

هذا الحوار ليس رأيًا شخصيًا، بل لائحة اتهام ثقافية. عزيز جبر الساعدي لا يطلب تصفيقًا، بل يطالب بمحاسبة. ومن لا يحتمل هذه اللغة، عليه أن يسأل نفسه: في أي صف يقف؟

.المحاور: د. عزيز جبر الساعدي، بعد هذه الرحلة الطويلة في المسرح مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا ومربيًا للأجيال، كيف تحب أن تُقدَّم اليوم للقارئ: بما أنجزت، أو تحلم بإنجازه؟

د. عزيز: أحب أن أُقدَّم بما لم أُنجزه بعد. المنجز يصبح ذاكرة، أما الحلم فيبقى دافعًا أخلاقيًا للاستمرار. أنا ابن مسرح يرى في الاكتمال خطرًا، لأن الفنان حين يظن أنه اكتمل، يبدأ بالانطفاء. ما أنجزته هو محطات تعلّم، أما ما أحلم به فهو مسرح أكثر صدقًا مع الناس، أقل ادّعاءً، وأكثر شجاعة في قول الحقيقة.

المحاوِر: حين نعود إلى البدايات الأولى، إلى تلك اللحظة التي قررتَ فيها أن يكون المسرح قدرك، ما الذي كنتَ تبحث عنه: ذاتك أم المجتمع؟

د. عزيز: كنت أبحث عن نفسي داخل المجتمع. لم أفصل يومًا بين الأمرين. المسرح بالنسبة لي لم يكن مرآة للذات فقط، بل نافذة لفهم الآخر. في البدايات لم أكن أملك نظرية ولا مشروعًا واضحًا، كنت أملك قلقًا وأسئلة، والمسرح كان المكان الوحيد الذي يسمح لي أن أطرحها بلا خوف.

المحاوِر: هل كان المسرح عندك فعلَ جمال أم فعلَ موقف؟ ومتى شعرت أن الخشبة تحوّلت من مساحة تعبير إلى مسؤولية أخلاقية؟

د. عزيز: المسرح بلا موقف يصبح زينة ثقافية. الجمال مهم، لكنه لا يكفي. شعرت بثقل المسؤولية منذ أول مرة رأيت فيها متفرجًا يغادر القاعة صامتًا، لا مصفّقًا. الصمت بعد العرض أخطر وأصدق من التصفيق. هناك أدركت أن ما يُقال على الخشبة قد يغيّر وعيًا أو يفضح زيفًا، ومنذ تلك اللحظة لم أتعامل مع العرض بوصفه (عملًا فنيًا) فقط، بل موقفًا إنسانيًا.

المحاوِر: عملتَ في التأليف والإخراج والتمثيل، لكنك أيضًا مربي أجيال في معهد الفنون الجميلة. أيّ الأدوار كان الأصعب؟

د. عزيز: التدريس هو الأصعب والأخطر، لأنك لا تصنع عرضًا ينتهي بانطفاء الأضواء، بل تترك أثرًا في إنسان. الطالب قد ينسى نصًا أو تمرينًا، لكنه لا ينسى موقف أستاذه، صدقه، أو تناقضه. كنت دائمًا أقول لطلابي: لا أعلّمكم كيف تكونون فنانين، بل كيف تكونون صادقين… والباقي يأتي.

المحاوِر: كيف تنظر إلى واقع المسرح العراقي اليوم، بين شحّ الدعم، وارتباك المؤسسات، وتغيّر ذائقة الجمهور؟

د. عزيز: المسرح العراقي لم يمت، لكنه مُتعب. المشكلة ليست في غياب المواهب، بل في غياب الرؤية، لدينا طاقات شابة مدهشة، لكنها تُترك بلا بوصلة. المؤسسة الثقافية حين تتحول إلى إدارة فعاليات فقط، تفقد دورها التنويري. المسرح يحتاج إلى مشروع دولة، لا موسم مهرجانات.

المحاوِر: وأنت الذي عايشت أجيالًا مختلفة، كيف ترى الجيل المسرحي الجديد؟

د. عزيز: جيل جريء، سريع، وذكي تقنيًا… لكنه أحيانًا مستعجل على المعنى. أخاف عليهم من الوقوع في فخ الشكل بلا عمق، أو الشهرة بلا تجربة. أنصحهم دائمًا: اقرأوا أكثر مما تشاهدون، واسألوا قبل أن تُعلنوا الإجابة.

المحاوِر: بعد كل هذا، ما الذي ما زال يقلق د. عزيز جبر الساعدي؟

د. عزيز: أن نعتاد الرداءة. أن نتعايش مع الزيف بوصفه أمرًا طبيعيًا. يقلقني أن يصبح الفن وظيفة لا رسالة، وأن يصبح الصمت فضيلة. ما دام هذا القلق موجودًا، فأنا بخير.

المحاوِر: كلمة أخيرة لقارئ طريق الشعب؟

د. عزيز: الثقافة ليست ترفًا، بل دفاع أخير عن إنسانيتنا. والمسرح ليس خشبة فقط، بل مساحة لنقول: نحن هنا، نفكر، ونحلم، ونرفض أن نكون أرقامًا وطريق الشعب الغراء خير من ينقل امال وطموح الناس، شكرا لكم.