مفردات القصيدة المعروضة على البناء الرمزي الكثيف، تتداخل فيها صورة الليل مع تجربة وجودية مضطربة، تتجاوز المعنى

الحرفي إلى أفق نفسي وفلسفي عميق، حيث يتحول الليل من مجرد

زمن طبيعي إلى فضاء كوني خانق، يبتلع الذات ويعيد تشكيل إدراكها للعالم.

منذ الجملة الأولى يتأسس محور دلالي يقوم على التكرار (ليلٌ يسارع في ضمنا إليه)، وهو تكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب،

بل يرسّخ فكرة الاستمرارية القهرية للفعل، وكأن الليل قوة فاعلة وليست حالة زمنية. الفعلان (يضمنا) و(يلتهم) يحوّلان الليل إلى كائن حي يمتلك إرادة وسيطرة، مما يخلق علاقة غير متكافئة بين الذات والوجود. حيث تصبح الذات مُستلبة داخل فضاء معتم (رواق ٌ طويل لا زينون ينتظرنا فيه ولا ظلهِ) وهي صورة تنفتح على دلالة الفراغ المطلق وغياب الخلاص أو الإرشاد. يتحوّل النص لاحقاً إلى تجربة تفكيك للوعي عبر جمل قصيرة متقطعة: (كأني غفوتُ في ذاكرة ِ استفاقت)، حيث ينقلب الزمن النفسي رأساً على عقب، فلا يعود النوم انفصالا عن الواقع، بل يصبح دخولاً في ذاكرة ٍ حية ٍ، ما يشير إلى تداخل الحلم بالذاكرة والواقع، وإلى اهتزاز الحدود بين الأزمنة الداخلية للذات. ويبرز سؤال الهوية في مقاطع متتابعة ( كيف دخلتُ؟ متى؟ مَن أدخلني اختفى؟) وهي أسئلة لا تبحث عن إجابة ٍ بقدر ما تكشف عن فقدان السيطرة على الوعي، إذ تتحوّل الذات إلى كيان ملقى في مكان لا يعرف سببهُ ولا مسارهُ، وهو ما يعمق الإحساس بالاغتراب الوجودي. هذا الاغتراب يتجسد أيضا في الصورة الغرائبية: (مَن هذا الذي يرتعش قدامي كأنهً سمكة ألتصق نصفها في الهواء) تنزاح الصورة نحو التشظي وعدم الاستقرار، في مشهد أقرب إلى الكابوس منهُ إلى الواقع. تتكرر كذلك ثنائية: وجود/ عدم حضور/ غياب. إذ يسأل المتكلم ظلهُ (هي مقبرة كيف تكتسي هيئة العيد؟)، وهي صيغة تجمع المتناقضات في بنية واحدة، فتتحوّل الحياة إلى قناع للموت، أو العيد إلى شكل خادع لمقبرة، مما يعكس رؤية تشاؤمية للعالم، تقوم على انهيار المعاني المستقرة. في الجزء اللاحق من النص، يظهر عنصر العنف الرمزي عبر صورة (صوتٌ يخترق المكان كخنجر) وهي استعارة تحوّل الصوت إلى أداة جرح، ما يشير إلى أن الإدراك نفسهُ يصبح مؤلما ومؤذياً، لا مجرد عملية محايدة. ويتعزز هذا العنف في صورة (أفواه منوعة بصقت اسماً كأن نصال حرابِ وقعت الحراب)، حيث تتحوّل اللغة إلى فعل صدامي دموي، وتغدو الكلمات أدوات طعن لا وسائل تواصل، في دلالة على انهيار الوظيفة التواصلية للغة، وتحولها إلى فضاء صراع.

يمكن القول إن النص برمته ِ يقوم على رؤية وجودية قاتمة، تتجسد فيها الذات ككائن ضائع داخل ليل رمزي لا نهائي، حيث تتلاشى الحدود بين الداخل والخارج، وبين اللغة والعنف، كما يكشف النص

عن توظيف مكثف للصورة الشعرية القائمة على التشظي والانزياح، وهو ما يضعهُ ضمن نصوص الحداثة التي تميل إلى تفكيك المعنى بدل تثبيتهُ.

وفي المحصلة، فإن(الليل) في هذا النص ليس زمناً طبيعيا، بل بنية دلالية تمثل القلق الوجودي، والانكسار الداخلي، وفقدان اليقين، بينما تتحول الذات إلى كائن يسير داخل ذاكرة مشروخة، تبحث عن معنى لا يظهر وعن نور لا يأتي.

 

(ليل ٌ هذا النهار)

مقداد مسعود

ليل ٌ يسارع في ضمنا إليه. ليلٌ يلتهم قاماتنا الفارعة

يزجنا في رواق ٍ معتم طويل، لا زينون ينتظرنا فيه

  ولا ظلهُ،

 كأني غفوتُ في ذاكرة ٍ استفاقت.

 دخلتُ في ليلٍ، ودعنّي منذ نعومة أحزاني اللبنية.

كيف دخلتُ؟ متى؟ مَن أدخلني واختفى؟ أو تملص

ليتموّن ذخيرة ً. ومَن هذا الذي يرتعش قدامي

كأنه سمكة ً التصق نصفها في الهواء.

حين دخلتُ سألتُ ظلي

: هي مقبرة ٌ كيف تكتسي هيئة العيد!! مَن أدخلني

رأيتُ مشاعرهُ تقوست كظهر حيوان يستعد للانقضاض.

حين دخلتُ الليل َ

لم أرهُ

لكنّ أذنيّ حزرتْ خطواته ُ.

وأنا أسيرُ في جوف الليل، هناك من أوقفني وناولني

قنينة َ ماءٍ، كان الماءُ لا صفات الماءِ فيه، ولا مذاق دواءٍ.

فجأة ً

أخترق المكان صوتٌ

محدِثا أثراً مما ثلاً

لما يحدثهُ خنجرٌ

فرأيتُ أفواهً منوعة ً

بصقت ْ اسما

كأن نصال َ حرابٍ

وقعت ْعلى الحرابِ