
في مشهدية أدبية معاصرة تمزج بين الحلمي والكابوسي، يقدم
لنا نص،، تخريم،، للشاعر مقداد مسعود، تجربة ً فريدة ً في
استبطان الذاكرة المكانية والانهيار التدريجي للحدود بين الداخل والخارج، الواقعي والمتخيل، العادي والشعائري. إنه نص لا يروي
حكاية ً بقدر ما ينقّب عن طبقات من الوعي المأزوم، عبر نافذة مخرمة، تشبه عيناً ثقافية ً مكسورة. يبدأ النص بعتبة بصرية محورية (نافذة مخرّمة خلفها وقفت ُ) هذه النافذة ليست مجرد فتحة في جدار، بل هي عين الراوي المشروخة، أي وسيلة رؤية معطوبة بالأصل، بل بنية وجودية : الراوي يرى العالم من خلال شرخ، مما يجعل إدراكه مشوهاً أو مجزّأ. هذا يتوافق مع بحثه عن (ضالة معرفية) داخل ( غابة مكتبة البيت) فالمعرفة نفسها تبدو غائبة أو متوارية. المكان الداخلي(البيت/ المكتبة) يتحوّل إلى متاهة، والراوي إلى متتبع أثر غامض.
التحول المفاجئ يحدث مع (ضجة خارج البيت) فجأة يغزو فضاءً خالياً كان (مبنياً وحده) موكبٌ شاذّ المركبات: تحمل راياتهم أسماء
حيوانات متوحشة مفترسة (تمساح، فهد، نمر) وأخرى مستأنسة (ديك، ثور، أيل) هذا المزيج المحيّر يُشعِر القارئ بأن المشهد يقع في منطقة حدّية بين الأسطورة والكابوس الجمعي، وتأخذ أفعالهم منحى شعائريا واضحاً : يهزجون، يردسون، يرسمون النار برؤوس رماحهم، يدخلونها على راحات أياديهم ضاحكين.
هنا(النار) ليست ناراً حقيقة بل تمثيلاً لها، والألم غائب، مما يحوّل
الطقس إلى عرض سيريالي مخيف. ثم يخفتون مع خفوتها وكأنهم مخلوقات من لهب.
في ذروة المشهد، ينشغل (كبيرهم) بالتقاطعات الفلكية: يمد خيطاً
بين القمر وكوكب الزهرة، خيط (خشوع وتوسل) إنه محاولة لربط الأرض بالسماء عبر شفرة خاصة، وكأن العالم السفلي (جماعة الطقوس) فرض نظامه على حركة الأجرام، وعودته لرسم (صهيل من ريش نسور) على حرير بصلي تكثيف بديع للتناقضات: الصهيل صوت حيواني حيّ، الريش خفيف وجامد، الحرير ناعم ثمين، والبصلي(المرتبط بالبصل) يرسخ شعوراً بالطبقات والأغشية القابلة للتقشير مثل بصلة فكأنه تقشير للرؤية بعد انقشاع الكابوس.
مع الفجر(التبس المشهد) ولم ير الراوي أحداً. لكن الخروج من البيت يكشف انقلاباً جذريا ً: لم يعد البيت على مشارف أثل الزبير
بل تحوّل إلى منطقة غامضة، ومع ذلك، تبقى آثار نعله يدوس رماداً، وجيرانهُ يشهدون أنهم (رأوا ما رأى) إنها إضافة حاسمة: الرؤية لم تكن هلوسة فردية، بل ربما رؤية جماعية لشيء غير قابل للإثبات التاريخي باقٍ كأثر (الرماد) وكشهادة.
يمكن قراءة النص كاستعارة للغزو الرمزي للفضاء الخاص – مكتبة البيت(العقل/ التراث) تنتهك من قِبل موكب تخييلي يحمل أسماء حيوانات القوة والضعف معاً، ويحرق معرفياً عبر نار لا تحرق الجسد ولكنها تبدّل المشهد.
و(التخريم) يعود ليشير إلى تشقق السرديات الكبرى: لا جواب عن (مَن أوصلهم هنا؟) ولا أصل للموكب. ولا زوال كامل لآثاره.
الحداثة العربية المتأخرة، ربما، هي تلك النافذة المخرّمة الني نطل منها على مواكب متوحشة تبني خيوطاً بين القمر والزهرة بينما نخوض نحن في رماد ما بعد الحلم. إن(تخريم)عمل أدبي قصير بكثافة عالية، يعتمد على التكثيف الصوري والإيقاع الحلمي وتقويض المرجعيات. لغته شاعرية حتى في أكثر لحظاتها دهشة
(قلائدهم ثعابين حيّة، صهيل من ريش نسور). وبخلاف النصوص الكابوسية التقليدية، لا يقرُّ النص بانتصار الكابوس. بل يتركنا على تخوم الالتباس: أثر الرماد حقيقي، والأصوات من حدائق الجيران تشهد، لكن التفاصيل السحرية(دخول النار ضاحكين) تحيل إلى حقيقة أخرى: ربما يكون (التخريم) هو الطريقة الوحيدة لرؤية ما لا يمكن رؤيته بعيون سليمة. النص إذن، ليس مرآة للواقع، بل نافذة مخرّمة على واقعٍ مواز ٍ، خيطه ممتد بين القمر والزهرة، وآثاره رمادُ رماد ٌ في نعلِ باحثٍ عن كتاب مفقود في غابة
(*)
تخريم/ مقداد مسعود
نافذةٌ مخرّمةٌ خلفها وقفتُ، كنتُ بعينيّ وأصابع كفيّ أفتشُ
غابة مكتبة البيت، عن ضالة ٍ معرفية، لا أدري أين دحستها
أو هي دحست نفسها عني. في تلك اللحظة حدثت ضجةٌ
خارج البيت المبني وحده ُ على مشارف أثل الزبير، وقفتُ خلف النافذة المخرّمة: من أين جاء هؤلاء؟ من أوصلهم هنا؟ مَن هؤلاء
يهزجون يردسون في بيارقهم: تمساح. فهد. نمر. أفعى. قدنس.
ديك. ثور. أيل.
يدخلون في ليل ٍ ويخرجون من نهار عتيق.
قلائدهم ثعابين حيّة. يرسمون برؤوس رماحهم
نارا. تندلع النار. مرة ً مستطيلة وأخرى مدورة ً
يدخلون النار على راحات أياديهم ضاحكين
ثم يخفتون مع خفوتها. يتربص كبيرهم
القمرَ، ليمد خيطا بين القمر وكوكب الزهرة،
خيط َ خشوع وتوسل. وهكذا ستكون الشمس
في ساعة المشتري. بعد أن يرسم كبيرهم بالزعفران
على حرير بصلي صهيلا من ريش نسور.
واصلت ُ الرؤية ومع الفجر التبس المشهد
متراجعا، عن وضوح الصبح، لم ار احداً
وحين صرتُ خارج البيت لم يكن بيتنا على مشارف
أثل الزبير، لكن نعلي داست رماداً وسمعتُ أصوات ٍ
من حدائق البيوت أنها رأت ما رأيتُ







