طريقة عرض مغايرة يقدمها المقهى الثقافي العراقي في أمسيته لشهر حزيران ٢٠٢٦ فقد استضاف الكاتبة العراقية فيحاء السامرائي بمناسبة صدور مجموعتها القصصية "ظلال لاسعة " ساهم فيها الروائي لؤي عبد الإله بمداخلة نقدية للقصص وأدار الحوار بالأمسية .. أقيمت الأمسية في مساء الجمعة ٢٦ حزيران / يونيو وفي يوم ارتفعت فيه درجة الحرارة في العاصمة البريطانية إلى مستويات غير معهودة .. اما طريقة التقديم الجديدة فكانت ان تقدمت الضيفة السامرائي من الحضور وبادرتهم بقراءة إحدى قصص مجموعتها بعنوان " مس من الحنين" موضوعها يعني مجتمعهم، مطلعها :

" لم يكذب من قال إن حياة المنفى مهنة شاقة .. لك ان تصدق يا سعيد كيف هي الحياة هنا وكيف أحياها بكل معاناتها ومصاعبها. مازلت أعيش في تفاصيل الوطن " ويسرد هذا المنفي كيف انه يعيش في شارع العرب ويفطر بقيمر السدة والخبز العراقي ويشرب الشاي في مقهى عربي ويتابع أخبار الوطن من القنوات العربية .. ويأتي اختيار الكاتبة لقصتها هذه كونها نموذج لما تعالجه مجموعتها وخاصة أن أغلب الحضور هم من يعايشون أجواءها، حيث يحمل العراقي وطنه في منافيه القسرية أينما حلَّ به الترحال.. إذ كان القصد منها السخرية والتندر من الشخص المنفي الذي لم يشعر بالغربة طالما هو يعيش في أجواء عراقية خالصة، رغم ذلك كان ديدنه الشكوى من الغربة والمنفى، وهو متنعم بكل ما يجعل الحياة سهلة وممتعة، خلاصة القصة هو ان بعض الناس المغتربين يعيشون حياة مرفهّة في الغربة ومع ذلك يشكون منها عبثاً ( ولذا سألت الكاتبة فيحاء بعد ان انتهت من قراءتها الحاضرين (- بطران مو؟-) أجابوا ضاحكين (كلّش).

 نحاول في هذه التغطية سرد مفردات هذه الأمسية المتفردة .

عرضت على الشاشة الكبيرة شهادة بالمجموعة القصصية قدمها الأديب طالب الداوود وقد سجلها بالفيديو وأرسلها من حيث يقيم في برلين منذ العام ٢٠١٥، وقد أسس موقعا الكترونيا بعنوان (الف ياء) مخصصاً بالدرجة الأولى للأدب. نشر فيه حتى الآن لما يقرب من ٤٠ أديبا وأديبة أغلبهم عراقيون. وكان قد عمل في دمشق من منتصف الثمانينات وحتى عام ٢٠١٢ في حقل النشر. وأصدر مجموعة قصصية بعنوان (ليلات بغداد) ورواية بعنوان (غفران).

  وابتدأ الداوود شهادته بالقول ان :"أغلبية القصص في ـ ظلال لاسعة – كان الراوي فيها هو الأنا "الراوي الشخصي " وقد يكون رجلا او امرأة، حسب طبيعة القصة او بطلها .. والنمط الثاني من الرواة هو الرائي الغائب الذي يهتم بالتفاصيل .. وأحيانا هناك راوٍ جمعي، كما في قصة " إلى من يهمه الأمر" فيه جانب رمزي وتأثير درامي لراوي لا يمكن توصيفه بشخص او انا او هو .. وهناك رواة غير بشريين مثل الكراسي". وأشار في هذا المضمار إلى ان الكاتبة فيحاء:" تمتلك حرية كبيرة في اختيار الرواة في أعمالها الأدبية .. فهنالك المغترب المهجر .. وهنالك الشخص الذي يشعر بالوحدة والعزلة .. هنالك شخصيات ضحايا الحروب والعنف .. هنالك الباحث عن الحقيقة .. هنالك شخصيات هامشية .. قسم منهم مصاب بمرض نفسي .. هنالك نماذج اجتماعية نقدية تبحث عن الجوانب السلبية في المجتمع او الظواهر السلبية " .

 اما عن رأيه بموضوعات القصص فذكر ان:" اغلبيتها تتجاوز تسلسل الاحداث فاحيانا تكون ومضات مكثفة تؤكد على لحظات تحول داخلي او صراع وجودي .. في كثير من القصص نجد فيها ما يتعلق بصدمات الواقع الاجتماعي العراقي .. يعني في الغالب ترسم لوحات مؤلمة للعراق ".

 وشَخّصْ الداوود بشهادته ان قضية الغربة والحنين للوطن تحتلان موقعا بارزا في كل الاعمال تقريبا ..مشيرا إلى ان فيحاء في روايتيها اللتين سبقتا هذا العمل وهما (انتظار السمرمر) و ( سوناتا الغراب ) كانت تطرح فيهما نفس الأجواء واضاف ان هذه القصص تتناول إلى ثيمة العلاقات الإنسانية المعقدة .. وفي أحيان أخرى، يتلمس في هذه المجموعة القصصية تأملات فلسفية وجودية .

 اما عن ما يميز هذه المجموعة فأكدت شهادة طالب الداوود على :" انها تنطوي على رؤى مستقبلية كونية، وبعض القصص تنتمي إلى جنس ( الخيال العلمي ) تأخذنا إلى المستقبل وهذه تجربة جديدة عند الاديبة فيحاء .. صحيح ان عدد قصص هذا الجنس قليل لكنها تؤكد فيها على الرحيل إلى مستقبل وتوقع ما ستؤول اليه الأمور في بلد مهم أو في حياة مهمة أو في كون مهم بالنسبة للكاتبة.

القصص بشكل عام قصص قصيرة ومكثفة، يمكن اطلاق عليها القصص القصيرة جدا وهذا يذكرنا بنجاحها في السبعينات على يد إبراهيم احمد .

فيحاء استخدمت هذا الأسلوب في بناء مجموعتها القصصية .. حاولت في جميع أعمالها التقاط تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية بصياغاتها ومتابعتها لشخصياتها .

أنا أجد في أعمال فيحاء السامرائي الكثير من الجهد والتعب والقدرة على إعادة صياغة الأشياء التي تبدو بسيطة، مع ابقائها على بساطتها، لكنها تمتلك خصوصية لكاتبة مبدعة".

عمدت فيحاء تحضيرا لهذه الأمسية على مسرحة بعض قصصها وان تعيد كتابتها على شكل مشهدية درامية – حوارية مع تعريقها لنص حوار شخوصها الفصيح واسندت الأدوار إلى السيدة فائزة المشاط والشابة شميم أمجد لكن للأسف تعرضت الأخيرة إلى عارض صحي تعذر عليها الحضور فبادرت فيحاء بتمثيل دورها وأول هذه المسرحة كانت لقصة :

(ظل الغريب على الغريب عباءة)

 تناولت حالة الوحدة التي تعاني منها امرأة عراقية كبيرة في السن، حين صادفت فتاة عراقية شابة، اتكأت على ذراعها، وراحت تسهب في الحديث لملأ حياة الوحدة والفراغ الذي تعيشه، وفي النهاية ورغم برودة الجو، شعرت الفتاة بدفء ذراعها التي أمسكتها المرأة رغم برودة الجو، دلالة على دفء العلاقة الانسانية بين المغتربين.

كتب أون لاين

من قناة على اليوتيوب بعنوان (كتب اون لاين) تعتقد الكاتبة السامرائي ان اسم الناقد صاحب تلك القناة هو تامر نبيل يوسف وتخمن ان مادته مستقاة من الاي آي ومعتمدة في جوانب كبيرة على مقالة الأستاذ لؤي عبد الإله عن المجموعة القصصية والتي نشرها في الشرق الأوسط في ١٤ تموز ٢٠٢٥خاصة في تحليله قصة "الجانب الآخر من الصمت " ..وقد عرضت مادة اليوتيوب على الشاشة الكبيرة وكانت مادة سمعية وليست بصرية تناوب صوتان على تقديمها بايقاع سريع وبجمل قصيرة وبالعامية المصرية ونحاول هنا تدوين موجز لما جاء فيها لا سيما اننا عدنا إلى الاطلاع على مقالة لؤي عبد الاله في الشرق الأوسط وحسب الرابط الذي وضعته تلك القناة اليوتيوبية :

نلخص ما جاء فيه بالسطور التالية :

"ما يمنح "ظلال واسعة" تماسكها الفني وقوتها التأثيرية ليس فقط وحدتها الموضوعاتية، بل إلى مجموعة من الخيارات الأسلوبية التي تخدم رؤية الكاتبة .

لا يمكن قراءة هذا العمل كمجرد مجموعة من الحكايات، بل كمشروع سردي متكامل، يرسم خارطة جغرافية ونفسية معقدة للشتات العراقي، ويغوص في أعماق الجرح الوطني الذي لا يزال ينزف .

تتخذ السامرائي من البناء الثلاثي هيكلا لمجموعتها مقسمة ا لفضاءات السردية إلى ثلاث مساحات مكانية وزمانية متمايزة، لكنها متصلة عضويا برباط الألم العراقي. هذا التقسيم ليس مجرد توزيع جغرافي، بل هو بنية فنية تعكس الانشطار في الروح العراقية المعاصرة .

تأخذنا الكاتبة إلى لندن، ليس كعاصمة عالمية صاخبة، بل كمسرح خلفي لحياة جالية من المنفيين العراقيين. الزمن محدد بدقة : ما بعد غزو عام ٢٠٠٣. الشخصيات هنا ليست مهاجرين اقتصاديين شباب، بل هم في الغالب منفيون سياسيون تجاوزوا منتصف العمر ووصلوا إلى بريطانيا وقد استنفدت سنواتهم افضل فرص الاندماج. تصورهم الكاتبة كأرواح معلقة عالقة بين حنين مؤلم لوطن لم يعد موجودا كما في ذاكرتهم، وواقع بارد يعيشون على هامشه .. انهم يعيشون عزلة مزدوجة، عزلة عن المجتمع البريطاني الذي لم يستطيعوا الانصهار فيه وعزلة فردية عمقتها تجربة المنفى الطويلة، حيث تحولت حياتهم إلى طقوس رتيبة من الإنتظار والترقب.

تنتقل هذه القصص بعد ذلك إلى العراق، لتقدم لنا الوجه الآخر للمأساة هنا، تعمل السردية : مرآة تعكس أسباب استحالة العودة. ترصد الكاتبة بعين ناقدة وموجوعة التحولات السلبية التي طرأ على المجتمع خلال العقدين الأخيرين. يطفو على السطح "نظام المحاصصة" الذي ابتلع مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وتآكل القيم الاجتماعية.

هذه القصص لا تقدم مجرد بانوراما سياسية، بل تغوص في التفاصيل اليومية لحياة المواطنين الذين يكابدون من أجل البقاء، مقدمةً بذلك تبريرا ضمنيا، ولكنه قاطع، لقرار المنفيين بالبقاء في غربتهم فكلا المكانين، الوطن والمنفى، أصبحا سجنا بشكل او بآخر.

في القسم الثالث والأكثر جرأة من الناحية الفنية، تحلق السامرائي بعيدا عن الواقع المباشر إلى عوالم " اللا مكان واللا زمان". تنتمي هذه القصص إلى أدب الخيال العلمي والفنتازيا، حيث نجد أصداء لأفلام مثل "حرب النجوم" مع عربات تسافر بسرعة الضوء وشخصيات تتحرك في أكوان موازية .

لكن هذا التحليق الكوني ليس هروبا من الثيمة الأساسية بل هو إمتداد لها ففي نهاية المطاف، تظل القصص تدور في فلك الهم العراقي. يبدو الأمر وكأن الكاتبة تقول ان الجرح من العمق بحيث لا يمكن الهروب منه حتى باللجوء إلى ابعد المجرات، فالظلال اللاسعة للوطن تتبع شخصياتها عبر الزمكان، لتؤكد ان الهوية والجذور أقوى من أي محاولة للنسيان او التجاوز ".

ثم عادت السيدتان فائزة وفيحاء لتقدمان قصة ممسرحة ثانية وكانت بعنوان :⁠

⁠⁠استراحة كراسٍ خشبية

( في قاعة غادرها الضيوف تتكلم الكراسي عن رأيها في الإنسان وامنياتها في أن تتحول إلى كراسٍ في مكان آخر غير القاعات المزدحمة المعتمة، وتحمد امها الشجرة لانها لم تك كراسي إعدام او في قصور المتحكمين بالسلطة لأنهم سيلتصقون عليها لفترة طويلة) .

 واستطلاعا لرأي دار لندن التي نشرت المجموعة تحدث السيد مضر شبر بتسجيل فيديوي عرضته الأمسية على الشاشة وكان حديثه بشقين الاول عن مطبعة ودار لندن للطباعة والنشر التي استمر عملها لثلاثين عاما في لندن ولها فروع في بغداد والقاهرة والامارات .. والشق الثاني كان عن نشره لضيفة امسيتنا الكاتبة فيحاء وتعاونها مع الدار حيث طبعت كتابين هما روايتها ( سوناتا الغراب ) ومجموعتها القصصية ( ظلال لاسعة) موضوع هذه الأمسية والتي قال عنها شبر :” انها مكتملة المقومات وهذا تقييم د.صلاح نيازي .. وقد انتقلت هذه المجموعة معنا من خلال المعارض العربية والاجنبية وقد لاقت استحسانا وإقبالا عليها من القراء لحسن تصميم غلافها وعنوانها وتناولها قضايا مؤلمة وبشكل ساخر من واقع الغربة ونعتبر السيدة فيحاء من اسرة الدار ونتمنى على كل من يطلع على الكتاب ان يعطينا تقييمه واعتقد سيكون تقييما جيدا" .

اعقب حديث السيد شبر تقديم مشهد مسرحي ثالث وهو :

يوم في حياة ظل

( تزدهر المرأة لما تقضي حياتها مع رجل يتفهمها ويسعدها ويمكّنها في أن تجتاز حياتها في الغربة بمعرفة نفسها وامكانياتها، وهو محاورة ذاتية لإمرأة تعاني من أن زوجها يهملها ويقضي وقته كله في تصفح الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ويترك المسؤولية عليها، وبالتالي تتمرد وتقرر الاعتماد على نفسها في امتاع وتسلية نفسها بالسفر، وتترك زوجها عبد الصاحب لفترة من غير صاحب).

 مداخلة الكاتبة فيحاء السامرائي

 سلطت المداخلة الضوء على جملة أسئلة منها : ما دور الأدب وماهي وظائفه؟ وكان عنوان اجابتها الفائدة والإمتاع وعن هذين المنطوقين تناولت نظريات وتجارب واستشهدت بأمثلة حية من النتاج الادبي الإنساني اما عن تساؤل مفاده

⁠ ⁠⁠ما هو أدب السخرية وما هي خصائصه؟ فطرحت رؤيتها له واعتبرته أنه طوق نجاة، يجعل الحياة محتملة ويستنطق المعنى وسط هذا العبث الذي نعيشه وطريقة للمقاومة وأجملت خصائصه بعاملي المفارقة والمبالغة، وحددت مساراته القائمة على ثلاث درجات، هي : التهكم، السخرية، التندر.

⁠⁠⁠وعن استخدامها لـ (الظل) وما رمزه في مجموعتها القصصية فذكرت انه:" انعكاس لواقع البشر والجانب المخفي من أنفسنا الذي نخشى مواجهته. اما لماذا يكون لاسعاً .. تأتينا اللسعة بعد الضحك فيؤلمنا وخزه وبذلك تتكون ثنائية التندر والألم".

⁠⁠⁠ ثم طرحت الكاتبة السامرائي على نفسها أسئلة أخرى واجابت عنها على هذا المنوال: "هل كان بالإمكان تبويب القصص إلى ظلال الذات وظلال العلاقات وظلال المدن؟. تركت ذلك للقارئ الفطن، والباب الاول يمكن ان يكون للوحدة الداخلية والخارجية، والباب الثاني هو الظلال الجريحة للوطن، والثالث هو فانتازيا ظلال اليأس..

⁠⁠⁠ اما لماذا يوجد عدد كبير من القصص في كتاب واحد؟ فإجابتي : لان هناك وحدة موضوع تتكامل مع بعض وتتدرج في كل القصص، وانتفاء للحشو والتكرار. وأخيرا :هل هناك نفس مسرحي في القصص؟ وأجيب بنعم وان ذلك يتجلى واضحا جداً، وخاصة المونودراما ..المسرحية ذات الشخصية الوحيدة".

 لؤي عبدالإله : خاصية المنفى العراقي بين منافٍ أخرى ..الإنتظار الأمل

 وبعد هذه الإجابات المكثفة للأسئلة المهمة التي طرحتها على نفسها دعت ضيفة الأمسية الضيف الثاني عليها الأستاذ الروائي لؤي عبد الإله والتي قالت إنه واكب عملها عليها، وكتب عنها بعد إصدارها فكانت مساهمته التالية :⁠⁠

 " لم يتبق شيئا يتكلم عنه المرء بعد ما سبق من عروض وآراء وطروحات ..أنا بالبداية اقترحت على الزميلة فيحاء أن تحول هذه القصص إلى مشاهد مسرحية لأن المسرح موجود داخل القصص حيث لا ضرورة لتحديد المكان فالشخص يتكلم مباشرة من داخل القصص .. لكن الجانب الوحيد الذي يثير الانتباه هو نوعية المنفى العراقي .. يعني انا مثلا وجدت ان هناك أربعة منافٍ .. او أربع تجارب لمنفيين ابتداءً من ما قبل الحرب العالمية الثانية.. في العام ١٩٣٣ اذ بدأ المنفى الألماني بوصول هتلر للسلطة وانتهى في سنة ١٩٤٥ لكن الألمان عندما عادوا لوطنهم وجدوا بلدا آخر تماما .. وجدوا الناس فيه وقد تغيروا.. ولهذا السبب ان أولئك الذين تركوا البلد هاربين من النازية اختاروا البقاء في بلدان المهجر .. من ضمنهم توماس مان وكتاب آخرين والشخص الوحيد الذي عاد هو بيرتولد بريخت إلى المانيا الديمقراطية وتوفى فيها .. وهو حالة استثنائية.

النمط الثاني للمنفى هو التشيليون، ففي عام ١٩٧٣ بعد انقلاب بينوشيت ..لم يرجعوا إلافي سنة ١٩٨٨ بعد ان انتهت الطغمة العسكرية التي كانت تحكم بلادهم .. فكانت عودتهم بعد غياب دام ١٥ سنة ليجدوا بلدهم لم يطرأ عليه تغيير كبير .. كل شيء بمكانه .. المدن نفسها .. الحياة نفسها .. فاستطاعوا المواصلة في الحياة والمساهمة ببناء مجتمعهم.. اما التجربة الثالثة هي تجربة الارجنتين التي دامت من ١٩٧٦ إلى ١٩٨٣فقد عاد الأرجنتيون من منافيهم إلى بلدهم وكان قد عاد طبيعيا واستقر بعد حرب الفوكلاند .. هذه ثلاث تجارب توضح المنفى وطبيعة المنفيين الذين رجعوا إلى أوطانهم .

مشكلة المنفى العراقي والذي هو محدد بسنة وبمجموعة معينة من البشر .. ولنقل ان هؤلاء يمثلون وسطا من الناس .. وسط مثقف اكثره يساري تأثر بممارسات أضطر جراءها للمغادرة منذ عام ١٩٧٩، فاستمر هذا المنفى ٢٥ سنة مرَّ خلالها العراق بثلاث حروب كبيرة .. كل حرب استهلكت اكثر من نصف مليون شخص قتيل، وبعدها جاء الحصار فدمر البنى الصحية والتربوية والتعليم الخ.. وعندما جاءت ٢٠٠٣ كان البلد فدانته.. ليست له علاقة بالنسبة لأولئك الذين غادروه وهربوا، وعاشوا ٢٥ عاما خارجه، اصبحوا منتمين إلى البلد الآخر .. هذا المنفى قدمته زميلتنا فيحاء وهو بالحقيقة الذي يمس هذا الجرح .. وعالجته بطريقة جديدة تنطوي على المفارقة وهذه المفارقة ما يميز ذلك المنفى وهذا ممكن تشبيهه بمثل عائلة جاءت إلى المحطة لتأخذ قطارا لديارها فتكتشف ان هذا القطار قد الغى من جدول الرحلات وبقيت تلك العائلة تنتظر وتنتظر وأصبح الانتظار هو الامل وهذا ما قدمته لنا كاتبتنا "..

 تنوعت مواد الأمسية والتي تتالت بشكل سلس وبانسيابية تمت ملاحظتها من خلال تفاعل الحضور معها حيث كانت المداخلات والأسئلة حيوية ورغبة في الحوار .. وهذا ما درج عليه المقهى في آماسيه التي كانت هذه الأمسية إضافة نوعية لها. ويمكن لقرائنا الأعزاء متابعة مجريات هذه الأمسية على صفحة المقهى بالفيسبوك او برابط اليوتيوب أدناه :

https://www.youtube.com/watch?v=rB3mo8S6HGA&t=2664s&pp=ygULYWxpcmFmaXExMDA%3D