
في عالمٍ يتآكل فيه جوهر القيم وتتصدر فيه المصلحة مشهد العلاقات الإنسانية، يُنظر للحب غالباً كحالة ترفٍ أو عاطفةٍ مؤقتة تذوي أمام رياح الفساد، لكن الحقيقة أعمق وأكثر حدة؛ فالحب في زمن الفساد ليس خياراً ناعماً، بل هو "واجب حتمي" وفعلُ مقاومةٍ يومي، فالفرد في بيئة فاسدة يتعرض لمحاولات دائمة لتحويله إلى مجرد رقمٍ في معادلة الربح والخسارة، وهنا تحديداً يصبح الإخلاص للحب – بكل ما يحمله من صدق وتجرد – صرخة استقلالٍ لا تضاهى، إذ لا يوجد ما يغيظ الفساد أكثر من وجود إنسانٍ يرفض أن تكون مشاعره سلعة، ويرفض أن يبيع دفء عاطفته في سوق العرض والطلب، تماماً كما جسّد غابرييل غارسيا ماركيز في روايته "الحب في زمن الكوليرا"؛ حيث بدا الحب كأنه الوباء الوحيد الذي لا يموت أمام وباء الكوليرا القاتل، فكان انتظار "فلورنتينو أريثا" لمعشوقته لأكثر من نصف قرنٍ في عالمٍ يعج بالتغيرات والفساد الاجتماعي، بمثابة ثورةٍ صامتة وتأكيدٍ على أن الحب لا يخضع لجدولٍ زمني ولا لظروفٍ قاهرة، إن الحب كواجب حتمي يعني أننا نقرر أن نكون بشراً في ظروفٍ تطالبنا بالتحول إلى أدوات، وهو التزامٌ شجاع تجاه الآخر وتجاه أنفسنا يحمي أرواحنا من التيبس والانهيار، فحين نختار أن نحب وسط خرابٍ أخلاقي، فنحن لا نهرب من الواقع بل نضع بذوراً لمجتمعٍ مغاير، مجتمعٍ لا تقوده الأطماع بل تحركه الروابط الإنسانية العميقة، إن الوفاء لشريك الحياة في أشد اللحظات قسوة، والتمسك بالحب كقيمة مطلقة غير قابلة للمساومة، هو أسمى أشكال الثورة، فالحب ليس مجرد إعلان عن العاطفة، بل هو لمسة حانية في زمنٍ قسَت فيه القلوب، هو ذلك الضوء الخافت الذي نحميه بأيدينا المرتجفة من انطفاءٍ محتوم، هو القدرة على أن نظل "نحن" – بضعفنا وقوتنا – في وجه عالمٍ يريدنا أن نتغير، الحب هو الترياق الوحيد ضد سموم الأنانية، وهو الحصن الذي يظل صامداً مهما تعالت أصوات الزيف، لذا فإن الحب ليس مجرد شعور، بل هو قرارٌ وجوديٌ عظيم، وهو الواجب الأكثر قدسية الذي تفرضه علينا إنسانيتنا، لكي لا نغرق في بحر الفساد المحيط، ولكي نظل متمسكين بجوهرنا الذي لا يُشترى ولا يُباع، فالحب في نهاية المطاف هو الفعل الوحيد الذي يثبت أننا لا نزال أحياء، وأننا لم نفقد بعد قدرتنا على التمييز بين النور والظلمة في هذا العالم الفسيح.
إننا حين نتمسك بالحب، ندرك لماذا كتب شكسبير "روميو وجولييت" بهذه النهاية المؤلمة؛ فهو لم يكتبها ليمجد الموت، بل ليعرّي عبثية الكراهية التي تفرضها المجتمعات الفاسدة، وليصرخ في وجه الواقع بأن المجتمع الذي يقتل الحب في سبيل أحقاده إنما يحكم على نفسه بالانهيار. لقد كان شكسبير يخبرنا أن الحب "قرارٌ" وليس قدراً، وأن التمسك به في وجه واقعٍ غاشم هو فعلُ تحررٍ حقيقي. هذا الوفاء هو "الوباء الوحيد" الذي لا يموت، كما جسده غابرييل غارسيا ماركيز في "الحب في زمن الكوليرا"، حيث ظل الانتظار لعقود فعلاً ثورياً يتحدى وباء الفساد والزمن.







