
اللوحة للفنان فيصل لعيبي صاحي
لم يكن بيت الحاج إبراهيم خليل أعلى بيوت منطقة باب الشيخ لأن صاحب الدار أراده أن يكون كذلك فحسب، بل لأن المصادفات الغامضة ترسم مصائر الناس أحياناُ، قبل أن يخططوا لها أو يعرفوا بأنها مصيرهم المحدد المحتوم !!
كان المنزل قائماً في الزاوية المواجهة للبوابة الغربية لجامع ومرقد الشيخ الصوفي عبد القادر الكيلاني، يطلّ على فتحة الزقاق وشارع الكفاح كما تطلّ العين المتعبة على حلم لا تستطيع إنهاءه!!.
المرء كان يرى من سطحه، امتداد الأزقة واتصالها بالشارع الكبير، ومن بعيد يرى الأبنية والقباب والمآذن.. والبيوت وهي تتلاصق كتفاً إلى كتف، كأنها عائلة فقيرة تخاف أن يضيع أحد أفرادها في الزحام.
من ذلك المكان فوق السطح، روائح الأزقة كانت تتصاعد قبل أصواتها: رائحة الشاي المطبوخ، رائحة الأفرشة المطوية فوق السطوح، رائحة العرق المعتقة التي تنبعث من أردية الحمالين والأسكافية والدراويش والزوار الهنود.. رائحة الخبز الحار حين يخرج من التنور.. ورائحة التراب حين يُرشّ بالماء في المساء!!.
لكن حين حلّت الأيام السود لم تعد الرائحة، رائحة حياة. صار للهواء طعم الحديد، وللغبار طعم الرماد، وصارت بغداد، التي كانت أمّاً واسعة الصدر، تحولّت إلى أنثى هشّة الجسد محاصرة بالبنادق والحراب!!
بيت تاجر الشاي الحاج إبراهيم خليل، لم يكن فخماً، بمعنى الفخامة المتنطعة، ، لكنه كان بيتاً بني لكي يحتوي العطف والكرم وهيبة التقاليد البغدادية المحافظة... بابه من الخشب، عريض، مصفّح بمسامير سوداء تشبه عيون محاطة بالطلاسم والبخور تحرس كل من كان يمر قربه، وكل من كان يعيش داخل البيت!
المجاز ، مكان ضيّق تمر به بعد أن تجتاز البوابة، كان عبارة عن دهليز بارد، تتوزع على جانبيه قطع من أثاث وحاجيات قديمة: وعاء خزفي لتبريد الماء، جرار واكياس شاي جلبت من الخان في سوق الشورجة التجاري.. ميزان نحاسي قديم لم يعد يُستعمل إلا كذكرى عن أيام كان البيع والشراء فيها أرحم من السياسة!
في الغرفة الكبيرة بساط أحمر باهت، سماور روسي، خزانة ذات واجهة زجاجية تضم كتباً صفراء الحواف، مصاحف وكتب دينية، دواوين شعر، دفاتر حسابات، وبعض الأوراق التي لم يكن أحد يعرف لماذا يحتفظ بها الأب!!
على الجدار صورة لعبد الكريم قاسم قرب صورة للملة البرزاني، تحت صورة خيالية للإمام علي بن أبي طالب.. لم تكن الصور معلقة باستقامة، بل مائلة قليلاً، كما لو أن الجدار نفسه كان يصغي إلى ما يحدث في الخارج.
كان إبراهيم خليل، وهو والد صلاح، تاجراً من تجار سوق الشورجة يعمل في استيراد وبيع الشاي، لكن الناس كانوا يميزونه كشخصية مستقيمة ورعة من شخصيات الحي ولا شيء أكثر أو أقل من ذلك.. رجل لا يرفع صوته إلا إذا أُهين فقير، ولا يغلق باب خانه ومتجره أمام حمّال كردي فيلي يقتات من جهده وعرق جبينه ليخدم أهل بغداد،
يحمل في صوته نبرة الجبل وهدير جريان نهر دجلة، وفي وجهه هدوء الرجال الذين رأوا الكثير فلم يعودوا يصدقون أقوال الناس والإشاعات والوشايات بسهولة.. هادئ، لا يغضب.. ولم يعرف قلبه الجمود أو القسوة. كان يقول لأبنائه:— السياسة مثل النار يا أولادي. قد تطبخ خبزاً، وهذا أمر جيد ولكنها أيضاً قد تحرق البيت!
كان غازي، أكبر أولاده وأكثرهم حماسة للسياسة العنيفة، يجيبه بعينين مشتعلتين:— لكن، أحياناً يا أبي .. لا يبقى للبيت خيار، إلا القوة تحميه، لكي لا يدخله اللصوص.
أما ابنه صباح، فكان يضم يديه خلف ظهره ويقول بنبرة أكثر حذراً:— الدم لا يأتي منه خير. كل حزب يرفع راية، ثم يطلب من الناس أن يموتوا تحتها!!.
وكان علاء أصغر أولاده البالغين، روحه كانت عالقة بمفاهيم القومية وقائد الكرد الملا مصطفى البارزاني، يقول:— من لا يدافع عن اسمه وقومه، يمحونه من السجلات والتاريخ، ثم يمحونه من المقابر..
يبتسم الأب بلا فرح، ثم يسكب الشاي في الاستكانات الصغيرة ويقول:— أنتم تتخاصمون بالكلمات، وهذا حسن. لكن إياكم أن تتركوا الكلمات تتحول إلى بنادق بينكم.
كان صلاح وفريد لم يتجاوزا التاسعة بعد.. جمعهما تقارب العمر والقرابة العائلية من جهة الأم.. يجلسان قرب الباب، يسمعان ولا يفهمان كل ما يقال !!
كانا في عمر يظن فيه الطفل أن الكبار يتناقشون باستمرار لأنهم يحبون الضجيج، لا لأن العالم الخارجي يضغط على صدورهم بقسوة... كانا قد أدمنا لعب الكرة كبقية الأطفال في الزقاق، يتسابقان إلى دكان الخباز، يراقبان الحمائم حول قبة ومأذنة الكيلاني، ويعدان أبواب البيوت وأعمدة الكهرباء كما يعدّ الطالب الصغير أصابع يده...
لم تكن السياسة بالنسبة إليهما إلا أصواتاً مزمجرة وأناشيد وطنية يسمعونها من جهاز الراديو، وصوراً معلقة على الجدران، وكلمات تتكرر من أفواه الناس: انقلاب، ثورة، خيانة، حرس قومي، مقاومة، قتل، إعدام..
حين حدثت تلك الأحداث الجسيمة.. الطفولة داخلهما لم تمت أو تهدم دفعة واحدة، بل تشققت مثل جدار قديم يتأثر بانفجار بعيد..
في ذلك الصباح.. بعد أن اشيع خبر إعدام الزعيم عبد الكريم قاسم عقب محاكمة صورية لا علاقة لها بقيم وقوانين العدالة والقضاء.. بل لها علاقة بعدالة السكين وهي ثابته في يد الجرّار.. تبدلت بغداد دفعة واحدة !!..
لم تعد الشوارع تلك الشوارع المألوفة.. بل جراحاً مفتوحة !!..
لم تعد النوافذ نوافذاً، بل عيوناً مذعورة.
ولم يعد بيت صلاح بيتاً لعائلة، بل صار فجأة، ومن غير قرار مكتوب، مقراً لانتفاضة مسلحة !!
قصف الحرس القومي خزانات المياه الكبيرة التي كانت تغذي الأحياء والبيوت بالماء الصافي الصالح للشرب، وقطعوا الكهرباء عن الأحياء والأزقة والمدن الثائرة!
صعد أول الثوار إلى السطح مع الغروب. كانوا رجالاً من الشورجة، من باب الشيخ، من الفضل، من شارع الكفاح، من الكاظمية، من مدينة الثورة والحريّة، من الكرادة، ومن تلك الأزقة التي كان الحرس القومي يظنها فقيرة لا ذاكرة لها !!.
جاءوا يحملون بنادقاً قديمة، مسدسات صدئة، زجاجات بانزين، خرقاً، وصور الزعيم !! لم يسألوا أهل البيت ترخيصاً كاملاً، ولم يقتحموا كالغزاة. دخلوا بارتباك أبناء حي دفعتهم حميتهم كي يدافعوا عن كرامة الناس وقدسية المدينة !!.
قال أحدهم للحاج إبراهيم خليل:— سامحنا يا أبا غازي. سطح منزلك عالي جداً، يطل على كل شيء... ومنه بإمكاننا السيطرة على مدخل الزقاق والشارع.. اعذرنا.. لا نملك مكاناً أفضل منه.
نظر الحاج إبراهيم خليل إلى السلم المؤدي إلى السطح، ثم إلى أبنائه، ثم إلى صورة الإمام والزعيمين المائلتين على الجدار. كان يعرف أن كلمة لا في تلك اللحظة لا تحمي بيته، وأن كلمة نعم قد تهدمه.. لكنه كان يعرف أيضاً أن العاصفة حين تدخل البيوت، لا تسأل سكانها عن رأيهم..
قال بصوت خافت:— لا تطلقوا النار من بين الأطفال. ولا تقربوا النساء. هذا بيت، وليس ثكنة عسكرية.. سأرسل بناتي وزوجتى إلى بعقوبة..
قال الرجل، الذي كان وجهه مغطى بغبار الطريق:— سنحاول ما استطعنا يا عم. . قطاع الطرق هؤلاء لم يتركوا لنا خيار غير الدفاع عن حرمات البيوت وعن أهلنا البسطاء..
صعدوا السلم بعجالة، صار السطح في ساعة واحدة عالماً آخر: وُضعت أكياس التراب قرب الحافة. فُتحت ثغرات بين الآجر. تمدد مقاتل خلف المدخنة، وجلس آخر قرب خزان الماء، وثالث راح يراقب الزاوية المؤدية إلى شارع الكفاح.
كان مؤذن منارة الحضرة الكيلانية قد رفع صوته لصلاة المغرب، لكن الرصاص سبقه وعلى فوق صوت الأذان... اختلط التكبير بالإطلاقات، وجفل الحمام ، ثم طار دفعة واحدة من فوق القبّة.. تجهم وجه السماء وكأنها فزعت مما يحدث على الأرض!!..
على الأرض، في الأسفل، بدأت الأزقة تبدل معالمها بسرعة مذهلة:
كراسي المقاهي التي كانت تحتضن ظهور المتعبين صارت متاريساً. أبواب الخزائن القديمة، طاولات النرد، صناديق الخضار، ألواح الخشب، عربات الباعة، حتى أسرّة الأطفال الحديدية التي أخرجتها الأمهات من المخازن، كلها صارت جداراً مرتجلاً يفصل الحياة عن الموت!!
كان الرجال يدحرجون براميل فارغة إلى مداخل الأزقة، والنساء يمدونهم بالماء والخبز ولفافات الخرق للتضميد.. الأطفال كانوا يظنون في البدء أن في الأمر لعبة كبيرة، لعبة أكبر من كرة القدم وأعقد من الاختباء خلف الجدران.. كانوا يحدثون أصواتاً عالية جداً بالنقر على علب معدنية فارغة أو يمررون عصيهم على سقوف الجينكو، محدثين أصواتاً تشبه أصوات رشقات رصاص!!
كان صلاح وفريد يقفان خلف شق في باب السطح.. فضولهما يدفعهما إلى الأمام، وخوفهما يعيدهما إلى الوراء. رأيا رجلاً قصيراً بقميص أحمر يركض من زقاق إلى آخر، ثم سمعا طلقة واحدة، لا يعرفان من أطلقها. رأياه يتوقف كما يتوقف الطائر في الهواء لحظة إصابته، يضع يده على صدره، ثم يسقط.
لم يكن سقوطه يشبه سقوط من يتعثر. بل ككائن قطع الخيط الذي يربطه بالعالم. سقط على الأرض وبقيت قدماه تتحركان قليلاً، كأنهما لا تعرفان أن صاحبهما مات. تسرب الدم من تحته ببطء، لا كالنهر، بل كبقعة حمراء تكبر في صمت، حتى لامست حافة صخرة كان صلاح وفريد يلعبان قربها قبل يومين..
همس فريد:— صلاح... هل نهض؟
لم يرد صلاح. كان ينظر إلى البقعة الحمراء التي تتسع رويداً رويدا!
الدم بالنسبة للطفلين لم يكن أكثر من قطرات تنبجس من جرح في ركبة، شوكة في قدم، إصبعاً يقطعه زجاج مكسور .. أما الآن فقد شاهدا الدم كلّه يخرج من إنسان كامل.. من شاب له أم ربما لا تعرف ماحدث له وبقيت تنتظر عودته.. شاب يرتدي قميصاً أحمراً مكوي بعناية.. له اسم لا يعرفانه...
شعرا بالحزن والخوف يطبق على صدريهما.. وارتعبا من فكرة أن المدينة تحترق وأن السماء تبتعد!!
نزلت أم صلاح من الغرفة في الطابق الثاني وهي ترتعد.. جمعت بناتها وغادروا المنزل على عجالة حيث كانت هناك مجموعة أخرى من النساء الأقارب في انتظارهم.. تم تأمين وصول النساء إلى بعقوبة حيث كان البيت الصيفي للعائلة..
انتبه الأب الى أن الطفلين رفضا الذهاب مع النساء، و كانا يهبطان ويصعدان ربما بدافع الفضول.. يحاولان التسلل من نظرات العيون لغاية الوصول إلى السطح.. فمنعهما من ذلك :— انزلوا! لا أريد أن أرى وجوهكم قرب سور السطح.. الأمر في غاية الخطورة.. هذه ليست لعبة...
سحب الطفلين من كتفيهما واعادهما إلى حوش الدار. بقيا واجمين غير قادرين على إبعاد صور المشاهد المتوحشة التي تستيقظ في مخيلتهما مع كل رشقة رصاص أو انفجار عبوة هاون أو قذيفة أر بي جي.. أصبحا الآن يميزان تلك الصافرة الطويلة التي تصاحب القذائف ويخمنان نوعها ووقت انفجارها... ظلت جثة الشاب المقتول الذي سقط قرب الحجر في الزقاق.. مدة في رأسيهما!!
في البداية.. قبل أن تطغي أصوات الأسلحة المتوسطة والثقيلة، وتأتي المصفحات والدبابات لتغلق المنافذ والشوارع.. كانت المعركة ضعيفة خافته الوطيس، تهيمن عليها أصوات المسدسات والبنادق وأسلحة الصيد الصغيرة التي يستخدمها الثوار.. تسمع هنا وهناك هتافات من فوق السطوح.. أقدام تركض.. أبواب توصد بقوة.. نساء يصرخن من النوافذ، ورجال يتنادون بأسماء مختصرة كما لو أن الموت لا يسمح بالأسماء الطويلة!!
من سطح بيت صلاح، كان الثوار يطلقون النار باتجاه نقاط تمركز حشود وتجمعات الحرس القومي في مداخل الشارع.. لم تكن بنادقهم دقيقة التهديف ولا خطتهم واضحة. كان الغضب عندهم أكثر انتظاماً من السلاح، والحزن أكثر دقة من التصويب.. قال أحد الثوار، وهو شاب نحيف من الشورجة، لغازي:— أنت ابن البيت؟ اجلب لنا بعض الماء لأننا عطاشى.
هبط غازي من السطح بعجالة، غرف بعض الماء من الخزان الخزفي الذي يسمى "الحب" بوعاء معدني وصعد به إلى حيث يتمترس الثوار ..كان وجهه متشنجاّ.. لم يكن يعرف هل كان فخوراّ أم خائفاّ!!
حين عاد، قال له أبوه:— لا تصعد مرة أخرى..
قال غازي:— طلبوا مني ماء، يا أبي !.
— الماء نعطيه لكل عطشان، لكن هناك خطورة من الرصاص.. عليك الحذر.
قال غازي:— وهل نتركهم بلا عون؟
اقترب والده منه، وضع يده على كتفه، وقال:— أنت رجل.. ولك الحق في خياراتك.. لا أطلب منك أن تترك أحداً. أطلب منك بحرص أن تبقى حياً...
لكن الحياة في ذلك اليوم كانت أضيق من نصيحة الأب.
كلما مرّت ساعة، صار البيت أقل قدرة على حماية نفسه من قدره.
كانت الطلقات تخترق الحيطان كالإبر. سقط زجاج الخزانة على الكتب الصفراء. انقلب السماور الروسي، وانسكب الماء الساخن على البساط الأحمر، فتصاعد بخار قصير بدا لصلاح كروح جني صغيرة خرجت من النحاس!!.. أما صورة عبد الكريم قاسم، فقد ازدادت ميلاناً، حتى خُيّل لفريد أنها ستسقط، لكنها لم تسقط.. بقيت معلقة بعناد غريب!!..كأن المسمار كان يدافع عنها!!.
أما صورة الأمام وصورة الملّة فلقد تهشمتا على الأرض.
في الليل، حين أضاءوا الفوانيس، أخذ الضوء يرتعش ويتذبذب على الجدران بشكل غامض ومجنون.
قال الأب:— بغداد تعرف كيف تبكي وتنوح، لكنها لا تعرف كيف تحمي أبناءها..
وسط باحة الدار، أخذ الحاج إبراهيم خليل يشارك لأول مرّة بنشاط غير مألوف لطبيعته: يفتح الباب للحظة ويغلقه، يُدخل رجلاً جريحاً، يخبئ آخر في المخزن، يطلب من الآخرين أن يقطعوا قماشاً للضمادات.. كان يكره القتال المسلح ولا يطيق السياسة!! لكنه كان ابن تلك الأزقة... والأزقة حين تنزف، لا تعرف أو تتوقع من غير هؤلاء الرجال التقاة.. أن يطببها ويحميها !.
في اليوم الثاني، تغيّر صوت التمرد. صار أقل ارتفاعاً وأكثر توتراً. جاء الحرس القومي بأعداد أكبر. كانت سياراتهم ومدرعاتهم العسكرية تمر في الشارع مثل وحوش معدنية، تعلوها أصوات غليظة تأمر الناس بالاستسلام.
من بعيد كانت تسمع مكبرات الصوت: كل من يؤوي مخرباً سيحاسب. كل من يطلق النار سيعدم. كل بيت يفتح سطحه للمتمردين سيعامل كوكر.
قال صباح لأبيه:— ألم أقل إن النار ستأكل البيت؟.
نظر غازي إليه بغضب:— لا تتوقع من هؤلاء المجرمين غير هذا؟ أتريد أن نفتح لهم الباب ونقول لهم.. نحن استسلمنا.. تفضلوا؟.
قال صباح:— أريد أن يعيش أحدنا من أجل الأطفال..
قال علاء، بصوت بارد:— لا أحد سيترك الأطفال يعيشون سيقتلون آباءهم أولاً..
ضرب إبراهيم الطاولة بكفه. لم يكن الضرب قوياً، لكنه أسكت الجميع:
- كفى. هذا البيت ليس منبراً للخطابة.. تذكروا أخواتكم وأمكم. لا تخربوه وتطعنوه من الداخل..
البيت كان قد طُعن وخرب من الخارج.
في الظهيرة، أصابت قذيفة خفيفة جدار السطح. تناثر الآجر فوق الدرج. سقط أحد الثوار على عتبة السلم، وكان اسمه مهدي، أو هكذا سمع صلاح أحدهم يناديه. لم يمت فوراً. كان يمسك بطنه ويقول:— لا تقولوا لأمي إنني تألمت..
كان شاباً في العشرينات. لحيته خفيفة، عيناه اتسعتا كعيني طفل يواجه ورطة أكبر منه.
اقترب منه الحاج إبراهيم خليل وحاول أن يرفعه. قال الشاب:— عمي... هل انتهى الأمر.. هل مت؟.
لم يعرف الحاج إبراهيم ماذا يقول. كل إجابة كانت كذبة. فاكتفى بأن مسح العرق عن جبينه.
- ردد الشهادة يا ولدي، واهدأ..
قال الشاب:— كنت أريد أن أتزوج بعد العيد.. ثم صمت.
كان صمته أوسع من البيت كله... صلاح رأى ما حدث من طرف الباب. لم ير الدم هذه المرة فقط. بل الفكرة المرعبة: أن يكون الإنسان ممتلئاً بحلم عرس مؤجل، وبعد دقيقة يصير جثة ثقيلة وباردة على الأرض!!
منذ تلك اللحظة صار العيد بالنسبة إليه كلمة ناقصة، كلمة لها جسد ممدد عند عتبة سلم..
مع حلول المساء، بدأ الثوار ينسحبون من بعض السطوح.
لم يكن الانسحاب قراراً شجاعاً ولا جباناً، بل اعترافاً بأن المدينة طوقت وحوصرت من كلّ الجهات!.
قيل إن بعض الثوار هرب باتجاه البساتين، وبعضهم عبر المعابر الخلفية إلى المقابر، وبعضهم اختبأ في مخازن الشورجة، وبعضهم لم يحالفه الحظ.. خانه الخوف أو الجار.. أعدم أو قتل وهو ينسحب.
كانت الأزقة التي صنعت المتاريس من كراسي المقاهي والأثاث القديم تتلقى الضربات بعنف ووحشية.. تضعف فيها شوكة المقاومة.. تزاح العوائق.. وتنتشر مشاهد الاعتداءات والسباب الفاحش والتعذيب والاعتقالات!!
في اليوم الثالث، انكسر التمرد.. لم ينكسر بصوت واحد. انكسر على شكل أبواب تُخلع، وأقدام تصعد السلالم، وصفعات، وشتائم، وبنادق تضرب الجدران، ونساء يحاولن شرح ما لا يمكن شرحه أو تبريره..
دخل الحرس القومي بيت الحاج إبراهيم عند العصر. كانوا عشرة.. أحذيتهم ملطخة بالطين، عيونهم محمرة من السهر والانتقام، وأصواتهم مملوءة بذلك اليقين القاسي الذي يجعل الإنسان يضرب قبل أن يسأل.
صرخ أحدهم:— أين هم.. أين السلاح؟..
قال الحاج إبراهيم:— رحلوا. لم يكن لنا شأن بهم. فُرض على البيت الأمر...
ضحك مسلّح عريض المنكبين:— كل الخونة يقولون: فُرض علينا الأمر...
فتشوا الغرف. قلبوا أكياس الشاي. بعثروا دفاتر الحسابات. فتحوا الخزانة الزجاجية المكسورة وداست أحذيتهم بعض الكتب.
رأى صلاح أحدهم يرفع صورة عبد الكريم قاسم من الجدار، ينظر إليها بشماتة، ثم يرميها أرضاً ويدوسها ببسطاله أسوة بصورة الأمام وصورة الملّة البرزاني!!
زجاج الصورة لم يتحطم لأنه كان قد انكسر من قبل، لكن الإطار حين سقط أصدر صوتاً صغيراً، صوتاً يشبه آهة رجل لم يكن ليريد أن يوقظ النائمين..
وجدوا على السطح خراطيش فارغة وآثار أقدام وقطعة قماش ملوثة بالدم. لم يكونوا بحاجة إلى أكثر من ذلك. كانت التهمة جاهزة قبل الدليل.
أخذوا غازي أولاً لأنه كان أكبرهم وأكثرهم صمتاً. ثم أخذوا ( صباح ) لأنه حاول أن يشرح. ثم أخذوا علاء لأنه نظر في عيونهم من غير أن يخفض رأسه.
حاول الحاج إبراهيم أن يشرح الموقف والمحنة التي واجهتهم بحرقة أب يرى أولاده الأبرياء يضيعون من يده:
— هؤلاء أولادي. لم يقاتلوا. والله لم يقاتلوا.
دفعه المسلح الخشن فسقط قرب السماور المقلوب.. ثم باغته بأخمص البندقية بضربة قوية في خاصرته كادت أن توقف أنفاسه.
لم يسقط الحاج إبراهيم فوراً. انحنى قليلاً، كما تنحني نخلة أصابها حجر، ثم استقام وأعتدل.. لم يصرخ بل صمت.. كان صمته أقسى على صلاح من الصرخة. رأى الفم ينغلق، واليد تذهب إلى موضع الضربة، ورأى لون وجه والده العجوز يتغير.
لم يترك الأب أبناءه يُساقون إلى الموت وحدهم.. خرج خلفهم إلى الباب وهو يقول:
— أنا أذهب معكم. أنا صاحب البيت وأنا المسؤول الأول والأخير.
قال أحدهم:— سنأخذك مع أولادك.. وسوف تُستجوب وتعترف هناك..
فريد وصلاح اللذان كانا ينظران برعب قاتل.. بقيا واقفين في زاوية دهليز المجاز..
لم يبكيا. كان الخوف قد صار أكبر من البكاء. رأيا الإخوة الثلاثة يساقون إلى الخارج. غازي يمشي بصلابة وشموخ، صباح يحرك شفتيه بدعاء مكتوم، علاء يلتفت لحظة نحو البيت كمن يحفظ آخر صورة قبل العتمة. أما الأب، فكان يمشي خلفهم ببطء وألم وحزن.
كان أصرار فريد للبقاء قرب صديقه وابن خالته صلاح، هو السبب الذي عرّضه لكل تلك المشاهد والأحداث المؤلمة.
قام الحرس القومي بإعدام غازي أما الأب فمات بعد أسبوع واحد متأثراً بنزيف داخلي بسبب ضربة أخمص البندقية ومات قبلها من الحزن لأنه لم يكن قادراً على تحمل فاجعة أن يفقد أكبر أولاده !!!







