الأخوة الحضور .. الأخوات الحاضرات

السلام عليكم ورحمة الله بركاته ...

شكراً لكم جميعاً.. وشكراً مرة أخرى على حضوركم البهي

نلتقي اليوم هنا بقاعة الشهيد هندال جادر هذه القاعة الموقرة التي طالما شهدت حضور فقيدنا الراحل، الذي كان لا يتوانى عن شغل احد مقاعدها لحضور ما تقيمه من مناسبات أو احتفالات أو تأبين طالما أمكنه ذلك، على الرغم مما كان يعانيه من سقم شديد . كان يأتي هادئاً ويختار مقعده بصمت.

...

الأخوة الحضور نحن اليوم هنا لا نودع صديقاً أو خليلاً عادياً . بل قامة إبداعية كانت تصنع من الكلمات روحاً نعيشها بين طيات قصصه

نحن اليوم هنا لنودع الصديق والزميل والأخ القاص والروائي محمد عبد حسن الذي رجل وترك لنا أثراً لن يرحل برحيله المبكر.

خمس عشرة عاماً قضيناها معاً ، حينما جاء الى مديرية شهداء البصرة كزميل عمل بدرجة مهندس ، لم تكن مجرد سنوات بل كانت رحلة في الأدب والفكر والمواقف الصادقة ، فكان هو كما عرفتموه جميعاً في كتاباته وقصصه ، عميق المشاعر ، يرى في تفاصيل الحياة العادية ما لا يراه الكثير من الناس ،فيصوغ منها قصصه التي تحاكي آلام الناس ومعاناتهم وهمومهم . كان يكتب بروحه قبل قلمه ، ولم يكن البحث عن الظهور محركه في الكتابة ، بل كان دائما ما يقول لي : أنا أختار قرائي ، وكذلك قوله أنا لا أصادر ذكاء القارئ ، بل أترك له مساحة ليعمل بذهنه فيها

ولأنه هو كما في حياته الاعتيادية والعملية، نرى كذلك نصه الرائع ( القصر ) ، حيث تكتمل صورة الأديب والمهندس في آن واحد . حين ينظم في ثيمة النص كشفاً هندسياً لتحويل القصر من خربه قديمة مهجورة الى قصر مكتمل الأركان والرونق ، حيث تمتزج دقة المهندس مع حبكة الأديب، الذي جمع بين هندسة المعمار وهندسة المفردة

لقد رحل صاحب القصر وترك لنا نصاً عن القصر لا يطاله الهدم والقدم. ولأن الأدب كان مرآة لروحه وجراحه ، التي كانت محاكاة لمعاناة وهموم العراقيين ، نری فلسفته تتجلى في قصته الرائعة ( لعبة الصبر) . ذلك النص الذي اختزل أقصى درجات المعاناة الانسانية حيث جسد مأساة العيش ، حين يتحاوز الألم طاقة الاحتمال ، لدرجة لم تستطع معها حتى لعبة الصبر ، بكل قسوتها ومراوغاتها أن تمنحه الخلاص الذي ينشده ، فيخرج ذلك النصل الحاد من بطن الدمية الى بطنه فيشقهما معاً صعوداً الى الأعلى ، حيث كان ذلك السبيل والوحيد لخلاصه . لقد ادرك محمد عبد حسن بوعيه السردي الحاد أن آلام الإنسان العراقي المعاصر قد تغلغلت في احشائه ، حتى اصبحت جزءاً من لحمه ودمه ، لذا لم يكن انفجار اللعبة وحدها كافياً لخلاصه .. فيخرج ذلك النصل الحاد الذي يمثل القتل الرحيم حيث لا خلاص له الى بالقضاء عليه . لقد تلاشت المسافة بين الصابر وصبره ، ليخرج ذلك الدم الذي سرعان ما يتخثر عند الوصول لساقه معلناً وقف النزيف والألم الممتد.

منذ الطفولة

رحل محمد عبد حسن ، وتحطمت لعبة الصبر القديمة في يديه كما تنبأ في مفتتح قصته مستشهداً بحسب الشيخ جعفر ) لعبة الصبر القديمة في يدي تحطمت ) . رحل وترك لنا سرداً بصرياً لا يصدأ. وداعاً يا صديقي ، لقد نلت خلاصك الأبدي وتوقف نزيف كلماتك . لقد نجوت كما يقول نيكوز كازانتزاكيس ( الذين ماتوا نجو من الحياة بأعجوبة ) . أما على الصعيد الشخصي ، فقد كان نعم الأخ والصديق والزميل ، كان سنداً في الشدائد يواسي بروحه لا بلسانه .

إن رحيل أخي وصديقي وزميلي محمد عبد حسن غلوم الحسيني ، يترك في القلب غصة لا تداوى وفراغاً لا يملئ ، حيث بقي كرسيه ومكتبه في المديرية وحيدين لم يستطع احدمنا أن يشغلهما ، منذ أن فارقهما ، لكن عزاءنا فيه أن ما عند الله خيراً من ما عندنا ، فله الرحمة والمغفرة ولذويه ولكم ولنا ولكل من عرفه الصبر والسلوان.