في نص "عتيم" يتشظى السرد الشعري ليصبح مرايا متكاثرة لوعي متمركز حول ذاته. يبدأ النص بلغة تصريحية حسابية: "الواحد أربعة حين يصبح القمر بدراً"، ليكرّس منذ العتبة الأولى قانوناً داخلياً يقوم على التحول والانقسام، حيث الوحدة ليست استقراراً بل طاقة للتمدد. إن "لحظة البدر" ليست احتفاءً باكتمال ضوئي، بل إيذاناً بفراق وانشطار وجودي، فالبدر هنا ليس كاملاً في ذاته، بل هو مرآة تعكس غياب الصاحب الذي سيغادر، ليبدأ لعبة الحضور والغياب التي تهيمن على نسيج النص.

     يظل الصوت السارد متذبذباً بين ضمير المتكلم المفرد والمخاطب. الإشارة المكانية والزمانية الغامضة ("مروا مِن هناك في طلعة الميزان منتصف الليل") لا تُحدد فضاءً بقدر ما تؤسس لطقس عابر، وكأن العبور هو الفعل الجوهري لا المكان. ويأتي وصف الراحل بأنه "رجل غائب بحضوره" ليقحم النص في فلسفة التناقض الصوفي، حيث الغياب صورة للحضور الأعمق، والعكس صحيح، وهذا ما يفتح الباب لاستبطان حالات وجدانية موسيقية، حيث ينتقل السارد فجأة إلى عالم المقامات: الصبا، الرست، النهاوند، البيات. وهنا تتجلى المفارقة البنائية الكبرى، إذ يتم توظيف مصطلحات الموسيقى العربية التقليدية ليس كشحنات وجدانية فحسب، بل ككائنات راعية، فالرست "ملك المقامات" و"ينصحني"، والنهاوند والبيات يتسع بهما فضاء التطريب، في استعارة تُخضع اللحظة الذاتية لمنطق النغم الخفي، وتحوّل الذات إلى آلة لا تعزف وحدها فحسب بل تحاور أرواحاً مقامية.

     غير أن النص لا يستكين لهذا الانسجام الوجداني، بل يسرع نحو تفكيكه عبر مشهد المغادرة المتسلسلة: "يغادر الشوارع البيوت المباني المتنزهات ثم يغادر ذاته قاصداً الفراغ البعيد". هذا التدرج من الخارجي إلى الجوهري يحيل إلى رحلة صوفية، تنقلب هنا إلى مسألة فيزيائية ميتافيزيقية، إذ يتحول الواحد عند بلوغ الفراغ إلى أربعة: "هو والسكون والصمت والفراغ"، وكأن الذات تتفكك إلى مكوناتها الأولية، أو كأن الفراغ ليس خواءً بل حالة تضاعف تُنتج أضداداً صامتة. وهذا يقود إلى السؤال الجوهري الذي يقطع النص كعلامة دهشة فلسفية: "هل الفراغ مركبة؟"، إنه سؤال لا ينتظر جواباً، بل هو محاولة لاستنطاق العدم، واختبار قدرته على الاتساع والحركة والنبض.

     ثمة جدلية ساخنة بين الصمت والسكون، إذ يطرح النص سؤالاً حول تمييزهما: "يتذمر حين هناك صمت دون سكون، أو سكون دون صمت". هذا التذمر يكشف عن هشاشة المفاهيم المطلقة، ويفضي إلى حالة من القلق الوجودي الذي لا يهدأ بالتماهي مع الأضداد، بل يكتمل في لحظة الإعلان الصريح: "الوقت عتيم". وهذا هو العنوان ذاته الذي يُقرأ هنا كحالة ذهنية زمانية، حيث الزمن يفقد وضوحه ليصبح فضاءً معتماً رمادياً، وسطحيّاً تتشكل فيه "الكائنات النباتية" التي يتحول إليها السارد في حديقة البيت. إن استدعاء النبات ليس تراجعاً، بل تحولاً أنطولوجياً، كائن يسمع الهمس والخشخشة والماء "يدحس جسده المتدفق تحت الأوراق ليوقظها من كسلها". في هذه المشاهد، يغدو الجمال طقساً، والحواس آلات دقيقة لتلقي التناغم الخفي بين العناصر، وكأن الماء والريح والغصون تشكل أوركسترا عمياء تعزف حضوراً لا مرئياً.

     وأخيراً، يظهر ذلك "الشخص" الغامض الذي "يمد يديه ليمسك أشياء غير موجودة". إنه تجسيد أخير لعبثية الحضور ضمن العتيم، حيث الفعل (الإمساك) يواجه موضوعه المستحيل، في تناص درامي مع فلسفة العبث، لكن النص لا ينهار في هذه العبثية، بل يبقيها مفتوحة على احتمالات التأويل. فـ"عتيم" يكتب لغته على حافة التلاشي، متوسلاً بالاستعارة والتجسيد والمقامات الموسيقية ليس كزينة، بل كأبنية إنقاذية تحمي النص من السقوط في العدمية المحضة. إنه نص يمارس مساءلة الذات عبر المرايا المتكسرة للصاحب والفراغ والصمت والسكون، لكنه لا يصل إلى جواب، بل يكتفي بإعادة طرح السؤال في هيئة منظر طبيعي وجداني، حيث "الغصون المقسّاة بالثمرات" و"الهدأة الفضية" تصبحان آخر معقل للحساسية الإنسانية في وجه العتيم المتنامي. وهكذا، تكمن قيمة النص في قدرته على تحويل الأزمة الوجودية إلى متعة حسية لغوية، تجعل القارئ شريكاً في رحلة الاستنطاق المستحيلة، تماماً كمن يمد يديه ليمسك أشياء غير موجودة، لكنه مع ذلك، يشعر برطوبتها وثقلها الخفي.

 

(*)

 

عتيم

مقداد مسعود

الواحد ُ أربعة ٌ

حين

يصبحُ

القمرُ

بدراً

هي لحظة ٌ بيضاء بياضاً شاهقاً

صاحبي يودعني. وهو يشير بسبّابتهِ اليمنى: مروا مِن هناك في طلعةِ الميزان منتصف الليل. وحين يمر آخرهم يخاطبني صاحبي: هذا رجلٌ غائبٌ بحضورهِ. بعد صمتٍ قال لي: صوتك البارحة تناغم بالقرار العريض وأنت تشدو بتأثير غسقٍ في أنامل كفك اليمنى. على غصون العود. قلت له لا تخف خطفني مقام(الصبا)

توغلنا في غابة الماء المتماوج العميق... ثم قلت ُ له ما بكَ؟ قال :هاضَ الخوف بقلبي عليك ليلة البارحة. قلت له لا تخف أنا معتصمٌ بشخصية حصينة. قال لي من تكون؟ قلت له مقام(الرست) ملك المقامات. (الرست)  ينصحني في لحظة التطريب أن أراقص(النهاوند) و(البيات) وبهما يتسع فضاء التطريب لديّ.

ها هو صاحبي يغادرني

 يغادر الشوارع

 البيوت

 المباني

 المتنزهات

ثم...

 يغادر ذاتهُ

قاصداً الفراغ البعيد.

حين يصل يصيرون أربعة ً

هو والسكون والصمت والفراغ.

هل

الفراغ ُ مركبة ٌ؟

وإذا صح ذلك..

كيف ينبضُ بطراوةِ الغصون؟

ومَن ذا؟ الصمتٌ والسكون: جناحاهُ؟ يتصبب جسدُه عرقاً

مِن ملابسهِ.

وذاك مَن؟ وماذا يريد؟ يتذمرُ حين هناك صمتٌ دون سكون. أو هناك سكونٌ دون صمت.

 لحظتها..

الوقتُ عتيمُ

 وأنا كائن نباتي في حديقة البيت. يطيبُ لي أن أصغي إلى همسِ ريح ٍ ناعمة ٍ في الغصون. وخشخشة الأوراق المتخثرة والماءُ يدحسُ جسدهُ المتدفق تحت الأوراق ليوقظها من كسلها. في تلك اللحظة اللينة كالموز يُوحى إلى أحدهم: أن الماء المتخفي تحت الأوراق التي قوسّها الاصفرار ونغمات الريح وتمايل الغصون التي قوستها الثمرات يحرسون هدأته الفضية. لحظتها. يظهرُ شخصٌ: يمدُ يديه ليمسك أشياءً غيرَ موجودةٍ