
(ما عدتُ اعرف صدقها من كذبها حتى اسمها لا اظنه اسمها الحقيقي / ص ٢٢ / رواية الشاطئ الثاني/ دار المدى/ ط1/ 1998/ بغداد)
(*)
إذا كانت كل قراءة تأتي لتسم النص بدمغة جديدة ، تعيد وسمة تبرز فيه طبقة مخفية تلقمه ببعد آخر ما كان من قبل ملمّحّما فيه فان الاتصالية هي دمغتنا الخاصة وزيادة في التحديد فانها اتصالية تسموية، خاصة بالأسماء التي تحملها الشخصية النسوية الرئيسة في رواية (الشاطئ الثاني) للروائي العراقي مهدي عيسى الصقر ومقتصرة عليها وما ستقوم به اتصاليتنا هو كالاتي : سحب خيط فاعلية التسمية من النسيج الروائي لنحوك منه نسيجاً لنزهتنا الاتصالية. وفيما يلي الأسماء الواردة في الرواية للشخصية ذاتها مع عدد تكرار كل اسم (سلوى ) ٥٠مرة) (سراب/٦) (سلمى (٣) (بلوى (٣) (سعاد / ٥) (سكينة / ٧) ... (سكينة هو الاسم الحقيقي وهو اسم اسلامي، يكشف عن محبة الاب: لال بيت النبوة (الاسم الذي اطلقه علي ابي بعد الولادة هو سكينة.
(*)
أن الاسم ( علامة ذاتية في اللغة والتسمية لا تخلو من تملك، ان اسميك يعني استدعيك انى شئت.. اسمى علامتي الفارقة.. وان اسميك معناه ان اناديك فتاتي لي وحدي طوعا او كرها تأتى (كان) يعرف اسما واحدا غير انه لم يستطيع ان يذكره امامها كان يخشى إذا ذكره بصوت عال فان صاحبه قد يظهر بغتة امامها (جاترتن رواية بيتر اكرويد) ألا يمكن اعتبار التسمية انتشالا من الأرضنة التي تضم بمظلتها سائر الكائنات؟ فالاسم ثمرة من ثمرات الوعي البشري فالإنسان دون سائر الكائنات هو الذي يُسمي (حيث يصنّف الناس باعتبارهم أفضل من الحيوانات والنباتات ومظاهر الطبيعة الأخرى فنحن الكائنات الحية الوحيدة التي تتأمل في معنى وجودها وتقلق قلقا مستديما على الحب والجنس والعمل والموت والاخلاق (جورج لا يكوف ومارك جونسون / الفلسفة في المجد). خبرتها الحسية السلبية توصلها إلى إدراك العلامة في الاسم ومديات فاعليته.
(*)
الماخور: يصفها توصيفا سلعيا يمحو في المرأة كل ما لا يتفق مع شروط التبادل السلعي للنساء كافة وعلى مفاتنهن اعني المسقطات من النساء هن محض لحظات في سيرورته اللحظة السايكولوجية المتشكلة من جراء تحقيق الجنس هي وعاء محدد بفضاء زمني لا يدوم إلا لحظة اللذة او ما بعدها بلحظة وجيزة جدا.. محمد بن عبد الرحمن يونس / الجنس والسلطة في الف ليلة وليلة). الآن هي سعاد كما تفهم صاحبة المنزل السعادة عندما ترمى المرأة في مثل هذه البيوت فان اسمها ، خارج هذا المكان المباءة يقذف ويستبدل بغيره، واستبدال التسمية ليس موضة عصرية فقد (كانت الفتاة المستأجرة تترك اسمها الحقيقي وتنحل اسما اخر كما تقول : سلام خياط.) إن لا اخلاقية المال والقوة المتمثلة بالرجل الثري من شأنها التأثير على بطشه وإلغاء كل من يقف في طريقه، والثرى يمتلك كل اليات الجنسنة. لذا فهو لا يريد من سلمى أن تجعله موضوعا لرغبتها لكن (سلمى) لا ترغب في رغبته هو، فهي تحاول انتشال جسدها من أرضنة فاسدة من خلال رئيس (عباس) وبالتالي (سامي) رجل يشرعن رغبتها الناصعة لكن هناك من يرغب في تعطيل هذه الرغبة بل و تلطيخها.. رجل يغويه ثراؤه بـ (تأبيدها بدونية الجسد، رفضها للثري متأت من رفضها للأخر لاحتكار الأخر الثري لجسدها استأجرت لها بيتا وخادمة لكنها ناكرة الجميل لم تمكث فيه غير أسبوع واحد ثم هربت) فهي إذاً حققت للثري رغبته فستكون جسده هو، لا جسدها وعلى مستوى النحو التوليدي فان كلام الثري، كلام استعاري واذا استعنا بـ مايكل ريدي - الاستعارة هنا استعارة (المجرى) إذ ( يمكن لتصور معيّن أن يخفي بواسطتها مظهرا معينا من تجربتنا / جورج لا يكوف ومارك جونسون / الاستعارات التي نحيا بها) إذن العلاقة بين الثري و (سلمى) هي التي يمكن تسميتها بالاتصالية التعالقية وهي اتصالية السيد والعبد، فوجود (سلمى) يؤدي الى وجوده فهي إما إن تكون له أو لا يختص بها أحد أو لتكن مشاعة للكل، فبعد مقتل ( عباس ) ( كأنه تلاشى) وما أن ظهر سامي في حياتها حتى عاود الثري الظهور. هي علاقة انفصالية بالنسبة لـ(سلمى) لكن الانفصال لا يعني الانقطاع بين الثري وبين الموضوع (سلوى) ففي حالة الانفصال يكون الاتصال بالقوة قائما ويسعى الثرى في تحقيق رغبته كما تسعى (سلمى) لتحقيق رغبتها ، اعني تعطيل رغبة الثري ذاتها وعلى حد قول (سراب) كما توقع (سلمى) في الرسالة الموجهة الى سامى بعد اختفائها أننى لن ادع هذا الوضيع يلمس جسدي مرة ثانية حتى لو اضطررتُ إلى قتل نفسى والاسم لدى سكينة يتصف وظيفياً بالازدواج القيمي فهو اسمها الذي ينادونها به وهو اسم من اطلق عليها التسمية.
وعلى حد قولها (سلوى اسم عباس) ثم تفكك الجملة قصدي أقول أنه الاسم الذي اختارهُ لي المرحوم عباس، وهذا يعني من جهة أخرى أن هذه الأسماء تتغذى من شروط زمكانية فاعلة، واذا كان الاسم علامة فان العلامة على الاستبدال تقوم فالأسماء ليست ثابتة بل في متغير مستمر وهذا يعني انها تملك حركتها الخاصة حركة تخضع لاندراج معين.
(*)
تتعاون سنارتان على حياكة نسيج التسمية : الأولى سنارة الشخصية النسوية الرئيسة ذاتها أما السنارة الثانية فهي مجموعة السنارات المتعاقبة ويمكن حصرها بالسنارات التالية : العائلة (سكينة) الزوج (سلمى) والعشيق كذلك بيت البغاء (سعاد) عباس (سلوى) صديقتها المقتولة : (سراب) عواد / (بلوى) انها اتصالية تسموية من طراز خاص : اعطني اسما لتمتلكني من خلاله طوعا، بالاسم ابدأ بداية جديدة والاسم يرتب للحلم فضاءه الازرق أعطنِ اسما لأحلم بك و لأصير به وعد محبة) و (سكينة) من الاسماء لا أتتشاءم بل من الوجوه (لا أنا لا اتشاءم من الاسماء بل من الوجوه) تقول له وهى تطلب منه ان يسميها (سراب) (لكنك لست سربا يا عزيزتي انت حقيقة ) يقول لها سامى. فتجيب انها تسمت به اكراما لبنت كانت معي في ذلك المنزل قتلها أخوها وفاعلية الاسم (سراب) يخضع للتدرج التالي: فهو في البدء اسم تتسمى به صديقتها في ذلك الماخور لكن بعد مقتل (سراب) تحاول (سكينة) إحياء (سراب) الصديقة عبر تفعيل اسمها منها وهي تزداد قوة في تحقيق هذا الاحياء التسموي خصوصا أن اسم عباس أقصد الاسم الذي اطلقه عباس عليها. اسم (سلوى) اخذ يتراجع بعد مقتل عباس كما أن (سراب) يلائم انتفاء الحاجة لاسم (سلوى) فقد تأفق الاسم (سلوى) بافق سرابي وحين ترسل رسالتها إلى سامي فانها توقعها باسم (سراب) ، هنا يأخذ الاسم (سراب) أقصى فاعليته هنا ينطبق الاسم على المسمّى فكل سعادتها سراب خصوصا بعد ان قرر سامي الزواج منها فعلا ، لكن ظهور الرجل الثري جعل السعادة بأفق سرابي مطلق.
(*)
مع سامي يختلف الأمر، في البدء كان يرى فيها موضوعا لتحقيق رغبته وحين تسأله عن أمرها يقول لها أمنيتي أن اجعلك خاتما في أصبعي لا يفارقني أبداً أو مسبحة احملها معي.
أن هذا الكلام الاستعاري يعاني من تعارض دلالي فهو يعني عكس ذلك لأنه محض كلام.. بوظيفته الاستعارية لا الفعلية يكتفي.. وهو كما تصفه (سكينة ) ( كلام جميل لا يكلفك شيئا) وسرعان ما تتعطل وظيفته الجمالية أيضا وهي تصارحه (إذا كنت صادقا في حبك كما تقول فتزوجني) فتلمح فيه ارتباكا فتخاطبه (اسمعني انا مللت من لعب دور....) وهنا بالضبط يعمد سامي إلى ممارسة سحر التسمية، أنه يحاول أن يعيد اتصاليتها بزمن البراءة والاستقرار العائلي فيخاطبها عزيزتي (سكينة) فتصده قائلة (لا تتلفظ بهذا الاسم، خصوصا هذا الاسم )لأن اتصاليته مفقودة، لا اتصاليتها هي
مع الاسم (سكينة) فهو لا ينوي تنظيفها من الدنس عبر شرعنة علاقته بها، وبعد حوار مأزوم قصير يعاود الكرة مستعملا تأثير الاسم الثاني عليها (حبيبتي سلوى) ترد عليه ولا هذا الاسم أيضا، عباس كان رجلا شهما إن هذه الاتصالية التسموية انقلبت ضده حيث رجحت كفة الغائب المقتول على الحاضر الحي وحضور الغائب مرتهن بصفة غير، متوفرة في الماثل امامها الذي هو سامي. أعنى أن شهامة عباس كانت تمنح الاسم فاعلية ً. إذن غير عباس سيجعل الاسم عاطلا عن الفاعلية ولأن سلوى رأت في عباس الوسيلة الوحيدة لإعادتها من امرأة سيئة إلى زوجة يحيي فيها ما اماتته الحرفة الدنسة.. في مثل هذا الحال فان سامي لا يختلف الا قليلا عن الرجل الثري فالثري مخلص لشهوته، فهو يريد تأميمها بـ دونية ابدية دونية الجسد وسلمى بالنسبة له يمكن اعتبارها وجوب كينونة ورغبته فيها تشتد كلما رفضت ان تجعل منه موضوعا لرغبتها.
(*)
الاسم (سلوى) يتصل بعباس فكيف اتصل بـ ( سامي ) ؟ تجيبنا عن ذلك (سكينة) (أستاذ سامي تعرف انك تشبه المرحوم عباس من بعض الوجوه) وستتصل الجملة بصفة التشبيه التي تشكل اتصالية معينة بين الرجلين (أقصد أنك ساذج مثله) وستحاول بناء اتصالية تسموية جديدة بينها وبين سامي (وانت حبيبي اي اسم تختار لي يقول سامى (انا) لا تشغلني الأسماء إنما تشغلني هذه البنت العذبة الجالسة أمامي.
(*)
سامى بالجسد منشغل وبتحقيق رغبته من خلال سلوى، فالجسد موضوعهُ ولا يرى فيه ذاتا إنسانية تتناغم مع ذاته في علاقة شرعية بل علاقة لذة محضة.. أما سلوى فهي تترجاه (أرجوك سامى يطيب لى أن احمل اسمك، قصدي الاسم الذي اطلقه عباس عليّ)
(*)
بالنسبة لعواد صديق عباس فأنه يسميها(بلوى) وهذا الاسم مشتق صوتيا فقط من الاسم (سلوى) فالمجاورة بين الاسمين ليست بالدلالة بل بالتناغم
الصوتي. وهي تسمية خاملة فعواد لا يوصلها إلى المتلقي الأول (سلوى) بل لمن له علاقة بها ويمكن أن نعد (سامي) متلقيا ثانيا وسرعان ما تفكك (سكينة) الشفرة بقولها عنده حق انا بالنسبة اليه بلوى نزلت من السماء).
(*)
نلاحظ بعد كل هذه الاتصاليات ما يلي: ان السيادة التسموية هي للاسم (سلوى) جاء في معجم المتوسط (سلوى: كل ما سلاك) والشخصية النسوية لم تكن - رغم كل الجهود غير المخلصة من (عباس) و (سامي) لها سوى هذه الوظيفة اعني تقديم التسلية الجسدية للرجال طوعا أو كرها .. النسبة لاسم (سكينة) فهو معجميا يعني الجارية الخفيفة الروح الظريفة النشيطة فسكينة تعني الطمأنينة والاستقرار والرزانة والوقار) نرى ان هذا الاسم يقترب معجميا من الاسم (سلوى) اذ كيف تستطيع توفير التسلية دون خفة الروح.. لكن (سكينة) لا يضيء معجميته في الاستعمال اليومي بل يشير الى الوضع الاجتماعي للغة، أعني تحقيب اللغة بحقبة تاريخية إسلامية والضوء الدلالي المبعث من الاسم (سكينة) هو الضوء الإيحائي او ما يسمى بالدلالة الحافة هذه الاشارة تسلمتها سريعا صاحبة المنزل.. لذا عمدت الى تذويبه في الاسم (سعاد ) وسكينة هي الاسم المرجع يجعل ذاكرة المسماة تلتفت نحو الفردوس المفقود وهو الاسم الوعد بالنسبة لـ (سامى) وهو يتلفظه يعلن عن مسكوت فيه هو فالشخص الهوائي يتصرف على وفق هواه هو لا يتردد في تنفيذ ما يراه يسعده ويسعد من يرتبط معه مهما كلفه الأمر وعندها يدخل الاسم سلوى ضمن تعبير الخانات حتى يتضح الأمر. وبعد مَن يحملُ مَن؟ هل انا احمل اسمى؟ أم اسمى يحملني؟ وكيف تكون فاعلية التسمية علي وعلى سواي؟ وكم نسبة فاعليتي الخاصة في ذلك ضمن شروط واقعية وميتا واقعية تجتاحني؟ كقارئ كأنني اسمع سكينة وهي تصيح اعطوني اسما لأصير به حبكم في الارض لأصير به وعد محبة قالوا لها اسماؤنا صلباننا، تعذب فيها ، نحلم فيها.







