
في البدء لم تكن هناك خشبة، بل باب وحيد واقف في منتصف بغداد، لا جدار عن يمينه ولا بيت عن يساره، باب منتصب وحده تحت سماء أكلت الحروب معظم نجومها، وكلما اقترب منه عابر سمع من الجهة الأخرى رجلًا يطرق، لكن أحدًا لم يجرؤ على فتحه، لأن المدينة كانت قد تعلمت بعد أعوام طويلة من الغياب أن الطارق قد يكون ابنًا مات، أو زوجًا ابتلعته الجبهة، أو رسالة ضلت طريقها عشر سنوات، أو عامًا قديمًا جاء يطالب الناس بالأعمار التي تركوها فيه، وكان الباب نفسه قد نسي البيت الذي اقتلع منه، حتى صار يسأل المارة كل مساء إن كانوا يعرفون لمن كان، فيشيحون بوجوههم لأن لكل واحد منهم بابًا مفقودًا في مكان ما، وفي ليلة لم يسجلها مؤرخ مر فلاح شاكر بذلك الباب، فوضع أذنه على خشبه وسمع أصواتًا كثيرة تتكلم في وقت واحد: أسيرًا يقول إنه عائد، وامرأة تقول إن الذي عاد ليس زوجها، ورسائل حب تصرخ من داخل حقيبة مغلقة، ومدينة تئن تحت الحصار، وشهرزاد بعيدة تعد الليالي كي لا يكتمل الموت، عندها حمل فلاح شاكر الباب إلى المسرح، وحين سأله الحارس ماذا يحمل قال له إنه يحمل مدخلًا إلى العراق، وما إن وضعه فوق الخشبة حتى نبت حوله بيت كامل، وظهر رجل يحمل عشر سنوات فوق كتفيه، وظهرت امرأة صار الانتظار عضوًا إضافيًا في جسدها، وخرجت من أرض المسرح حرب عجوز لها ألف إصبع وفي كل إصبع خاتم سرقته من قتيل، وجلست في الصف الأول كي ترى ماذا فعلت بالبشر. كان الرجل قد عاد من الأسر بعد غياب طويل، لكنه حين وقف أمام زوجته اكتشف أن الطريق بين الأسر والبيت أقصر بكثير من الطريق بين الإنسان وماضيه؛ فقد حمل إليها رسائل الحب التي كتبها طوال غيابه معتقدًا أن الكلمات جسور، ولم يعرف أن بعض الجسور إذا طال بناؤها تصل إلى ضفة لم تعد موجودة، ونظرت المرأة إليه طويلًا، وكانت وراء عينيها سنوات الحصار واقفة في طابور، سنة تحمل رغيفًا ناقصًا، وأخرى تحمل خبر موت، وثالثة تحمل ليلة بلا ضوء، ورابعة تحمل فراشًا ظل نصفه باردًا، ثم قالت له إنه ليس زوجها، فاهتز الباب وانطفأ مصباح في مكان بعيد وضحكت الحرب في الصف الأول، لأنها كانت تعرف السر الذي لم يعرفه الرجل بعد: إنها لا تكتفي بقتل الناس، بل تترك بعضهم أحياء لكي تجعلهم غرباء عن حياتهم. في تلك اللحظة لم تعد الجنة تفتح أبوابها متأخرة حكاية أسير يعود إلى زوجته، بل تحولت إلى أسطورة عن الزمن حين يأكل أسماء أصحابه، وعن وطن يعيد أبناءه إليه فلا يتعرف بعضهم إلى بعض، فالأسير لم يعد رجلًا واحدًا، بل صار ظلًا لآلاف العراقيين الذين خرجوا من أبواب ولم يعرفوا إن كانوا سيعودون منها، والمرأة لم تعد امرأة واحدة، بل صارت البلاد وهي تنتظر أبناءها حتى أصبح الانتظار أثقل من العودة، أما الباب فغدا السؤال نفسه: ماذا يحدث حين تتحقق الأمنية بعد أن يموت في داخلنا الشخص الذي تمناها؟ هنا تبدأ غرابة عالم فلاح شاكر الحقيقية، لأن الأشياء عنده ترفض وظائفها البسيطة؛ الباب ليس بابًا، والعودة ليست عودة، والحب ليس ضمانًا، والذاكرة ليست خلاصًا، والجنة نفسها يمكن أن تصبح شكلًا آخر من أشكال العذاب إذا تأخرت حتى يفقد المنتظر القدرة على التعرف إليها. وكان فلاح شاكر يقف في طرف الخشبة يراقب شخصياته وهي تكبر حتى تجاوزته، وعندما حاول الاقتراب من الرجل أوقفته الحرب وقالت له إنها كتبت هذا الرجل قبله، فالحرب كتبت التجاعيد والغياب والخوف والرسائل التي لم تصل، وكتبت المرأة أيضًا حين تركتها عشر سنوات تتعلم كيف تجعل الفراغ فردًا من أفراد العائلة، وعندها أدرك الكاتب أن معركته ليست مع الموت وحده، بل مع الرواية التي يكتبها الموت عن ضحاياه، وأن المسرح ربما لا يستطيع إعادة الغائبين ولا استرجاع السنوات، لكنه يستطيع أن ينتزع من الحرب امتياز رواية الحكاية وحدها، ولهذا بدا الباب الذي وضعه على الخشبة أخطر من دبابة؛ فالدبابة تستطيع أن تدخل مدينة، أما الباب فيستطيع أن يجعل المدينة كلها تدخل ذاكرة إنسان.
حين هربت شهرزاد من ألف ليلة واختبأت في جيب المسرحي
لكن الباب لم يكن أول الأشياء التي تكلمت مع فلاح شاكر، فقد سبقه كتاب قديم ظل يطارده سنوات، كتاب ضخم له ألف لسان وألف نافذة، كلما أغلقه انفتح من جهة أخرى، وكلما نام سمع صفحاته تتمشى في الغرفة، وكان ذلك الكتاب ألف ليلة وليلة، لكنه لم يكن نسخة هادئة موضوعة فوق رف، بل مدينة كاملة مطوية بين غلافين، فيها أسواق تتحرك ليلًا، وبحار يخرج منها السندباد مبللًا، وملوك يخافون أحلامهم، وجن يختبئون في القوارير، ونساء يعرفن أن الذكاء قد يكون السلاح الأخير في عالم يحتكر الرجال سيوفه، وفي مركز المتاهة كانت شهرزاد تمسك بخيط الحكاية كما يمسك الجراح بشريان مفتوح. دخل فلاح شاكر تلك المدينة مبكرًا، واستلهم من متنها عددًا من أعماله، ومنها ألف رحلة ورحلة وألف حلم وحلم، لكنه لم يدخلها سائحًا يبحث عن غرائب الماضي، بل دخلها عراقيًا يبحث عن آلة قديمة لمقاومة الموت، وهناك فهم أن شهرزاد لم تكن تحكي لأنها تحب القصص فقط، وإنما لأنها اكتشفت أن الجملة التي لا تنتهي تستطيع أن تؤجل السيف، وأن الحكاية يمكن أن تشتري للإنسان صباحًا آخر، وحين رآها في مملكة الخيال سألها كيف نجت، فضحكت وقالت له إنها لم تنج بعد، لأنها ما زالت تحكي، ثم اقتربت منه ووضعت في جيبه ليلة صغيرة وقالت له أن يأخذها إلى بغداد لأن المدينة ستحتاج إليها. ومنذ ذلك اليوم لم يعد التراث وراء فلاح شاكر، بل صار يسير أمامه ويفتح له الطرق؛ خرج السندباد من البحر ليجد نفسه في بلد محاصر، فسأل عن معنى الرحلة حين تكون الحدود مغلقة، وخرجت الأحلام من ألف حلم وحلم لتكتشف أن الناس صاروا يحلمون بأشياء كانت عادية قبل أن تصبح الحياة نفسها استثناءً، وخرجت الرحلات من ألف رحلة ورحلة لتدرك أن أعظم الرحلات قد لا تكون عبور البحار، بل رحلة الإنسان من صورته القديمة إلى صورته التي صنعتها الكارثة. وهكذا لم يكن استدعاء التراث عند فلاح شاكر عودة إلى الوراء، بل حيلة للالتفاف على الزمن؛ كان يأخذ مرآة قديمة ويضعها أمام حاضر مكسور فيرى المتفرج وجهه داخل حكاية عمرها قرون، ومن هنا جاءت الفلسفة التي تسكن مسرحه، فهو دارس للفلسفة، لكن الفلسفة عنده رفضت البقاء في الكتب، فهربت منها وتحولت إلى شخصيات وأسئلة وأبواب ورسائل، وصار سؤال الهوية أسيرًا تقف زوجته أمامه فلا تعرفه، وصار سؤال الزمن امرأة قضت أعوامًا تنتظر ثم خافت من نهاية الانتظار، وصار سؤال التاريخ مدينة تسقط بينما المؤرخون مشغولون بأسماء القادة. وحين استهواه سقوط بغداد على يد هولاكو لم تجذبه الخيول ولا أسماء المنتصرين بقدر ما جذبه أولئك الذين تختصرهم الرواية الرسمية بكلمة العامة، كأن آلاف البشر كانوا كلمة واحدة بلا وجوه، ففتح الكلمة مسرحيًا وخرج منها خباز وامرأة وطفل وبائع ومجنون ورجل يحاول إنقاذ كتاب من النار، وعندها غضب التاريخ وخرج من كتابه يسأل فلاح شاكر لماذا يعبث به، فأجابه المسرح بدلًا منه بأن التاريخ ظل قرونًا يروي قصة الملوك وينسى الذين دفعوا ثمنها. وما إن قيلت العبارة حتى بدأت التواريخ المكتوبة على جدران المدينة تتساقط، وظهرت تحتها تواريخ أخرى لم يسجلها أحد: يوم فقدت امرأة ابنها، ويوم احترق بيت، ويوم عاد جندي فلم يعرفه كلبه، ويوم باع أب مكتبته ليشتري طعامًا، ويوم ضحك طفل أثناء القصف دون أن يفهم لماذا كان الكبار خائفين. تلك هي المملكة التي كان فلاح شاكر يريد للمسرح أن يدخلها: التاريخ من أسفله، من المكان الذي تتحول فيه القرارات الكبرى إلى آلام فردية لا تدخل البيانات الرسمية، ولهذا لم يكن غريبًا أن يجعل هم الوطن سابقًا على هم الكتابة، فالكاتب في عالمه ليس صانع مصنوعات لغوية بقدر ما هو شاهد يبحث عن شكل يستطيع حمل ما يكاد يستعصي على الوصف، وحين يصبح الناس في وطن منكوب كأنهم داخل فرن مغلق يتقافزون ويصرخون، لا تعود اللغة المألوفة كافية، لأن الواقع نفسه يكون قد تجاوز حدود المعقول، وعندها لا تصبح الغرائبية هروبًا من الحقيقة، بل ربما تصبح الطريق الوحيدة للوصول إليها، وكانت شهرزاد كلما رأت فلاح شاكر يحاول إعادة الواقع إلى حجمه الطبيعي تخرج من جيبه وتهمس له بأن الواقع الذي فقد عقله لا يجوز أن ترويه لغة عاقلة تمامًا.
الحرب التي رفعت دعوى قضائية على المسرح
وفي صباح أسود لا يعرف أحد إن كان وقع في الحقيقة أم داخل إحدى المسرحيات وصلت إلى فلاح شاكر ورقة مختومة بختم وزارة الحروب الأبدية، وكان مكتوبًا فيها أن الحرب تقيم عليه دعوى لأنه يستخدم ممتلكاتها من دون إذن: الأسرى والغائبين والأمهات والرسائل المتأخرة والبيوت التي فقدت أصحابها والذاكرة المكسورة والخوف والموت، وانعقدت المحكمة فوق خشبة مسرح، وجلست الحرب في مقعد الادعاء مرتدية بزتها العسكرية، لكن وجهها كان يتغير كل دقيقة، فيظهر مرة وجه جندي ومرة وجه سياسي ومرة وجه أم ومرة وجه طفل لم يولد بعد، أما القاضي فكان الزمن نفسه، شيخًا بلا عينين يحمل ساعة لا عقارب فيها. قالت الحرب إن فلاح شاكر سرق مآسيها وحولها إلى شعر، وإن الشعر يفسد عملها لأنه يجعل الضحايا يتذكرون، ثم استدعت شاهدها الأول، فدخل النسيان سمينًا مطمئنًا وقال إن وظيفته أن يغطي المقابر بالعشب حتى تستطيع الحياة الاستمرار، لكن فلاح شاكر استدعى المرأة التي انتظرت زوجها، فقالت إنها حاولت النسيان سنوات، وحين عاد اكتشفت أن النسيان نفسه كان شكلًا من أشكال الوفاء، لأنها لم تكن تمحوه بل كانت تبني حول غيابه حياة تستطيع احتمالها، ثم استدعت الحرب الأسير وسألته متباهية ألم أعدك إلى بيتك حيًا، فأجابها بأنها أعادت جسده وتركت عمره عندها، وعندها ضجت المحكمة حتى إن الموتى رفعوا رؤوسهم من تحت الأرض ليستمعوا إلى بقية القضية. تقدم فلاح شاكر وقال إن أكبر أكاذيب الحرب زعمها أنها تنتهي، فالرصاصة التي تطلق في ثانية قد تستمر نصف قرن داخل ذاكرة عائلة، والأسير الذي يفتح باب بيته لا يدخل وحده، بل تدخل معه الزنزانة، والمرأة التي تنتظر لا تستقبل رجلًا فقط، بل تستقبل السنوات التي سرقتها الحرب منها، وما إن قال ذلك حتى انقسمت الخشبة إلى نصفين: في النصف الأول كانت الحرب تنتهي رسميًا، تنزل الأعلام وتوقع الاتفاقات ويعود الجنود، وفي النصف الآخر كانت تبدأ سرًا داخل البيوت، حيث طفل يسأل لماذا لا ينام أبوه، وامرأة تخفي رسائل لم تعد قادرة على قراءتها، ورجل يستيقظ كل ليلة لأنه يسمع في الحلم باب زنزانته، وأم تطبخ كمية تكفي ابنًا مات منذ سنوات، فضحك الزمن وقال للحرب إنها تكذب بشأن تاريخ نهايتها. هنا تتكشف إحدى أكثر الأفكار عمقًا في العالم المسرحي الذي يصنعه فلاح شاكر؛ فالحدث السياسي له تاريخ بداية ونهاية، أما التجربة الإنسانية فلا تعترف بالتقويم، ولذلك استطاع نص مثل الجنة تفتح أبوابها متأخرة أن يتجاوز ظرفه الأول وأن يعاد تقديمه في سياقات عربية مختلفة، وأن يُقرأ لاحقًا بما يسمح لجرح الأسير العراقي بأن يلتقي بجرح الأسير الفلسطيني من غير أن يفقد النص جذره العراقي، فالألم حين يبلغ طبقته الإنسانية العميقة يستطيع أن يغير جغرافيته من دون أن يتخلى عن ذاكرته. هكذا تصبح المسرحية بيتًا عجيبًا كلما دخلته مأساة اتسعت فيه غرفة جديدة، ويبقى العراق أساس البيت، لكن النوافذ تنفتح على مدن أخرى، وعندما صدر الحكم وقف الزمن وقال إن الحرب مذنبة بسرقة أعمار البشر، وإن المسرح مذنب بإعادة تلك الأعمار إليهم على هيئة ذاكرة، وإن العقوبتين ستستمران إلى الأبد. اعترضت الحرب وصرخت بأنها أقوى من المسرح لأنها تستطيع إحراق الخشبة وقتل الممثلين وإغلاق المسارح، فأجابها فلاح شاكر بأنها تستطيع أن تفعل ذلك كله لكنها لا تستطيع قتل المشهد بعد أن يدخل ذاكرة متفرج واحد، فأخرجت الحرب سيفها، غير أن شهرزاد ظهرت من الكواليس، حدقت في السيف طويلًا، ثم ابتسمت وقالت إنها تعرف هذا السلاح جيدًا، فقد هزمته مرة بحكاية، وعندها أدركت الحرب أن خصمها الحقيقي لم يكن الكاتب ولا المسرح، بل تلك القدرة الغامضة التي يمتلكها الإنسان على تحويل ما يؤلمه إلى قصة، لأن الألم الذي يصبح قصة يكف عن أن يكون ملكًا خالصًا للجلاد.
عندما فتحت الجنة أبوابها ولم يدخل أحد
وبقي السؤال الأخير معلقًا فوق المسرح: ماذا يفعل الكاتب بكل الذين أنقذهم من النسيان ولم يستطع إنقاذهم من مصائرهم؟ كان فلاح شاكر يعرف أن الفن لا يملك السلطات السحرية التي يحب الشعراء أحيانًا أن ينسبوها إليه؛ المسرحية لا توقف دبابة، والاستعارة لا ترفع حصارًا، والتصفيق لا يوقظ ميتًا، لكنه كان يعرف أن القوة ليست دائمًا في منع الكارثة، بل قد تكون في منع الكارثة من امتلاك تفسيرها الوحيد؛ فالحرب تقول إن الإنسان رقم، والمسرح يعيده اسمًا ووجهًا ورغبة وندمًا، والتاريخ يقول إن مدينة سقطت، والمسرح يسأل عن آخر مصباح ظل مضاء فيها، والبيان يقول إن الأسرى عادوا، والمسرح يقف عند باب أحدهم ويسأل من الذي عاد فعلًا. ولهذا لم يكن النص عند فلاح شاكر شيئًا مكتملًا على الورق، فهو نفسه ينظر إلى الكتابة بوصفها تخطيطًا أوليًا يظل قابلًا لأن يتغير في أثناء التدريب، حيث تستجيب الخشبة للنص ويستجيب النص للخشبة، وكأن الكلمات لا تبلغ سن الرشد إلا عندما تحصل على جسد وصوت وضوء وظل، وربما لهذا أيضًا كان يعتني بالمفردة ويكتب بإيقاع لا ينسجم دائمًا مع السرعة التي تطلبها صناعة التلفزيون؛ فقد تعود أن يترك الكلمة حتى تكشف ما تخفيه، وفي مملكته لا تصل الأشياء المهمة في موعدها أصلًا: الأسرى يتأخرون، والرسائل تتأخر، والعدالة تتأخر، والجنة تتأخر، وحتى المعنى قد يحتاج أعوامًا كي يصل إلى صاحبه. وهذا التأخر يكاد يكون القانون السري لعالمه، فكل شيء يصل بعد أن يكون غيابه قد أحدث تغييرًا لا يمكن محوه، ومن هنا تصبح الجنة تفتح أبوابها متأخرة صيغة فلسفية تتجاوز عنوان المسرحية لتصف مأساة الإنسان الذي يحصل على النجاة بعدما تعلم كيف يعيش داخل الكارثة. وفي الليلة الأخيرة من هذه الحكاية كانت بغداد نائمة، أو تتظاهر بالنوم، حين سمع حارس مسرح مهجور طرقًا خافتًا، فدخل القاعة ولم يجد أحدًا، لكنه رأى الباب القديم واقفًا في منتصف الخشبة، الباب نفسه الذي ظهر في بداية الحكاية، فوضع أذنه عليه فسمع بحرًا، وحين فتحه رأى السندباد واقفًا على سفينة تحمل آلاف الرسائل العراقية التي لم تصل إلى أصحابها، فأغلقه مذعورًا وفتحه ثانية فرأى هولاكو جالسًا وسط بغداد المحترقة يسأل طفلًا صغيرًا عن الطريق إلى كتب التاريخ، وفتحه ثالثة فرأى شهرزاد عجوزًا جدًا، شعرها أبيض ويداها ترتجفان، لكنها ما زالت تحكي لأن شهريار لم يمت، بل تعلم فقط أن يغير أسماءه وملابسه وأعلامه، ثم فتح الباب للمرة الرابعة فرأى المرأة التي انتظرت زوجها، لكنها كانت شابة كما كانت قبل الحرب، وكان زوجها شابًا أيضًا، وبينهما عشر سنوات معلقة في الهواء مثل جسر من زجاج، ومد الرجل يده إليها ومدت يدها إليه، وقبل أن تتلامس اليدان انكسر الجسر وسقطت السنوات في هاوية لا قرار لها. أغلق الحارس الباب واستدار، فرأى فلاح شاكر جالسًا في الصف الأخير، فسأله عما يوجد خلفه، فقال إن وراءه ما تركناه، وسأله لماذا لا يغلقونه، فقال لأن الذين في الداخل سيختفون، وسأله لماذا لا يفتحونه كله، فقال لأننا عندها قد نختفي نحن، ثم نهض وغادر المسرح، وفي اللحظة التي أغلق فيها الباب الخارجي بدأ الباب الموجود فوق الخشبة يكبر حتى اخترق سقف المسرح وارتفع فوق بغداد وصار أكبر من المدينة ومن دجلة ومن العراق نفسه، واستيقظ الناس فرأوا في السماء بابًا هائلًا لا يعرف أحد إلى أين يؤدي، فخرج الأطفال إلى الشوارع، وفتحت النساء النوافذ، ونهض الموتى قليلًا في قبورهم، وتوقف الجنود عن تنظيف أسلحتهم، وأطل السندباد من البحر، وصمتت شهرزاد للمرة الأولى منذ ألف ليلة، حتى الحرب نفسها رفعت رأسها لترى ما يحدث، ثم انفتح الباب فلم تكن وراءه جنة، بل بغداد أخرى لم تقع فيها حرب، ولم يذهب أبناؤها إلى الأسر، ولم تنتظر النساء الغائبين، ولم تحترق فيها الكتب، وكان دجلة يمشي هادئًا والناس يعودون إلى بيوتهم من دون أن يلتفتوا وراءهم، وكان الرجل الذي عرفناه أسيرًا يمشي في أحد الأزقة شابًا يحمل خبزًا، وتنتظره زوجته عند النافذة من غير أن تعرف أنها كان يمكن أن تنتظره عشر سنوات في عالم آخر. حدقت بغداد الحقيقية في بغداد الممكنة، وللمرة الأولى بكت مدينة لأنها رأت الحياة التي كان يمكن أن تعيشها، وعندها ظهرت الحرب وحاولت إغلاق الباب، لكن ملايين الأيدي خرجت من البيوت وأمسكته، أيدي الموتى والأحياء والأسرى والعائدين والأمهات والممثلين والكتاب والمتفرجين وحتى الشخصيات التي لم يكتبها فلاح شاكر بعد، وفي الصف الأخير من المسرح المهجور تحركت ورقة بيضاء وحدها وبدأت الكلمات تظهر عليها ثم تمحو نفسها حتى لم يبق عند الصباح إلا اسم المسرحية، وعندما اختفى الباب من السماء بقي المفتاح في جيب فلاح شاكر، ومنذ تلك الليلة صار أهل بغداد إذا سمعوا طرقًا بعد منتصف الليل لا يسألون من الطارق، بل يسألون أي حياة من حياتنا عادت هذه المرة، وكانت شهرزاد في مكان لا تصل إليه كتب التاريخ قد بدأت ليلة جديدة، وكان السندباد يهيئ سفينته لرحلة لم يكتبها أحد، وكانت الحرب تجلس وحيدة تعد قتلاها فتكتشف أنها عاجزة عن عد الذين أعادهم المسرح إلى الذاكرة، أما فلاح شاكر فكان يمشي بعيدًا عن المدينة وفي جيبه مفتاح لباب لم يعد موجودًا، وقد عرف أخيرًا السر الذي لم تعرفه الحرب قط: أن الجنة ليست المكان الذي نصل إليه بعد الموت، بل الحياة التي كان ينبغي ألا نخسرها منذ البداية.







