
في الليلة التي قرر فيها المكان أن يتكلم، لم يكن في القرنة أحد يعرف أن العالم سيخسر شيئًا من صمته. كان الماء يتقدم نحو اليابسة كما يتقدم شيخ نحو مرآة قديمة، وكانت النخيل تتبادل أسرارًا لا تفهمها الريح، فيما وقف نهران عند تخوم المدينة يتنازعان على اسم الطفل الذي سيولد هناك، كأن دجلة يقول إنه سيمنحه ذاكرة لا تنتهي، وكأن الفرات يصر على أن يمنحه عينًا تستطيع رؤية ما تخفيه الأشياء حين تتظاهر بأنها واضحة. وفي سنة 1940، حين جاء ياسين النصير إلى العالم، لم يحدث ما يستدعي انتباه المؤرخين، فلم تسقط مملكة، ولم ينشق قمر، ولم يخرج من الأرض كتاب مفتوح، غير أن الحكاية، في وجهها الذي لا تسجله الوثائق، تستطيع أن تتخيل شيئًا أكثر غرابة: أن القرنة وضعت في مهد الطفل مفتاحًا صغيرًا لا يفتح بيتًا ولا صندوقًا ولا بابًا، وإنما يفتح العلاقة السرية بين الإنسان والمكان، ثم أوصت النهرين ألا يخبراه بحقيقة الهدية حتى يكبر بما يكفي ليفهم أن الأشياء لا تسكن العالم بالطريقة التي نظنها، وأن البيوت ليست جدرانًا تحيط بالبشر، بل بشرًا تحولوا مع الزمن إلى جدران تحفظ أصواتهم. لم يكن المفتاح من حديد أو نحاس، بل من مادة لا يعرفها الحدادون، نصفها حنين ونصفها سؤال، وكان كلما اقترب من باب حقيقي ازداد صمتًا، وكلما اقترب من فكرة أخذ يرتجف كما ترتجف نافذة حين يمر وراءها قطار بعيد. وهكذا بدأ ياسين رحلته قبل أن يعرف أنه بدأها، محاطًا بماء لا يكتفي بالجريان، وبأرض تتعلم من الفيضانات كيف تستعيد أسماءها، وبأفق جنوبي لا يضع حدًا واضحًا بين السماء واليابسة. فالقرنة ليست مجرد نقطة في الجغرافيا العراقية؛ إنها، بما تحمله من صورة التقاء النهرين، استعارة كبرى للاختلاط والتكوين والتعدد، ومكان يصلح لأن يتعلم فيه المرء أن الهوية لا تنشأ من الانغلاق، وإنما من لقاء تيارين مختلفين يواصل كل منهما حياته داخل الآخر. ولعل هذه الصورة، بوصفها قراءة رمزية لا تفسيرًا حتميًا للسيرة، تساعدنا على فهم ذلك الميل العميق الذي سيجعل ياسين النصير، بعد سنوات طويلة، ينظر إلى المكان بوصفه كائنًا منتجًا للمعنى، لا خلفية صامتة تتحرك أمامها الشخصيات. فالناقد الذي سيكتب عن شعرية الماء وجماليات المكان والرواية والمدينة والمسافات لم يكن يبحث عن وصف أجمل للبيوت والشوارع والأنهار، بل كان يطارد سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا لو كانت الأمكنة تعرف عنا أكثر مما نعرف عنها؟ وماذا لو كانت المدينة تكتب سكانها قبل أن يكتبها الأدباء؟ وماذا لو كانت القصيدة لا تولد في اللغة وحدها، وإنما في المسافة الغامضة بين جسد يتذكر ونافذة تطل على ما لم يعد موجودًا؟ ومن هذه الأسئلة يمكن تخيل المشهد الأول في ملحمة ياسين النصير: طفل يمد يده إلى الماء، فيرى أن صورته لا تستقر فوق السطح، بل تنقسم إلى وجوه كثيرة، وجه سيذهب إلى بغداد، ووجه سيصعد إلى خشبة المسرح، ووجه سيجلس خلف مقود سيارة أجرة، ووجه سيعبر المنافي، ووجه سيعود في كتاب ليبحث عن شارع قديم. وكلما حاول جمع الوجوه في صورة واحدة، قال له الماء إن الإنسان ليس صورة مكتملة، وإنما مجموعة أمكنة تتفاوض داخل جسده على حق الكلام. ومنذ تلك اللحظة المتخيلة لم تعد الأشياء بريئة؛ فالحجر يحتفظ بما لم تقله الجدران، والنافذة تعرف الفرق بين انتظار العائد وانتظار المستحيل، والطريق يستطيع أن يغير مصير صاحبه من غير أن يغير اتجاهه. أما المفتاح الذي تركته القرنة في المهد فقد ظل بلا باب، لأن بعض الهدايا لا تكشف معناها إلا بعد أن يخسر صاحبها العالم الذي جاءت منه. وربما كانت هذه أول مفارقة في حكاية الناقد الذي سيجعل المكان موضوعًا معرفيًا كبيرًا: أنه سيقضي حياته متنقلًا بين الأمكنة، بينما يظل المكان الأول متنقلًا فيه، حتى تصبح الكتابة شكلًا من أشكال العودة التي لا تحتاج إلى قطار، ويغدو النقد محاولة لإنقاذ ما يتسرب من الوجود حين نظن أن الأشياء باقية لأنها ما زالت أمام أعيننا. كان على الطفل، إذن، أن يكبر، وعلى النهر أن ينتظر، وعلى المفتاح أن يتعلم الصبر، لأن بغداد كانت تهيئ له امتحانًا لا تمنحه المدن إلا لمن يجرؤ على الإصغاء إلى أصواتها الممنوعة.
بغداد التي استأجرت ناقدًا ليقود عربتها الأخيرة
حين وصل ياسين النصير إلى بغداد في مطلع سبعينيات القرن العشرين، لم تستقبله المدينة بوصفه غريبًا يحتاج إلى عنوان، وإنما بوصفه شاهدًا تأخر عن موعد قديم. كانت بغداد آنذاك مدينة مزدحمة بالوعود والمخاوف، بالصحف والمقاهي والمسارح، وبالأصوات التي تتنافس على تعريف الأدب والوطن والحداثة والحرية، وكان كل شارع فيها يشبه جملة لم تكتمل، وكل مقهى يشبه محكمة يترافع فيها الشعراء عن قصائد لم تصدر بعد. وفي سنة 1971 ظهر كتاب قصص عراقية معاصرة، الذي اشترك في تأليفه مع الناقد فاضل ثامر، كأن المدينة كانت تختبر قدرته على سماع الأصوات القادمة من القصص، قبل أن تسمح له بالاقتراب من أسرارها الأعمق. لم يكن الدخول إلى النقد، في هذا المعنى، انتقالًا من القراءة إلى الكتابة، وإنما دخولًا إلى منطقة يصبح فيها النص شاهدًا على الحياة، وتصبح الحياة نفسها نصًا يحتاج إلى قارئ لا يخاف تناقضاته. ثم توالت صلاته بالمسرح والصحافة والهيئات الثقافية، واشتغل في التعليم، وشارك في كتابة بعض الأعمال المسرحية وتمثيلها، حتى بدا كأن المدينة قد وزعت جسده على مؤسساتها، وأبقت عينه حرة لتراقب ما يحدث خارج الجدران. كانت خشبة المسرح بالنسبة إليه، في الصورة التي تقترحها أعماله النقدية، أكثر من مساحة يقف فوقها الممثلون؛ كانت مدينة مصغرة تتواجه فيها السلطة والذاكرة والرغبة والخوف، وكانت الشخصية المسرحية إنسانًا يحاول أن يجد مكانًا داخل العالم قبل أن يجد مكانًا داخل الحكاية. لذلك يمكن تخيل بغداد وهي تسأله ذات مساء: لماذا تنظر إلى شوارعي كما ينظر الطبيب إلى نبض مريض؟ فيجيبها بأنه لا يبحث عن مرضها، وإنما عن الأصوات التي تخفيها صحتها الظاهرة. فتضحك المدينة، ضحكة تشبه ارتطام أكواب الشاي في المقاهي، وتقول له إن من يحاول قراءة المدن لا يستطيع أن يبقى خارج مصائرها. ولم تكن تلك العبارة نبوءة خارقة، بل خلاصة تاريخ عراقي جعل الثقافة على تماس دائم مع تحولات السلطة، وأخضع المثقف لامتحانات لا تنتهي بين الاستقلال والتكيف والخوف. وفي منتصف الثمانينيات، حين وجد النصير نفسه تحت وطأة الضغوط السياسية، دخلت سيارة الأجرة إلى حكايته بوصفها واحدة من أغرب الشخصيات التي يمكن أن ترافق ناقدًا أدبيًا. لم تكن سيارة خيالية تطير فوق بغداد، ولا عربة سحرية تقفز بين الأزمنة، بل سيارة حقيقية في حياة رجل عمل سائقًا للأجرة خلال سنوات اختبائه من عيون السلطة وضغوطها، كما تروي سيرته. غير أن الأدب يستطيع أن يرى في هذه الواقعة ما يتجاوز ظاهرها؛ فالرجل الذي كان يقرأ حركة الشخصيات في الروايات صار ينقل شخصيات حقيقية من شارع إلى آخر، والذي كان يدرس البنية المكانية للنص صار يعمل داخل البنية المكانية لمدينة تخشى أن تعترف بما يجري فيها. جلس خلف المقود، وفي المرآة الصغيرة فوق رأسه ظهرت بغداد مقلوبة، مثل كتاب يقرأه صاحبه من صفحته الأخيرة. كان الركاب يصعدون ويهبطون، يحملون أكياسهم وأخبارهم وأتعابهم وأحلامهم الصغيرة، ولا يعرفون بالضرورة أن السائق الذي يقودهم يملك من الأسئلة عن المكان أكثر مما يملك من الأجوبة عن الطريق. وربما كان أكثر ما يثير الخيال في هذه المرحلة أن الناقد لم يعد يحتاج إلى اختراع شخصيات كي يفهم التناقض الإنساني؛ فالمدينة كانت تفتح له أبوابها الخلفية، وتدفع إليه نماذج من الحياة اليومية لا تستطيع النظريات أن تحيط بها كلها. هنا يصبح المقود أداة قراءة، والمرآة منهجًا، والمقعد الخلفي أرشيفًا متحركًا، وتصبح الأجرة التي يدفعها الراكب ثمن رحلة قصيرة، بينما يدفع السائق من عمره ثمن رحلة أطول نحو معرفة المجتمع. ليست هذه محاولة لتحويل المعاناة إلى زينة جمالية، فالفقر والخوف والاختباء ليست مغامرات رومانسية، ولا ينبغي أن يصبح اضطهاد المثقف مادة للتغني بصلابته، وإنما هي محاولة لفهم كيف يستطيع الإنسان، حين تضيق عليه المؤسسات، أن يعثر في تفاصيل العيش اليومي على شكل آخر من أشكال المعرفة. لقد عرف ياسين النصير، في تجربته هذه، معنى أن يعيش الإنسان داخل وطنه كما لو كان بعيدًا عنه، وهي الحالة التي وصفها بهجرة الداخل قبل هجرة الخارج. والهجرة الداخلية أشد التباسًا من السفر؛ لأن المنفي يستطيع أن يشير إلى الحدود التي عبرها، أما الغريب داخل مدينته فلا يجد حدودًا واضحة يشرح عندها غربته. إنه يستيقظ في بيته، ويمشي في الشارع الذي يعرفه، ويرى الوجوه التي اعتادها، ثم يكتشف أن الألفة نفسها أصبحت قناعًا للوحشة. وفي هذه المنطقة تتضح القيمة الثقافية العميقة لتجربة النصير؛ فاهتمامه بالمكان لا يمكن اختزاله في ولع وصفي بالعمارة والشوارع والأنهار، لأن المكان في أعماله يتصل بالعلاقات الاجتماعية وبالذاكرة وبإنتاج الدلالة، ويمكن أن يكون موطنًا للحماية أو جهازًا للإقصاء، مساحة للانتماء أو صورة للاغتراب. ومن هنا تبدو سيارة الأجرة، في البناء الرمزي للحكاية، مختبرًا قاسيًا للنقد المكاني: يتحرك الإنسان داخل المدينة من غير أن يمتلك حق الاطمئنان إليها، ويعبر الشوارع من غير أن يشعر بأن العبور يوصله إلى النجاة. وفي ليلة متخيلة، بينما كانت بغداد تستريح من ضجيجها الظاهر وتواصل ضجيجها الخفي، توقفت السيارة عند شارع الرشيد، فإذا بالشارع يمد يده من بين الأبنية القديمة ويسأل السائق: هل تعرفني؟ قال الرجل إنه يعرف اسمه واتجاهه وواجهاته، لكن الشارع هز رأسه وقال إن هذه معلومات تصلح للخرائط، أما معرفته الحقيقية فتحتاج إلى الإصغاء لما تراكم في حجارته من خطوات واحتجاجات ولقاءات وفراق. عندئذ فهم السائق، أو هكذا تقترح الحكاية، أن الشارع ليس خطًا يصل بين مكانين، وإنما زمن طويل يتنكر في هيئة طريق. وسيعود هذا الإدراك في كتاب شارع الرشيد عين المدينة وناظم النص، حيث يتحول الشارع إلى مفتاح لفهم انتظام الحياة الحضرية وتمثلاتها الثقافية. ولم تكن المفارقة أن يكتب رجل عن شارع عرفه، بل أن الشارع نفسه، في هذه القراءة، كان يكتب الرجل طوال تلك السنوات، حتى إذا خرج النصير من بغداد ظل شارع الرشيد يمشي وراءه من غير أن يترك أثرًا على الأرصفة. وفي إحدى الليالي التي لا تاريخ لها إلا في خيال السرد، أخرج ياسين مفتاح القرنة القديم من جيبه، ووضعه أمام المرآة، فرأى أن المفتاح صار أثقل مما كان، وأن أسنانه الصغيرة اكتسبت شكل نوافذ مغلقة. لم يقل له أحد لماذا، لكن بغداد كانت تعرف أن الوقت يقترب حين لن يعود بوسعه أن يكتفي بهجرة الداخل، وأن المدينة التي علّمته كيف يقرأ المكان ستجبره على اكتشاف أكثر أسئلته مرارة: هل يستطيع الإنسان أن يحمل وطنًا كاملًا حين لا يستطيع البقاء فيه؟
محكمة المنافي حين شهدت الحقيبة ضد الحدود
خرج ياسين النصير إلى المنفى، لكن المنفى لم يكن أرضًا واحدة يمكن وضعها على الخريطة، بل سلسلة من الأمكنة التي تتنازع على حق تعريف الغريب. أقام في عمّان أكثر من أربع سنوات، وانتقل إلى سورية، ثم عاد إلى عمّان سنة 1996، قبل أن يصل إلى هولندا لاجئًا، في مسار يجعل الرحيل أكثر تعقيدًا من الصورة التقليدية التي تقسم الحياة إلى وطن يُفقد وبلد يُكتسب. فالإنسان لا يغادر وطنه دفعة واحدة؛ يغادره أولًا حين يصبح الكلام مخاطرة، ثم حين تضيق عليه فرص العيش، ثم حين يكتشف أن البقاء يحتاج إلى تنازلات لا يريد تقديمها، وأخيرًا حين يبتعد جسده عن الحدود بينما تظل ذاكرته تتصرف كأنها لم تغادر. وفي المشهد العجائبي الذي يمكن أن ينشأ من هذه التجربة، تصل حقيبة النصير إلى قاعة محكمة واسعة لا تحمل علمًا ولا شعارًا، ويجلس على منصة القضاء رجل لا وجه له، اسمه المسافة، بينما يقف الشهود في صف طويل: بغداد، وعمّان، ودمشق، ومدينة هولندية مجهولة الاسم في الحكاية، ونهران جاءا من القرنة بعد أن عبرا العالم من غير جواز سفر. يتقدم القاضي ويسأل الحقيبة عما تحتويه، فتجيب بأنها تحمل ما لا يظهر في التفتيش: رائحة شارع، وصوت مسرح، وخوفًا قديمًا، وصفحات لم تنته، ومفتاحًا لم يعثر على بابه. يطلب القاضي فتحها، فإذا بها لا تخرج ثيابًا وأوراقًا، بل تخرج مقاهي عراقية وأرصفة ووجوهًا وكتبًا، ثم تتدحرج منها نافذة تطل على مدينة بعيدة، ويقف وراءها رجل يحاول أن يعرف هل ما يراه ذكرى أم احتمالًا. لا تستند هذه المحكمة إلى واقعة سِيَرية، وإنما تجسد مأزقًا فكريًا شديد الصلة بمشروع النصير: المكان ليس ما تتركه خلفك عندما تسافر، بل ما يواصل إعادة تشكيلك كلما ظننت أنك وصلت. ولهذا لا تبدو الهجرة في تجربته انقطاعًا تامًا عن العمل الثقافي، فقد واصل الكتابة والنشاط، وارتبط بتأسيس مؤسسات ومبادرات ثقافية في هولندا، منها مؤسسة ثقافة 11 التي تأسست سنة 1998، ومؤسسة أكد للثقافة والفنون والنشر سنة 2000، فضلًا عن نشاطه في الصحافة الثقافية والسينما الوثائقية. ويمكن النظر إلى هذه المبادرات بوصفها مقاومة عملية لفكرة أن المنفى يحول المثقف إلى شاهد معزول على ماضٍ انتهى. لقد حاول أن يصنع للثقافة فضاءات عمل جديدة، وكأن المدينة التي فقدها في الجغرافيا يمكن أن تستعاد جزئيًا في الاجتماع البشري، وفي المهرجان والصحيفة والكتاب واللقاء. فالمنفى لا يصبح أقل قسوة لأن الإنسان يكتب فيه، لكنه قد يصبح أقل قدرة على ابتلاع صاحبه حين ينجح في تحويل غربته إلى فعل ثقافي. وفي هذه النقطة يظهر فارق مهم بين الحنين بوصفه استسلامًا للماضي والذاكرة بوصفها طاقة لإنتاج معرفة جديدة؛ فالحنين يريد استعادة المكان كما كان، أما الذاكرة النقدية فتسأل لماذا كان على ذلك النحو، ومن كان يملك حق الكلام فيه، ومن ظل خارجه، وكيف تتغير معانيه حين نراه من مسافة بعيدة. ومن هذا الأفق يمكن قراءة انتقال النصير بين أجناس النقد، من المسرح إلى الشعر والرواية والفن التشكيلي والسينما، بوصفه حركة داخل سؤال ثقافي واسع لا بوصفه تشتتًا بين موضوعات متباعدة. فالمسرح يحتاج إلى فضاء لكي تقع فيه المواجهة، والرواية تحتاج إلى مكان تتكون فيه العلاقات، واللوحة تنظم المرئي داخل حدودها، والسينما تحول الحركة إلى تجربة بصرية للزمان والمكان، والشعر يستطيع أن يجعل قطرة ماء تحمل تاريخًا كاملًا. وهكذا يبدو المكان نقطة التقاء بين الفنون، لا لأنه يلغي اختلافاتها، بل لأنه يسمح بالكشف عن كيفية إنتاج كل فن لعالمه الخاص. وفي كتاب جماليات المكان في شعر السياب يقترب النقد من شاعر عراقي جعل الماء والقرية والمدينة والمطر عناصر متداخلة في تجربته الشعرية، وكأن النصير يقرأ في قصائد السياب ذلك التحول الذي تصبح فيه الجغرافيا ذاكرة حسية ورمزية. ثم يتسع السؤال في الرواية والمكان ومدخل إلى النقد المكاني والشعرية المكانية: رؤية جديدة، حتى لا يعود المكان مجرد عنصر بين عناصر البناء الفني، وإنما يصبح مدخلًا إلى فهم العلاقات بين النص والعالم. وفي شعرية الماء يمكن تخيل النهرين اللذين حضرا ولادته وقد دخلا مكتبه في المنفى، لا لكي يطالباه بالعودة، بل ليسألاه لماذا احتاج إلى كل تلك الرحلات ليكتشف أن الماء لا يملك وطنًا ثابتًا. يجيب أحد النهرين بأن الماء لا يحيا إلا بالحركة، ويعترض الآخر بأن الحركة وحدها لا تكفي، لأن النهر الذي ينسى ضفتيه يتحول إلى سيل بلا اسم. وعندئذ يبتسم الكتاب المفتوح على الطاولة، ويقول إن هذه هي معضلة الإنسان الحديث: كيف يتحرك من غير أن يفقد ذاكرته، وكيف يحتفظ بذاكرته من غير أن يحولها إلى سجن؟ ليس من الضروري أن نجد هذا الحوار في صفحات النصير كي ندرك أنه يعبر عن إشكالية يمكن استنباطها من اهتمامه بالماء والمكان والمسافة؛ فالماء يجمع بين الثبات والتحول، يحتفظ باسمه بينما تتبدل مادته، ويصل بين الضفاف من غير أن يستقر في إحداها. أما المنفي فيعيش مفارقة مشابهة، فهو يظل الشخص نفسه في الوثائق، لكنه يكتشف أن المعنى الذي يمنحه لاسمه قد تغير بفعل الأمكنة التي عبرها. وحين نتأمل كتاب المسافات تتخذ هذه المفارقة بعدًا آخر؛ فالمسافة ليست دائمًا مقدارًا يمكن قياسه بالكيلومترات، بل قد تكون الفاصل بين زمنين داخل الغرفة نفسها، أو بين إنسان وصورته القديمة، أو بين مدينة محفوظة في الذاكرة ومدينة تتغير من غير أن تستأذن الغائبين. وقد تكون المسافة الأكثر إيلامًا تلك التي تنشأ بين ما يتذكره المرء وما يستطيع إثباته، لأن الذاكرة لا تحتفظ بكل شيء، ولأن الوثائق نفسها لا تروي جميع الحكايات. من هنا يتجاوز مشروع النصير الحدود الضيقة للنقد التطبيقي إلى ما يمكن تسميته مساءلة ثقافية للمكان، وهي مساءلة تضع النص الأدبي في علاقة مع التاريخ والاجتماع والتجربة الحسية والتمثيل الجمالي. غير أن هذه القراءة لا ينبغي أن تجعل المكان مفتاحًا وحيدًا يفسر جميع أعماله؛ فاهتماماته بالمسرح والحداثة والحكاية الشعبية والصورة والفن التشكيلي تكشف مشروعًا متعدد المسارات، تتقاطع داخله الأسئلة أكثر مما تخضع لنظام واحد مغلق. وهذه التعددية نفسها تمنحه أهميته، لأنها تقاوم الميل إلى اختزال الناقد في اختصاص ضيق، وتعيد وصل الممارسة النقدية بالحياة الثقافية التي تنشأ منها. وفي مشهد آخر من المحكمة المتخيلة، يتقدم كتاب ما تخفيه القراءة ليشهد، لكنه يرفض الوقوف في المكان المخصص للشهود، ويجلس إلى جانب القاضي، ثم يقول إن القراءة ليست استخراج معنى جاهز من صندوق مغلق، بل مساءلة ما جعل النص قادرًا على إظهار بعض الأشياء وإخفاء أشياء أخرى. يتبعه كتاب ما يخفيه النص: الرواية وثقافة الصورة، حاملًا مرآة لا تعكس الوجوه بل تكشف ما يقع خارج إطارها. وتحتج اللوحة التشكيلية بأنها ليست مجرد صورة معلقة على الجدار، فيدخل كتاب المدينة والفن التشكيلي إلى القاعة ليدافع عن العلاقة بين التكوين البصري والتجربة الحضرية، بينما يقف كتاب غير المألوف في اليومي والمألوف عند الباب، ويعلن أن الحياة اليومية نفسها أكثر غرابة مما نظن، وأن أكثر الأشياء اعتيادًا قد يخفي أكثر الأسئلة جذرية. هنا تتسع المحاكمة حتى تصبح محاكمة لطريقة النظر إلى العالم، لا لقضية منفي واحد. فمن الذي يقرر أن الأشياء المألوفة لا تستحق التأمل؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى كارثة كي ينتبه إلى الشارع الذي يقطعه كل صباح؟ وكيف تستطيع السلطة أن تستفيد من اعتياد الناس على المشاهد حتى يصبح غير المقبول جزءًا من العادي؟ لا تقدم هذه الأسئلة إجابات سياسية مباشرة، لكنها تكشف الأفق النقدي الذي يجعل الاهتمام باليومي وبالمكان قادرًا على مساءلة علاقات القوة والذاكرة والتمثيل. وحين يرفع القاضي الجلسة، لا يصدر حكمًا ببراءة المنفى أو إدانته، بل يطلب من الحقيبة أن تعود إلى صاحبها، لأنها الدليل الوحيد على أن الإنسان يستطيع أن يحمل أماكن كثيرة من غير أن يمتلك أيًا منها امتلاكًا كاملًا. وفي تلك اللحظة يتحرك المفتاح القديم داخل الحقيبة، وتصدر عنه رنة خافتة تشبه صوت ملعقة تضرب كأس شاي في مقهى بغدادي. يلتفت النصير إلى الصوت، فيرى أن المفتاح لم يعد يبحث عن باب واحد، وأن أسنانه صارت تشبه شوارع تتفرع في اتجاهات متعارضة. كان عليه أن يفهم أخيرًا أن المكان الذي حاول قراءته طوال حياته قد بدأ يقرأه هو أيضًا، وأن الكتابة لم تعد وسيلة لإعادة بناء ما ضاع فحسب، وإنما وسيلة لاكتشاف ما ظل حاضرًا من غير أن يُرى.
اليوم الذي عاد فيه شارع الرشيد ليطالب بمؤلفه
لا تبلغ الحكايات الكبرى ذروتها حين يعود البطل إلى بيته، بل حين يكتشف أن البيت الذي يبحث عنه لم يعد مطابقًا للصورة التي حملها في داخله، وأن العودة ليست إلغاءً للمسافة، وإنما مواجهة بين ذاكرتين: ذاكرة الإنسان وذاكرة المكان. وفي تجربة ياسين النصير، الذي استأنف حضوره في المؤسسات الثقافية العراقية خلال سنوات لاحقة، ومنها عضوية الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء بين عامي 2012 و2015، يمكن أن نتأمل هذا المعنى بعيدًا عن التصور الساذج الذي يجعل العودة الجغرافية خاتمة طبيعية لكل منفى. فالمنفى لا ينتهي بعبور الحدود، مثلما لا تبدأ الغربة دائمًا بمغادرتها؛ قد يعود الإنسان إلى الشارع الذي عرفه فيكتشف أن الأمكنة احتفظت بأسمائها وغيرت وجوهها، وأن الذاكرة كانت أكثر وفاءً للماضي من الواقع نفسه. وفي الفصل الأخير من هذه الملحمة المتخيلة، لا يدخل ياسين النصير بغداد من مطار أو محطة، بل يدخلها من الصفحة الأولى لكتاب قديم، بعدما يكتشف أن شارع الرشيد قد اختفى من مكانه وترك بدلًا منه سؤالًا مكتوبًا على حجر: من الذي يملك المدينة، الذين يعيشون فيها أم الذين يتذكرونها؟ يتحرك السؤال بين الأزقة كما يتحرك بائع متجول، يطرقه الناس بأقدامهم من غير أن ينتبهوا إليه، حتى يصل إلى الناقد الذي أمضى عمره يسأل الأمكنة عما تخفيه. عندئذ يفتح كتاب شارع الرشيد عين المدينة وناظم النص، فإذا بالشارع ينهض من بين الصفحات، ينفض الغبار عن واجهاته، ويمد جسده الطويل بين زمنين، ثم يسأل مؤلفه لماذا تأخر كل هذا الوقت في فهم أنه لم يكن يكتب عن شارع واحد، بل عن العلاقة التي تجعل المدينة قادرة على تنظيم ذاكرة سكانها وتخيلاتهم وصراعاتهم. يجيبه الناقد بأن الكتب لا تستطيع إعادة بناء المدن المهدمة، فيقول الشارع إن وظيفتها ليست أن تحل محل البنائين، وإنما أن تمنع الهدم من أن يصبح محوًا كاملًا للمعنى. هنا تتجلى واحدة من أعمق القضايا التي يمكن استخلاصها من مشروع النقد المكاني: المكان ليس ملكية مادية فحسب، بل سجل من العلاقات والدلالات، وإذا تعرض للتغيير أو التدمير فإن الخسارة لا تقتصر على الأبنية، وإنما تمتد إلى الأنماط التي كان الناس يفهمون بها أنفسهم والعالم. غير أن الذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى تقديس للماضي، فالمدن لا تعيش إلا بالتغير، والمشكلة ليست في أن تتبدل شوارعها، بل في أن يجري التبدل من غير وعي بما يحمله المكان من حقوق وتجارب ومعانٍ. ومن هنا يمكن للنقد أن يؤدي وظيفة تتجاوز تفسير النصوص إلى إعادة تدريب الحساسية الثقافية على رؤية ما أصبح مألوفًا أكثر مما ينبغي. فالمدينة التي يراها الإنسان يوميًا قد تكون أكثر الأمكنة احتياجًا إلى الاكتشاف، لأن الألفة الطويلة تجعل الأشياء تختفي من فرط حضورها. وفي هذه اللحظة يدخل إلى الحكاية كتاب الاستهلال: فن البدايات في النص الأدبي، في هيئة رجل عجوز يحمل ساعة بلا عقارب، ويقول إن كل بداية تخفي نهاية لم تُكتب بعد، وإن الناقد الذي يدرس الاستهلال يعرف أن الجملة الأولى ليست مجرد افتتاح، بل وعد يقدمه النص للقارئ بشأن العالم الذي سيدخله. يرد عليه كتاب حجر الحروب بأن البدايات قد تكون خادعة، وأن الحداثة الشعرية لا تنشأ من الانفصال البسيط عن الماضي، بل من صراع معقد بين الذاكرة والتجديد. ثم تظهر مملكة الظلال، لا بوصفها دولة يحكمها الموتى، بل فضاء تتحرك فيه الصور الشعرية التي لم تستنفد معناها، ويأتي كتاب محفة النار حاملًا شرارة صغيرة، فيما يقف كتاب استنطاق الحجر أمام جدار صامت ويحاول أن يجعله شاهدًا على ما لا تستطيع اللغة المباشرة قوله. لا تلتقي هذه الكتب في الواقع داخل مسرح واحد، لكن جمعها في الحكاية يسمح برؤية اتساع اشتغال النصير على الشعر بوصفه مجالًا تتفاعل فيه المادة والصورة والإيقاع والمكان والذاكرة. فالحجر في الشعر ليس الحجر في البناء، والنار ليست مجرد عنصر طبيعي، والظل ليس غيابًا للضوء وحده؛ إنها مواد تدخل اللغة فتكتسب تاريخًا وجدانيًا وثقافيًا، وتصبح قادرة على إعادة تشكيل إحساس الإنسان بالعالم. ولعل ما يميز هذا المسار النقدي أن الأشياء فيه لا تفقد ماديتها حين تتحول إلى رموز، بل تحتفظ بشيء من مقاومتها للتأويل، كما لو أن الناقد مطالب بأن ينصت إلى النص من غير أن يصادر غرابته. وهذه مسألة معرفية مهمة، لأن النقد حين يفرض على العمل الأدبي تفسيرًا واحدًا قد يحوله إلى مثال مدرسي على نظرية جاهزة، بينما يقتضي الإنصات الحقيقي أن تبقى في النص منطقة عصية على الامتلاك الكامل. من هنا تبدو عناوين مثل المساحة المختفية وما تخفيه القراءة وما يخفيه النص علامات دالة على اهتمام متكرر بما لا تمنحه القراءة السريعة، وإن اختلفت موضوعات هذه الأعمال ومناهجها التفصيلية. فالمعرفة النقدية لا تتقدم بكثرة ما تعلن اكتشافه وحده، بل بقدرتها على الإحساس بما لم تفسره بعد. وربما كان هذا هو السر الذي جعل ياسين النصير يواصل الحركة بين الحقول الفنية، من غير أن يتعامل مع الحدود بينها بوصفها أسوارًا نهائية؛ ففي كل فن منطقة لا يستطيع الفن الآخر الوصول إليها بالطريقة نفسها، لكن المقارنة بين طرائق التعبير تكشف ما هو مشترك في التجربة الإنسانية وما هو خاص بكل وسيط جمالي. وتزداد هذه المسألة أهمية حين نتذكر أن النقد العربي الحديث عرف، في مراحل كثيرة، توترًا بين الانشغال بالبنية الداخلية للنص والانفتاح على شروطه التاريخية والاجتماعية والثقافية. وقد اتجهت مساهمة النصير، في جانب بارز منها، إلى توسيع النظر في العلاقات بين النص وفضائه، بحيث لا يصبح المكان عنصرًا وصفيًا ثانويًا، ولا يتحول السياق الاجتماعي إلى تفسير جاهز يلغي خصوصية العمل الأدبي. وهذه منطقة خصبة لكنها محفوفة بالمخاطر؛ فالإفراط في تحميل المكان دلالات رمزية قد يجعل كل شارع استعارة وكل نافذة نظرية، كما أن الاقتصار على الوصف الجغرافي قد يحرم النص من طاقته الجمالية. والقيمة الحقيقية لأي نقد مكاني تتحدد بقدرته على المحافظة على التوتر بين المادة والمعنى، بين ما يمكن رؤيته وما يحتاج إلى تأويل، بين تاريخ المكان كما تشهد عليه الوقائع وصورته كما يعيد الأدب إنتاجها. لذلك فإن إنصاف تجربة النصير لا يكون بتصويره مكتشفًا وحيدًا لعالم المكان، فدراسة المكان في الأدب لها تقاليد عربية وعالمية متعددة، وإنما بتأمل إسهامه في جعل هذا السؤال حاضرًا ومتواصلًا عبر عدد كبير من الدراسات والأجناس الفنية، وفي ربطه بمشكلات المدينة والحداثة والذاكرة والصورة والحياة اليومية. إن فرادته، بهذا المعنى، ليست في أنه نظر إلى المكان بينما كان الآخرون غافلين عنه، بل في إصراره على أن يواصل مساءلته من زوايا مختلفة، حتى أصبح المكان خيطًا قادرًا على جمع أجزاء واسعة من مشروعه النقدي من غير أن يلغي تنوعها. وما أشد المفارقة في أن الرجل الذي انشغل بالكشف عن المساحات المختفية كان قد عرف، في حياته، معنى أن يضطر الإنسان إلى إخفاء نفسه، وأن الذي درس حركة الشخصيات داخل النصوص عرف حركة البشر داخل سيارة أجرة، وأن الذي كتب عن الماء حمل في سيرته صورة التقاء النهرين، وأن الذي درس المسافات عبر بين مدن وبلدان قبل أن يواصل قياس المسافة الأكثر تعقيدًا بين الإنسان وذاكرته. لا تعني هذه التقاطعات أن الحياة تفسر الكتب تفسيرًا مباشرًا، ولا أن الكتب نسخ مقنعة من السيرة؛ فالأدب والنقد يمتلكان استقلالهما النسبي عن التجربة الشخصية، لكن هذه المفارقات تتيح قراءة ثقافية ترى كيف تتجاور المعرفة والمعيشة داخل مشروع إنساني واحد. وفي اللحظة التي يبدو فيها أن الحكاية أوشكت على الانتهاء، يدخل سائق سيارة أجرة إلى المشهد، يتوقف أمام شارع الرشيد، وينزل من سيارته حاملًا مرآة صغيرة. لا يعرف أحد من أين جاء، ولا لماذا يشبه الرجل الذي جلس خلف المقود قبل عقود، لكنه يرفع المرآة أمام المدينة، فتظهر فيها القرنة وعمّان ودمشق وهولندا وبغداد، وتظهر كتب كثيرة تتحرك على أرجل من حروف، وتظهر خشبة مسرح عليها كرسي فارغ، ونهران يتجادلان حول معنى العودة. ثم يحدث ما لم يكن متوقعًا: تختفي صورة الناقد من المرآة، ولا يبقى فيها إلا الأماكن التي مر بها والأفكار التي حاول فهمها. يسأل السائق الشارع عن سبب اختفاء الرجل، فيجيبه بأن بعض الناس يتركون وراءهم صورًا، وبعضهم يتركون أسئلة تغير الطريقة التي ننظر بها إلى الصور. وعندئذ يفتح السائق باب السيارة الخلفي، فتدخل بغداد أولًا، ثم تدخل القرنة، ثم تتبعها المدن البعيدة، وكل مدينة تحمل شيئًا فقدته في زمن من الأزمنة. تضيق السيارة حتى يكاد زجاجها يتحطم، لكنها تواصل الاتساع من الداخل، لأن الذاكرة لا تخضع لقوانين المساحة، ولأن الكتب تستطيع أن تمنح المكان عمرًا آخر من غير أن تمنحه حصانة ضد الفناء. يجلس ياسين النصير خلف المقود في الصورة الأدبية الأخيرة، لا بوصفه سائقًا يعود إلى مهنة قديمة، بل بوصفه قارئًا يعرف الآن أن الطرق التي يسلكها البشر ليست دائمًا الطرق التي تسلكها معانيهم. يسأله أحد الركاب عن وجهته، فيقول إنه يبحث عن الباب الذي يناسب مفتاحًا قديمًا، فيضحك الراكب ويشير إلى البيوت الممتدة على جانبي الطريق، لكن الرجل يهز رأسه، لأنه يعرف أن الأبواب الكثيرة لا تعني بالضرورة وجود باب يصلح لذلك المفتاح. تمضي السيارة في شارع يبدو مألوفًا وغريبًا في الوقت نفسه، ثم تتوقف عند ضفة نهر لا تحدده الخريطة. هناك تقف القرنة كما كانت في المشهد الأول، لا أكبر ولا أصغر، لكن النهرين لم يعودا يتنازعان على الطفل الذي ولد سنة 1940، بل ينتظران جواب الرجل الذي قضى عمره يبحث عن سر المكان. يخرج المفتاح من جيبه، ويتأمله طويلًا، فإذا بأسنانه تتساقط واحدة بعد أخرى، وتتحول إلى حروف صغيرة، ثم تتجمع الحروف في جملة لا يستطيع النهران قراءتها قبل أن ينحني الرجل ويلتقطها من الأرض. وفي اللحظة التي يتوقع فيها الجميع أن تنفتح بوابة عظيمة، أو أن يعود الزمن إلى بدايته، لا يحدث شيء من ذلك؛ تبقى القرنة مكانها، ويبقى الماء جاريًا، وتبقى السيارة واقفة على الضفة، لكن الرجل يدرك فجأة أنه كان يبحث عن الباب في الاتجاه الخطأ. يلتفت إلى النهرين ويقول إن المكان لا يحتاج إلى من يفتحه، بل إلى من ينقذه من الصمت. ثم يضع المفتاح في الماء، فلا يغرق ولا يطفو، وإنما يتحول إلى سؤال يمضي مع التيار، عابرًا القرى والمدن والكتب والمنافي، حتى يصل إلى قارئ مجهول يجلس قرب نافذة في مدينة بعيدة. يرفع القارئ رأسه، وينظر للمرة الأولى إلى الشارع الذي عاش فيه سنوات طويلة من غير أن يراه حقًا، ويشعر بأن الجدران المحيطة به تخفي حكايات لم يسأل عنها أحد. عندئذ فقط تنتهي رحلة ياسين النصير في الحكاية، لا لأن الرجل وصل إلى مكان أخير، ولا لأن الأسئلة وجدت أجوبتها، وإنما لأن المفتاح انتقل من يده إلى يد أخرى، وصارت للقراءة حياة خارج صاحبها. أما النهران اللذان اختلفا يوم ولادته فيتصالحان أخيرًا، حين يفهمان أن الطفل الذي منحه أحدهما الذاكرة ومنحه الآخر العين لم يكن بحاجة إلى أن يختار بينهما، فقد أمضى حياته يحاول أن يجعل الذاكرة ترى، وأن يجعل العين تتذكر. وفي الصباح التالي، حين خرج الناس إلى شوارعهم، لم يجدوا شيئًا قد تغير في ظاهر المدن؛ كانت الأرصفة في مواضعها، والأبواب مغلقة أو مفتوحة كما اعتادوا، والسيارات تمضي إلى أعمالها، والنوافذ تطل على الضجيج القديم. غير أن رجلًا واحدًا توقف أمام جدار كان يعبر بمحاذاته كل يوم، ووضع أذنه عليه كأنه ينتظر صوتًا من الداخل. ولم يكن الجدار يتكلم، كما قد يتوهم قارئ الحكايات العجائبية، بل كان الرجل قد تعلم أخيرًا كيف يصغي. هناك، في تلك اللحظة الصغيرة التي لا تسجلها نشرات الأخبار ولا تنتبه إليها كتب التاريخ، يمكن أن نفهم المعنى الأعمق لرحلة ناقد جعل المكان واحدًا من أسئلته الكبرى: لم يكن ياسين النصير يبحث عن المدن الضائعة، بل كان يحاول إنقاذ الإنسان من أن يعيش في مدينته من غير أن يراها. وفي القرنة، حيث بدأ كل شيء، ظل النهران يجريان كما كانا يفعلان قبل ولادته، غير أن الماء حمل هذه المرة شيئًا لم يحمله من قبل: لم يحمل مفتاحًا، ولا كتابًا، ولا صورة رجل، بل حمل بابًا كاملًا، وحين سأله النهر إلى أين يمضي، أجابه الباب: إلى الإنسان الذي لم يكتشف بعد أنه مغلق من الداخل.







