(أَنشرُ هذه القصيدة مساهمة في التوثيق للحركة الشعرية في البصرة في سبعينات القرن العشرين، ومصدري الوحيد هو ذاكرتي. والصورة المرفقة من أرشيف الصديق مهدي نمر الكناني)

مقداد مسعود

***************************************

على وجه من كنتُ أهوى

خيوطٌ من الحزن سمراءُ ترسم دربًا

إلى حيث أمسى الفراقُ من الحب أقوى.

 

تعلقتُ بالريح، أدمتْ أصابعُها وجهَ ذاكرتي

كان طيفُكِ ظلًا على راحة السُّحُبِ الغادية

وشيئًا من الدفء أَنعَسَني مرة ثانية.

 

لخولةَ دارٌ معالمُها شحبتْ مثلما تشحب الذكرياتْ

رأيتكِ عاريةً بين أطلالها ترتدين الندى

كان شعرُكِ ليلًا من العطر أَسكَرني

ثم، ما إنْ أفقتُ، تناءتْ منازلُنا

فانتظرتكِ في أعين البدو عامًا، وعامًا

إلى أن تَمَزَّقَ صمتُ الرواة

فقالوا: وما كان يُغريكَ في حب خولةً

قلت: لخولةَ ما ليس للأخرياتْ.

 

وأنبأني صمتُ عينيكِ أنَّ الأخلّاءَ أتعبَهم ندبُ ثأري

وأن المشاربَ جلَّلها البردُ

بعد الليالي التي كان للحب فيها معانٍ كثيرة

أفارِقُكم رغم ما تدَّعون، فلستُ الأمير الذي باع سيفًا لأجل عيون الأميرة.

إذا ما أَفَقتُ على حزن عينيكِ، خولةً، أغضي حياءً

لأنّي البعيرُ الذي أفردتْهُ العشيرة.

 

يُبِلُّ الشارعَ ضوءُ المصابيحِ

تنزلقُ الصورةُ المستباحةُ عن وطنٍ

ضمَّ بين الجراح النديَّة

حروفَ التواريخ، فلنوقظِ الجرحَ،

إن الأيادي التي وهبتْ زيفَها لم تكن بالأيادي السخية.

تُساقُ المسافاتُ، تَقْصُرُ ما بين سيفٍ وسيفْ

ويلمعُ في أعين الخيل ومضُ الأملْ

ألا أيُّهذا الذي لامَني هل شَهِدْتَ عناقَ السيوفِ

وكيف تصير الدماءُ رُضابَ القُبَلْ؟

تكونُ أميرًا إذا ما رغبتَ ولكنْ أشكُّ بأن قد تكون البطلْ

لأن النداء، إذا ما احتوتْهُ البيارقُ، أيقنتُ أن المنادَى

هو الحاملُ الآن فوق الرؤوس الجبانة

سحابًا سيمطر ما إن تجف العروق، وما إن يبرقع بالزيف وجهُ الخيانة.

 

عيونُ القطا واحةٌ ناعسة

يُسجَّى بها الليلُ حينًا

وحينًا يباغتُنا الصبحُ بالأقنعة

بدأنا نزيِّفُ أوراقَنا، والرياحُ تفرِّق أحقادَها في الأزقةِ

عمرو بنُ هندٍ يفكر، يشحذ في مقلتيه السيوفَ الأخيرة

وها أنتَ تسقط بالغدر منحسِرَ الصدرِ

تجمع بين الرمال وبين الذي خلَّفتْه السيوفُ الأجيرة.

حملتَ على كفكَ الموتَ شوقًا

وعند المداخل صادَرَكَ الجندُ،

إن الدخول حرام لمن لا يبيع ضميره.

 

وألقاكَ في جنح أمسية غائمة

يعفّر وجهَكَ وحلُ السنين

أراك دماءً وشوكًا وطينْ

أراكَ، وماذا أرى غير أنكَ أولُ من ساوَمَ الفاتحين.

فأرقبُ منحدَرَ النهر، يضطرم الرملُ حدَّ التوقد، أُصلَبُ في ظل نخلة

يطالعني وجهُ خولةّ متشحًا بالضباب المبلَّلِ بالحزنِ،

إن التخيُّرَ يستنزف الوقتَ

بين الذي يُصبح الآن أصلًا

وبين الذي باع أصله.

 

البصرة 1974

• ولد محمد حسن علي في البصرة في 1951(؟). بدأ حياته السياسية بالانتماء إلى الاتحاد العام لطلبة العراق  ثم أصبح بعثيًا وابتعد عن الشعر. قُتل في حادث سيارة.