شاهدتُ في الأيام الماضية، على إحدى منصات الإنترنت، الفيلم الأمريكي Come With Me ــ (تعالَ معي)، وهو من أفلام الدراما النفسية والإثارة والجريمة. تبلغ مدته 109 دقائق، وبدأ عرضه السينمائي المحدود في الولايات المتحدة مطلع أيلول/سبتمبر 2026. الفيلم من إنتاج مستقل، وأخرجه الأمريكي هارون هارفي (مواليد 1980)، وشارك في كتابة السيناريو الكندي جوناثان كروم (مواليد1966)، ويُعد عملاً سينمائياً جريئاً؛ ففي ظل الأجواء القاتمة التي تخيم على الولايات المتحدة، لجأت قطاعات واسعة من وسائل الإعلام إلى أساليب الهروب من الواقع، بل وبعضها يروج للأوهام، بهدف تهدئة الرأي العام وصرف الأنظار عن القضايا المجتمعية الكبرى التي تتغلغل في شتى المجالات. وعلى النقيض من ذلك، يتبنى المخرج في هذا الفيلم نهجاً مغايراً تماماً، إذ وضع المشاهدين في مواجهة مباشرة وصادمة مع واحدة من أكثر القضايا إثارةً للقلق التي تواجه المجتمع الأمريكي.

لم أجد معلومات وافية عن التوجهات الفكرية أو الانتماءات السياسية لصنّاع الفيلم، لكنني، كمشاهد، لمست فيه رسالة واضحة بشأن الشعبوية وتأثيرها في المجتمع الأمريكي. ومع ذلك، أشار المخرج في أحد لقاءاته إلى أن فكرة الفيلم ارتبطت باهتمامه بحوادث العنف في أماكن العمل والمدارس، وبالمفارقة المتكررة التي يكتشف فيها المحيطون بالجاني، بعد وقوع الحادث، أنهم لم يتوقعوا منه ما فعل.

تدور القصة حول سايمون، الذي لعب دوره باقتدار الممثل الأمريكي ثيو روسي (مواليد 1975)، وهو من أصول لبنانية ــ سورية، وقدّمه لنا كرجل من الطبقة العاملة يعيش حياة عادية مع صديقته ريبيكا، أدت دورها الممثلة كيت فرينش (مواليد 1984)، ويعمل ويقضي وقت فراغه مع صديقه المقرب غاري، أدى دوره الممثل روني جين بليفينز (مواليد 1977). لكن اقتحام منزله وسرقته، ومشكلاته المتواصلة في العمل، ثم انتحار غاري المفاجئ تحت ضغط الديون ووفاة طفلته الوحيدة، تبدأ جميعها في تفكيك إحساس سايمون بالأمان. وتزداد نقطة التحول حين تطلب منه أرملة غاري مساعدتها في التخلص من مجموعة من الأسلحة التي تركها زوجها، فيجد سايمون نفسه، من دون أن يتوقع ذلك، وريثًا لأدوات عنف كان يرفضها في السابق.

في خلفية حياة سايمون الرتيبة، يتردد من مذياع سيارته صوت دالتون كيربي (الممثل رون بيرلمان ــ مواليد 1950)، مقدم برنامج "الأمة"، الذي يمنح الفوضى تفسيرًا جاهزًا: مجتمع ينحرف، ومؤسسات لا يُوثق بها، ونخب مسؤولة عن كل شيء، فيما يبقى الرجل العادي هو من يدفع الثمن. في البداية يستمع سايمون إلى دالتون كجزء من روتينه اليومي، ثم، بعد انتحار صديقه، يبدأ في الإصغاء إليه باهتمام أكبر، إلى أن يتبنى تدريجيًا الطريقة التي يفسر بها العالم. وهنا يتحول الفيلم من قصة رجل غاضب إلى دراسة في عملية تطرف تدريجية، تلعب وسائل الإعلام والخطاب الشعبوي دورًا أساسيًا فيها.

ما يلفت النظر أن الفيلم لا يقدم سايمون بوصفه متطرفًا منذ البداية. فبعض أسباب غضبه حقيقية: منزله تعرض للسرقة، والشرطة لم تستطع حمايته، ومشكلاته في العمل متكررة، كما أن مأساة صديقه ترتبط بضغوط اقتصادية وصحية حقيقية. لكن التحول يبدأ عندما لا يعود سايمون يكتفي بالسؤال: لماذا حدث هذا لي؟ وينتقل إلى سؤال آخر: من المسؤول عن كل هذا؟

عند هذه النقطة يصبح الغضب قابلًا للاستثمار السياسي. سايمون لا يبحث فقط عن حل لمشكلاته، بل عن قصة تفسر حياته كلها، ودالتون يمنحه هذه القصة جاهزة. فهو لا يصنع غضب سايمون، بقدر ما يمنحه لغةً، وتفسيرًا، واتجاهًا وخصوما. ومن الصعب عدم ملاحظة أن شخصية دالتون، تستعير بعض الآليات المعروفة في الخطاب الشعبوي المرتبط بدونالد ترامب تحديدًا: تمجيد (الرجل العادي الأبيض)، وانتقاد النخب والمؤسسات، والحديث عن الدولة العميقة، والإحساس بأن المؤسسات تخلت عن الناس العاديين، والدفاع عن الحرية التي يُنظر إليها باعتبارها مهددة، فضلًا عن بناء ثنائية حادة بين "نحن" و"هم". ومن هذه الزاوية يمكن فهم دالتون بصورة أكثر دقة. فالمظالم التي يعيشها سايمون ليست وهمية، لكن دالتون يعيد ترتيبها داخل سردية واحدة تجعل لكل مشكلة سببًا، ولكل سبب مسؤولًا، ولكل إحساس بالخذلان خصمًا. وهنا تحديدًا يظهر (الظل الترامبي) في الفيلم: من خلال الطريقة التي يمكن بها للخطاب الشعبوي أن يحوّل شعورًا حقيقيًا بالظلم إلى رؤية ثنائية للعالم.

ومع تزايد ارتباط سايمون بعالم دالتون، تصبح كل حادثة قابلة للتفسير وفق غضبه، ويتحول تدريجيًا من إنسان يشعر بأنه ضحية إلى إنسان يرى العالم كله بوصفه مؤامرة ضده. في المقابل، تمثل ريبيكا إمكانية العودة إلى الحياة الطبيعية وبناء الأسرة، لكن سايمون يبتعد عنها كلما ازداد التصاقه بخطاب دالتون. أما عنوان الفيلم، فهو مأخوذ من العبارة الأخيرة التي ينهي بها دالتون خطابه: (تعالَ معي). إنها دعوة رمزية؛ تعالَ وسأمنحك تفسيرًا لما يحدث حولك. في البداية يتبع سايمون صوت دالتون مستمعًا، ثم يتبنى لغته، ثم رؤيته للعالم، وفي النهاية يصل إلى العنف.

 وتأتي قوة الأداء في المواجهة الأخيرة بين سايمون ودالتون. فقد منح رون بيرلمان، الذي عرفه الجمهور في مسلسل الحسناء والوحش (1987 ــ 1990)، شخصية دالتون حضورًا طاغيًا، بينما اعتمد أداء ثيو روسي على التآكل الداخلي للشخصية أكثر من الانفعالات الكبيرة. نرى الغضب يتراكم في الصمت والنظرات والتوتر، إلى أن يصبح التحول النهائي نتيجة لمسار طويل: غضب، ثم عزلة، ثم فقدان ثقة، ثم سردية، ثم يقين، وأخيرًا عنف، بأداء مبهر ومثير للرهبة. وفي المشهد الأخير تنقلب العلاقة بين الرجلين إلى مفارقة عنيفة ودامية. فسايمون، الذي أمضى وقتًا طويلًا في الاستماع إلى خطاب دالتون، ينتهي إلى توجيه غضبه نحوه. يصل إلى مبنى الإذاعة مسلحًا وفق المنطق الذي تعلمه: إذا كان العالم تحكمه المؤامرات والخيانة، فلا أحد يبقى خارج دائرة الاتهام، حتى صاحب الخطاب نفسه. وهنا تبلغ فكرة الفيلم ذروتها: الخطاب الذي يمنح الغاضب تفسيرًا للعالم قد يفقد صاحبه السيطرة على ما يفعله هذا الغاضب بذلك التفسير.

ومنذ بداية الفيلم يشعر المشاهد بأن الإخراج والتصوير، في تعاملهما مع المساحات الداخلية وأجواء العمل والمنزل ومحطة الإذاعة، يفرضان إحساسًا متزايدًا بالضيق. وكأن العالم الذي يعيش فيه سايمون يضيق تدريجيًا، حتى لا يبقى أمامه سوى الصوت الذي يفسر غضبه، والطريق الذي يقوده في النهاية إلى العنف.

بهذا المعنى، لا يقدم (تعالَ معي) صورة مباشرة عن دونالد ترامب بقدر ما يقدم تأملًا في ظل الترامبية: كيف يمكن للغضب الحقيقي، حين يُعاد تفسيره عبر خطاب شعبوي يقوم على تقسيم العالم إلى "نحن" و"هم"، أن يتحول تدريجيًا من شعور بالظلم إلى يقين، ومن اليقين إلى عزلة، ومن العزلة إلى عنف.