تحت شعار "نعم للرفاهية لا الحرب"، تظاهر أكثر من 12 ألف ناشط في العاصمة البلجيكية بروكسل عصر 14 حزيران الجاري احتجاجًا على سياسات التقشف القسري المتزايدة والتصعيد العسكري المتسارع في أوروبا. نُظمت المظاهرة من قبل تحالف "أوقفوا إعادة تسليح أوروبا"، وهو تحالف أوروبي يضم أكثر من 800 منظمة، والحملة البلجيكية "أوقفوا العسكرة". وشارك في التظاهرة طيف واسع من حركات السلام والحركات الاجتماعية، وحضور مؤثر لقوى اليسار الاوربي، بدءًا من النقابات العمالية والجماعات النسوية، وصولًا إلى نشطاء الصحة وحركة السلام، وأحزاب اليسار العاملة في حزب اليسار الأوربي، وحزب العمل البلجيكي، وحتى طلبة المدارس والجامعات، الذين احتجوا على التخفيضات المزمعة في نظام التعليم. إن كل يورو يُنفق على الأسلحة هو يورو أقل يُنفق على الرعاية الاجتماعية، ومثل ذلك القاسم المشترك، الذين حلوا في بروكسل، قادمين من بلدان اوربية متعددة. لقد جاب المتظاهرون شوارع محيط محطة بروكسل الشمالية وحي مؤسسات الاتحاد الأوروبي. واعتبر بعض المحللين التظاهرة الأكبر لمناهضة العسكرة في السنوات الأخيرة.

شخصيات يسارية بارزة

تحدث في التظاهرة كل من زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربين، والأمينتين العامتين لنقابتي العمال البلجيكيتين، سيلينا كاربونيرو فرنانديز وماري هيلين سكا، وشارك في التظاهرة رئيس حزب اليسار الأوربي فالتر باير والعديد من الشخصيات القيادية في الحزب وفي حزب العمل البلجيكي، بالإضافة إلى ممثلين آخرين عن التحالف المجتمعي الواسع. ورُفع شعار "لن ندفع ثمن حروبكم" في أكثر من موقع في التظاهرة.

جاءت التظاهرة للاحتجاج، بين أمور أخرى، على حزمة إعادة التسلح التي بلغت قيمتها 800 مليار يورو والتي أطلق عليها اسم "إعادة تسليح أوروبا"، وذلك قبيل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي المقبلة في العاصمة البلجيكية يومي 18 و19 حزيران ويأتي هذا في سياق أوسع يتمثل في زيادة نسبة الإنفاق التي حددها حلف الناتو بنسبة 5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للبلدان الأعضاء، والذي تمت الموافقة عليه قبل عام تحت ضغط من دونالد ترامب.

ضد سياسة الحكومة البلجيكية

انتقد التحالف حقيقة أن سياسات العسكرة والتصعيد تأتي على حساب دولة الرفاه والخدمات العامة. منذ تولي الحكومة اليمينية برئاسة رئيس الوزراء دي ويفر السلطة قبل عشرين شهراً، شهدت بلجيكا تظاهرات وإضرابات عامة، فضلاً عن العديد من التحركات الأخرى التي قامت بها الحركة العمالية البلجيكية القوية احتجاجاً على سياسات التقشف.

جاء في بيان التحالف البلجيكي المشارك في تنظيم التظاهرة: "نحن نعارض خطط الاتحاد الأوروبي لإنفاق 800 مليار يورو إضافية على التسلح، وهي أموال تُؤخذ من تخصيصات الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم والتوظيف وبناء السلام والتعاون الدولي والانتقال العادل والعدالة المناخية. تمامًا كما هو الحال في بلجيكا، حيث تُقدّم تخفيضات هائلة في الإنفاق الاجتماعي على أنها ضرورية، بينما يُقرّ إنفاق عسكري إضافي دون مناقشة".

ألمانيا مركزا للإمبريالية الأوروبية

وعدت حكومة المستشار فريدريش ميرتس بعد توليها السلطة، بزيادة الإنفاق العسكري والاستثمارات الاجتماعية والبيئية. وارتبطت هذه السياسة بارتفاع خطر تفكيك دولة الرفاه، الذي سيعني تصاعد حدة هذا الصراع في البلاد.

لهذا ركز المتظاهرون على خطر ظهور إمبريالية أوروبية جديدة، حيث تستعد أوروبا، وألمانيا في مركزها، لتدخلات عسكرية في منطقة الساحل الافريقي وغيرها من المناطق بهدف السيطرة على الموارد الاستراتيجية. وفي الحالة البلجيكية، تُظهر التحليلات أن جزءًا صغيرًا فقط من المعدات العسكرية المشتراة يُستخدم فعليًا لأغراض دفاعية.

بداية نهوض وتقارب

تُمثل تظاهرة بروكسل بدايةً لنهوض وتقارب بين الحركات الاجتماعية المناهضة لسياسة قضم المكتسبات الاجتماعية وتخفيض الإنفاق الاجتماعي، وحركة السلام المناهضة لسياسات الحروب والعسكرة. لقد أشار ديفيد بيستيو، نائب رئيس حزب العمل البلجيكي ونائب رئيس حزب اليسار الأوروبي إلى تقارب هاتين الحركتين المستقلتين تمامًا.  ومن المرجح أن يتطلب هذا التقارب قدرًا كبيرًا من المثابرة. فالتظاهرة هي نقطة انطلاق لنضال أطول يتطلب الكثير من العزيمة، وأن تنوع المنظمات التي توجهت إلى بروكسل يبعث على الأمل. وبفضلها، تم وضع الأساس لحركة سلام قوية وناجحة.

وأكد فالتر باير، رئيس اليسار الأوروبي، على أهمية هذا الأمر. فالمعركة ضد التسلح، التي تهدف إلى جعل القارة بأكملها "جاهزة للحرب" وتحويل جميع الموارد المتاحة من التعليم والصحة والأنظمة الاجتماعية إلى التسلح والجيش، هي "الاختبار الحقيقي لليسار في أوروبا". وستتناول قمة الاتحاد الأوروبي يومي 18 و19 حزيران الجاري، مشروع ميزانية الاتحاد الأوروبي متعددة السنوات، والذي يقترح زيادة الإنفاق الدفاعي خمسة أضعاف، من 26 مليار يورو إلى 131 مليار يورو. ويصر باير على أنه "يجب اتخاذ إجراءات لمواجهة هذا المشروع". في مؤتمره الأخير في منتصف نيسان الفائت في بروكسل، دعا حزب اليسار الأوروبي إلى حل لناتو لصالح نظام أمني أوروبي. كما طالب بسحب الأسلحة النووية الأمريكية من أوروبا وتوقيع معاهدة حظر الأسلحة النووية من قبل الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. وجاء في "الوثيقة السياسية" التي اعتمدها مؤتمر الحزب: "إذا توحدت الحركة العمالية وحركة السلام، فسيكون التغيير الحقيقي ممكناً".

اتساع المواجهة والاحتجاج

يتزايد التضامن على المستوى الأوروبي. ففي 11 حزيران الحالي، دعان الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال، ولجنة العمال، والاتحاد العام للعمال في إسبانيا إلى تظاهرة في مدريد احتجاجًا على التخفيضات المتزايدة في الإنفاق، مطالبين صراحةً بالسلام. وسيُعقد يوم 21 حزيران الجاري، مؤتمر عالمي مناهض للحرب في لندن، بدعوة من منظمات رئيسية في حركة السلام، بالإضافة إلى نقابات عمالية، بدءًا من نقابة عمال السكك الحديدية وصولًا إلى نقابة "يونيسون"، أكبر نقابة عمالية في بريطانيا، والتي تُمثل، من بين جهات أخرى، العاملين في قطاع الصحة البريطاني الذي تعرّض لتخفيضات حادة.

بالإضافة إلى ذلك، من المقرر تنظيم العديد من الفعاليات المناهضة للحرب في أنحاء أوروبا خلال الأسابيع المقبلة. وتشهد القارة حاليًا احتجاجات ضد قمة مجموعة السبع، والتي تستهدف أيضًا الحروب التي تشنها دول المجموعة. وستبدأ في اليونان موجة احتجاجات ضد الناتو. ومن المقرر عقد قمة سلام مناهضة للإمبريالية في 4 تموز في إسطنبول، تمهيدًا لقمة الناتو المقرر عقدها في السابع والثامن من تموز في العاصمة التركية أنقرة. كما يُعدّ النضال ضد العسكرة موضوعًا رئيسيًا في المدرسة الصيفية الماركسية، التي يعقدها معهد الدراسات الماركسية في بروكسل بمدينة شارلوروا خلال 10 – 12 تموز. وبعد انتهاء تظاهرة بروكسل، اجتمع ممثلو الجهات المنظمة أيضًا للتخطيط لاحتجاجات الخريف. وقد بات واضحًا أمر واحد: لا يمكن السماح لأوروبا بالعسكرة دون رادع أو مقاومة..