
في تموز/يوليو 1921، وفي بيت متواضع بالحي الفرنسي من شنغهاي، انعقد المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الصيني، ممثلا بضع عشرات من الأعضاء في بلد شاسع مثقل بالإذلال والانقسام. وحين داهمت الشرطة الاجتماع، أتمه المؤسسون على متن زورق في بحيرة الجنوب بجياشينغ. لم يكن في المشهد ما يوحي بأن تلك الومضة الصغيرة ستغدو، بعد قرن وخمسة أعوام، قوة تعيد رسم مصير خمس البشرية. غير أن أهمية تلك اللحظة لا تكمن في رمزيتها اللاحقة فحسب، بل في معناها النظري: لحظة هبوط نظرية كونية إلى تربة بعينها، لتختبر قدرتها على أن تتحول إلى فعل تاريخي حي.
كانت الصين يومذاك خارجة من قرن من الإذلال: معاهدات مجحفة، امتيازات أجنبية، تدخلات استعمارية، وانهيار داخلي. وجاء قرار مؤتمر الصلح بعد الحرب العالمية الأولى، بتسليم امتياز اتشاندونغ الألمانية إلى اليابان بدل إعادتها إلى الصين، ليشعل حركة الرابع من أيار 1919. لم تكن تلك الحركة احتجاجا عابرا، بل يقظة فكرية لجيل يبحث عن أداة جديدة لتحرير أمة منكسرة. وفي هذا المناخ وصلت أصداء ثورة أكتوبر إلى الصين كبشارة تاريخية: أن الشعوب المقهورة قادرة على صناعة قدرها بيدها.
لكن الماركسية لم تصبح قوة صينية لأنها نقلت كما هي من نصوص أوروبا أو من تجربة الاتحاد السوفيتي. هنا يكمن الدرس الأعمق: كونية النظرية لا تتحقق إلا بتعيينها في الواقع الملموس. وما عرف لاحقا بـ«صيانة الماركسية» كان شرطا لفاعليتها، وليس تنازلا عن الماركسية!
فالنظرية، إذا تحولت إلى قالب جاهز يفرض نفسه على الواقع، تفقد قدرتها على الفهم والتغيير. أما حين تقرأ كمنهج حي، فإنها تعيد إنتاج نفسها في كل تربة بحسب تكوينها التاريخي والاجتماعي.
دفع الحزب الشيوعي الصيني ثمن هذا الوعي من تجارب قاسية. ففي سنواته الأولى، وتحت تأثير النموذج الأوروبي وإرشاد الأممية، علّق عينيه على المدن والبروليتاريا الصناعية. لكن الصين لم تكن أوروبا. كان سوادها الأعظم فلاحين، وكانت قراها أكثر عمقا في تشكيل بنية المجتمع من مصانعها الناشئة. وحين انقلب الكومينتانغ على الشيوعيين في مذبحة شنغهاي عام 1927، وغرقت الانتفاضات في الدم، انكشفت حدود الخريطة المستعارة. لم يكن الطريق إلى الثورة في الصين يمر من المدينة أولا.. كان الطريق يمر من الريف!
هنا بدأت القطيعة الخلاقة. رأى القائد الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ في الحركة الفلاحية قوة قادرة على اقتلاع البنية القديمة، فكان الانسحاب إلى جبال جينغ غانغ، وبناء القواعد الثورية في الأرياف، وصوغ معادلة «محاصرة المدن من الأرياف». ثم جاءت المسيرة الكبرى، بوصفها ملحمة صمود وبوصفها كذلك لحظة ولادة سياسية وفكرية. وفي مؤتمر تسوني عام 1935، حسم الحزب اتجاهه حين قدّم قيادة تقرأ الصين بعينيها.
وفي ينان نضجت التجربة نظريا. هناك تبلورت كتابات ماو حول الممارسة والتناقض والديمقراطية الجديدة، وهناك أصبحت «صيننة الماركسية» برنامجا واعيا. جوهر ذلك أن الطريق إلى الاشتراكية لا يمر عبر نموذج واحد صالح لكل المجتمعات. كل شعب مدعو إلى قراءة تكوينه الخاص، واكتشاف دربه. وهذا درس لا يخص الصين وحدها، أنه يخاطب اليسار في العالم وخاصة اليسار العربي مباشرة: الوفاء للماركسية من خلال إعادة التفكير فيها في ضوء واقعنا.
ميزة التجربة الصينية أنها لم تفصل بين التحرر الوطني والثورة الاجتماعية. في بلد شبه مستعمَر وشبه إقطاعي، كان الفصل بين تحرير الأرض من الأجنبي وتحرير المنتج من المستغِل ترفا نظريا. وحين اجتاحت اليابان الصين عام 1937، صاغ الحزب جبهة وطنية متحدة، وخاض حرب المقاومة، مكتسبا شرعيته العميقة من موقعه في الدفاع عن الأمة. هناك التحم سؤال الوطن بسؤال الخبز، وصار تحرير الأرض من الغريب متصلا بردها إلى من يفلحها.
أما الامتحان الأكبر فجاء بعد انتصار الثورة: بناء الدولة. وهنا تظهر خصوصية التجربة الصينية بوصفها تجربة دولة تنموية منتجة، قادرة على توجيه الفائض الاجتماعي نحو التصنيع والبنية التحتية والتعليم والبحث.
وبهذا المعنى، لم يكن «الإصلاح والانفتاح» منذ 1978 مجرد ارتداد إلى السوق، إنما استخداما مضبوطا لآليات السوق تحت سلطة سياسية موجهة. السوق هنا أداة، لا قدرا؛ والخطة لم تختف، بل أعادت تشكيل علاقتها بالاقتصاد.
لكن بقاء الحزب الصيني أكثر من قرن لا يفسره البناء الاقتصادي وحده. ثمة سر تنظيمي: مركزية ديمقراطية فعالة، قدرة على التصحيح، وصلات حية مع الجماهير.
الدرس الاخر الذي قدمه الحزب الشيوعي الصيني يقول: أن الحزب الذي يدوم هو ليس الذي لا يخطئ، بل هو الذي يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار. من تسوني إلى ما بعد 1978، كانت القدرة على «التماس الحقيقة من الوقائع» لا من النصوص المحفوظة شرطا للاستمرار. وهذا درس مباشر لكل حزب شيوعي يريد أن يبقى حيا: التنظيم أداة وليست صنما، والتصحيح قوة لا فضيحة، والجماهير مصدر السياسة.
ومع صعود الصين اليوم، يتسع الأفق العالمي. لم يعد عالم القطب الواحد كما كان بعد الحرب الباردة. تنامي بريكس، وتوسع التسويات بالعملات الوطنية، وبروز مؤسسات تمويل بديلة، كلها تمنح الجنوب العالمي هامشا أوسع للمناورة. لكن الحذر واجب: تعدد الأقطاب لا يعني تلقائيا تجاوز الرأسمالية، ولا يحرر الشعوب من تبعيتها بمجرد تبديل المركز. قد يتيح فرصة، لكنه لا يصنع التحرر بذاته. فالخلاص لا يأتي من الشرق كما لم يأت من الغرب؛ يأتي من قدرة كل شعب على بناء شروط استقلاله المنتج.
ولا تبدو الاشتراكية في التصور الصيني مشروعا ناجزا يغلق أسئلته عند حدود ما تحقق، أنها مسار طويل النفس، مرسوما على مراحل كما تؤكد وثائق الحزب وخطاب قادته. فالهدف المعلن للحزب الشيوعي الصيني هو «تحقيق التحديث الاشتراكي بصورة أساسية» بحلول عام 2035، ثم بناء الصين، بحلول منتصف القرن، كـ«دولة اشتراكية حديثة عظيمة» مزدهرة وقوية وديمقراطية ومتقدمة ثقافيا ومنسجمة وجميلة.
وهذا يعني أن الصين لا تطرح الاشتراكية بوصفها قطيعة خطابية مع التنمية، بقدر وصفها قدرة الدولة والمجتمع على تنظيم التحديث نفسه: اقتصاد أكثر إنتاجية، استقلال علمي وتكنولوجي أعمق، تحديث للريف والزراعة، توسيع للخدمات العامة، وتقليص للفوارق التي أطلقتها عقود النمو السريع.
وهكذا تبقى التجربة الصينية، في ذكراها الخامسة بعد المئة، فعلا تاريخيا مفتوحا، وتجربة قائمة. إنها تطرح أسئلة السوق والمساواة، الحزب والطبقة والدولة، الخطة والسوق، التنمية والاشتراكية.
وطرح هذه الأسئلة ليس انتقاصا من التجربة بقدر كونها احتراما لها بوصفها تجربة حية. لهذا لا نحيي التجربة الصينية بالتفكير فيها ومعها، وباستخلاص درسها الأهم: لا ثورة بلا طريق خاص، ولا ماركسية حية بلا جرأة على قراءة الواقع.
فتحية إلى الرفاق في الحزب الشيوعي الصيني وقائدهم الرئيس شي جي بين.







