في العديد من بلدان العالم تنتشر الصراصير بكثرة. في الهند. تجدها في مساكن الطلاب وفي الفنادق الفخمة على حد سواء، ولأنها تتكاثر بسرعة كبيرة، يلجأ اصدقاء الحيوان لاستخدام المبيدات للتخلص منها. لكن لا جدوى من ذلك؛ فسرعان ما تعود للزحف من جديد عبر أنابيب الصرف الصحي. ان هذه الصراصير لا تُقهر.

يبدو ان رئيس الوزراء الهندي اليميني القومي ناريندرا مودي، اجبر على استيعاب ما حدث.  لقد احتجت شبيبة "جيل زد" طيلة 36 يوماً، بقيادة حزب "الصراصير الساخر، الذي تأسس حديثاً في العاصمة الهندية نيودلهي ومدن رئيسية أخرى، إلى أن رضخت الحكومة أخيراً لمطالبتهم باستقالة وزير التعليم دارمندرا برادان.

احتجاجات جماهيرية

عشرات الآلاف من الطلبة والشبيبة تجمعوا في بارك  جانتار مانتار، الشبيه بـ هايدي بارك الشهير بلندن، رفعوا اللافتات ورددوا شعارات واغاني  الاحتجاج، بالمقابل استخدمت الشرطة الهراوات والغاز المسيل للدموع لتفريقهم. تقول  احدى قياديات  الاحتجاجات من   جامعة جواهر لال نهرو في دلهي ، والمشاركة في الاضراب  عن الطعام المصاحب للاحتجاجات: "لم يسبق لكثير منا أن شارك في احتجاج من قبل".  وعلى الرغم من ان عائلتها تدعم حكومة اليمين الهندوسي القومي، رافقتها والدتها، كغيرها من الأمهات، لتشد من عزيمتها. وتضيف: "لقد أدركنا أن السياسة تؤثر علينا جميعًا، حتى لو كنا نعتبر أنفسنا غير مسيسين".

يسود الإعلام والمثقفين الهنود المعارضين شعورٌ بالفرح لتمتع الأجيال الشابة بنضج سياسي، مقابل اخفاق الأجيال السابقة في خلق معارضة مؤثرة، لاختراق هيمنة " حزب بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي الحاكم، التي يسعى لترسيخها.

تراجع حكومي

أخيرا عمّت الفرحة أرجاء دلهي بعد 36 يوما من الاحتجاجات الشعبية التي نظمها حزب „كوكروش جاناتا" (الصراصير) الساخر، استقال وزير التعليم من حزب رئيس الوزراء مودي، بعد انذار، مدته 24 ساعة، وجه المحتجون. وعلى إثر ذلك، توصّل ممثلو حزب "الصراصير" والحكومة إلى اتفاق شامل بعد ثلاث جولات من المفاوضات.

وكان أشوتوش رانكا، أحد المتحدثين باسم حزب "الصراصير"، قد غرد على منصة "أكس": " تم قبول جميع مطالبنا. نطلب من المتظاهرين الانسحاب سلميًا" بعد المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده الطرفان وإعلان التنازل، أخلى النشطاء، ومعظمهم من الشباب، مخيم احتجاجهم في جانتار مانتار، أحد الشوارع الرئيسية في قلب نيودلهي، حيث استمر اعتصامهم لمدة 36 يومًا.

وعلى عكس ما حدث في بنغلاديش المجاورة قبل عامين تقريبًا، ونيبال في ايلول 2025، لم تُسقط هذه الاحتجاجات الحكومة. ومع ذلك، تعد استقالة وزير التعليم برادان، أول استقالة لوزير في الحكومة المركزية منذ انتخاب ناريندرا مودي رئيسًا للوزراء عام 2014. وقد كانت الاستقالة مطلبا رئيسيا للمتظاهرين، وقدمت الحكومة تنازلات أخرى. تتفق معظم وسائل الإعلام الهندية على أن مودي، الذي عادةً ما يكون متمسكًا بالسلطة، قد مُني بهزيمة كبيرة. ومن بين المطالب الأخرى التي تم تلبيتها إسقاط جميع التهم الموجهة ضد المشاركين في حركة الاحتجاج.

وقال سوراف داس، المتحدث باسم حزب "الصراصير"، في بيان: "أنهينا الاحتجاج بحسن نية". وأُعيد فتح محطات المترو التي كانت مغلقة. وعيّن مودي على الفور برالهاد جوشي، وزير الطاقة المتجددة وحماية المستهلك، وزيرا للتعليم بالوكالة. وهو الآن مسؤول عن تنفيذ الإصلاحات الموعودة. ومن المقرر إجراء تغييرات على عملية امتحان القبول في كليات الطب بدءًا من عام 2027، بهدف منع التلاعب.

السبب المباشر

اندلعت الاحتجاجات بسبب عملية فساد، أدت الى تسريب أسئلة امتحانات القبول المركزية في كليات الطب، مما دفع العديد من الطلبة المتقدمين إلى الانتحار. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت الحكومة إعادة الامتحان، ما يعني أن 3 مليون طالب اضطروا لإعادته. وانتحر نحو 20 طالبًا بسبب ضغط الامتحان والقلق. لقد أمضي هؤلاء سنوات في التحضير للامتحان للحصول على الفرصة وتحقيق تقدم ملموس في مستوى معيشتهم ودورهم الاجتماعي. لكن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك: فنظام التعليم الهندي وسوق العمل لا يلبيان احتياجات شريحة واسعة من الشباب، إذ يبلغ عدد الهنود دون سن 35 عامًا قرابة 950 مليون نسمة. وتلت ذلك دعواتٌ فورية لاستقالة وزير التعليم برادان. وفي حادثة منفصلة، شبّه رئيس المحكمة العليا الهندية، "سوريا كانت"، في احدى جلسات المحكمة الشبيبة العاطلة عن العمل في البلاد بـ"الصراصير". وأثارت هذه التصريحات غضبًا عارمًا بين الطلاب. وعلى إثر ذلك، أنشأ طالب هندي في جامعة بوسطن، يُدعى أبهيجيت ديبكي، صفحة على إنستغرام باسم "حزب الصراصير الشعبي"، والتي سرعان ما حصدت ملايين المتابعين

لقد أصبح ً حزب "الصراصير" الساخر، الذي ظهر فجأة، صوتاً للغضب الشعبي. والحزب ردة فعل ساخرة، استطاعت ببضع صور ساخرة سريعة الانتشار، تُظهر صراصير تُلقي خطبا أمام رموز وطنية كالبرلمان والعلم الهندي، ان تصل إلى ملايين الناس، وعاد مطلقها مباشرةً من الجامعة إلى دلهي ليقود الاحتجاجات.

لقد بلغ عدد متابعي "صراصير جاناتا" على إنستغرام الآن أكثر من 23 مليون متابع. وينتمي اليه أساسا جيل زد، على الرغم من أن قاعدته قد اتسعت بشكل كبير: فقد انضم إلى الاحتجاجات طلاب ومعلمون وأولياء أمور ومحامون وأعضاء نقابات ومزارعون.

عاد نشطاء "الصراصير" الى تقاليد النضال الوطني الهندي ضد الاستعمار البريطاني، وبهذا استطاعوا الوصول الى أوساط واسعة من السكان. ويمكن لشبيبة وطلبة العراق التمعن في هذه التجربة والعودة بدرجات واشكال مختلفة الى الصفحات المضيئة من نضالنا الوطني واغنائها بروح العصر وضروراته، لبناء حاضر أفضل لهم ومستقبل أكثر أمانا لأجيالنا القادمة.

واعتمد "الصراصير" السخرية بواسطة المنصات الالكترونية، وبدأوا يعيدون بث ويقلدون الأغاني الشعبية، والأناشيد الوطنية لحركة الاستقلال الهندية إلى جانب روائع الموسيقى الثورية. وهنا أيضا ربطوا الاحتجاجات بموروث نضال الاستقلال ضد الحكام الاستعماريين البريطانيين. وقدّمت معابد السيخ (غوردوارا) القريبة وجبات الطعام والإقامة للمتظاهرين، كما قدّمت المطاعم المجاورة الطعام مجانًا. وبدأت الحواجز المجتمعية الراسخة بين الأديان والطوائف تتلاشى.

بالإضافة الى ذلك حظي المحتجون بدعم سونام وانغتشوك، الناشط المعروف والبالغ من العمر 60 عامًا، وهو مصلح تربوي، نفذ إضرابًا عن الطعام لمدة 26 يومًا قبل أن تنقله الشرطة قسرًا إلى المستشفى. وانضم الية ستة طلاب من أعضاء رابطة طلاب عموم الهند، الجناح الطلابي للحزب الشيوعي الهندي (التحرير). والإضراب عن الطعام، هو أسلوب نضالي، ارتبط باسم الزعيم الوطني الهندي المهاتما غاندي.  كان المهاتما، الذي يحظى باحترام كبير في الهند وخارجها باعتباره "أبو الأمة"، أول من استخدم أسلوب الإضراب عن الطعام، حيث اضرب عن الطعام 18 مرة لفرض مطالب سياسية خلال النضال من اجل الاستقلال. واستمر أطول إضراب له عن الطعام 21 يومًا. والآن، اضرب الناشط البيئي والتعليمي سونام وانغتشوك فترة أطول، بلغت 25 يومًا. وقد ساهم هذا التحرك في نجاح الاحتجاجات في نهاية المطاف، إلى جانب الضغط السياسي الداخلي المتزايد باستمرار.

في المرحلة الأخيرة من الاحتجاجات، بدأ المتظاهرون مسيرة سلمية باتجاه البرلمان، لكنهم واجهوا عنفًا وحشيًا من الشرطة. استخدمت الشرطة الهراوات والغاز المسيل للدموع، بل وأطلقت الرصاص المطاطي على المتظاهرين وأُصيب عشرات المحتجين. وانتشرت مقاطع مصورة للهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أثار انتقادات برلمانية للشرطة. ووقعت إصابات أيضًا في وقت سابق عندما فضّت الشرطة اعتصامًا بدأه زعيم المعارضة البرلمانية راهول غاندي وأعضاء آخرون في حزب المؤتمر الوطني الهندي، بمن فيهم شقيقته بريانكا فادرا، أمام مقر إقامة رئيس الوزراء مودي. وقد اعتُقل زعيم المعارضة الأبرز ثم أُطلق سراحه في اليوم التالي.

لقد زاد انضمام قوى المعارضة البرلمانية، التي كانت مترددة في السابق، إلى الاحتجاجات الشعبية، بشكل شبه إجماعي، من الضغط على الحكومة. حتى أن بعض الأصوات طالبت باستقالة مودي نفسه، ومستشاره المقرب، وزير الداخلية أميت شاه.

وترى المعارضة، ان تنازل الحكومة جاء متأخرًا جدًا. فقد انتقد كابيل سيبال، عضو البرلمان عن حزب المؤتمر الوطني الهندي في مجلس الشيوخ، الحكومة بشدة يوم الاثنين لعدم تقديمها حلولًا ملموسة إلا بعد إنكارها للمشكلة، وبعد ممارسة الشرطة العنف. وما يزال مستقبل „حزب شعب الصراصير"، غامضاً. هل سيستمر كحركة أم سيُحلّ؟ في الوقت الراهن، يحتفل الحزب بما يسميه "انتصاره التاريخي".

جيل زد

كانت الاحتجاجات مدفوعة بشكل كبير بما يُسمى "جيل زد" - مواليد سنوات 1997 -2010. يُنسب إلى هذا الجيل، الذي نشأ مع وسائل التواصل الاجتماعي، الفضل في كسب تأييد الناس من جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية من خلال محتوى ذكي وساخر على هذه الوسائل. لقد طغى الكم الهائل من المحتوى المُنتج على الحجج الرسمية. ومع ذلك، ثمة سياق اجتماعي أعمق وراء ذلك.  لقد عبّرت سخرية القاضي سوريا من شبيبة الهند عن أفكار أفراد الطبقة الحاكمة، وبذلك تناسى اعداد الشبيبة الهائلة الذين يفتقرون إلى آفاق مستقبلية مضمونة. فوفق دراسة أجرتها جامعة "عظيم بريمجي"، تبلغ نسبة البطالة بين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 -25 عامًا 40 في المائة، وبين الفئة العمرية 25 – 35 عامًا، 20 في المائة. ووفقًا لتقرير التوظيف في الهند لعام 2024، الصادر عن منظمة العمل الدولية ومعهد التنمية البشرية في دلهي، فإن 83 في المائة من مجموع العاطلين عن العمل في الهند هم من الشباب. وتشير الدراسة إلى أن "الهند، بمتوسط ​​عمر يبلغ 28 عامًا، تُعدّ من أكثر الاقتصادات شبابا في العالم. ومع ذلك، ومع انخفاض نسبة الشباب تدريجيًا، تتضاءل فرصة الاستفادة من العامل الديموغرافي". ومنذ استقالة برادان، أوقف رئيس المحكمة العليا الاحتجاجات؛ وتم إخلاء موقع الاحتجاج الأصلي في جانتار مانتار بالكامل. ومع ذلك، لم يتحسن الوضع الاجتماعي للمحتجين. ولهذا لا يمكن استبعاد عودة الاحتجاجات مستقبلا.

ما أكدته الاحتجاجات

أشار العديد من المحللين ان الاحتجاجات اكدت عدة حقائق لعل اهمها:

استطاع جيلٍ شابٍّ محاسبة الحكومة ومؤسسات الدولة على وعودها، واستخدم الوسائل الديمقراطية لتحقيق ذلك، كالفكاهة والعرائض والاعتصامات. لذا، فان التقاليد الديمقراطية، عندما تكون حقيقية، تمثل سلاحا ناجحا للدفاع عن الحقوق المشروعة. مع ذلك، فإن الطريقة التي عُومِل بها المتظاهرون في الأيام الأخيرة، على سبيل المثال، استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، أو إخلاء مخيم الاحتجاج، تؤكد ضرورة الدفاع عن المؤسسات والحقوق الديمقراطية وقطع الطريق على محاولات تحجيمها، او الغائها.

تكمن المشكلة في القدرة الحقيقية للدولة وهياكلها الاقتصادية. على الورق، تُعدّ الهند قصة نجاح: فهي أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا في العالم، وتشهد أسواقها المالية ازدهارًا، وهي دولة رقمية. لكن هذا النمو يُوصف من قِبل الاقتصاديين بأنه هرم، قطاعه العلوي تشكله خدمات تكنولوجيا المعلومات، والقطاع المالي، والسلع الاستهلاكية الفاخرة، والتكتلات الاقتصادية الكبرى، ويشهد نموًا هائلًا. أما القطاع السفلي فيتشكل من الزراعة، والقطاع غير الرسمي، والاستهلاك الجماهيري، يسوده الركود منذ سنوات.  وما زال قرابة نصف القوى العاملة تعمل في الزراعة، والغالبية العظمى من الموظفين يعملون في القطاع غير الرسمي، أي دون عقود عمل أو ضمان اجتماعي.

وتكمن المشكلة الأساسية في محدودية إمكانية التوظيف. يعتمد نموذج النمو في الهند على الخدمات ورأس المال، ولكنه لا يُوفر سوى عدد قليل جدًا من الوظائف الجيدة لـ 10 – 12 مليون شاب يدخلون سوق العمل سنويًا. وهذا يزيد بشكل كبير من تكلفة الوظائف القليلة الآمنة الموجودة. وتشمل الوظائف الحكومية والمهن التي تتطلب شهادة طبية، وهي وظائف تُوفر دخلا جيدا، وموقعا مرموقا في السلم الاجتماعي. لهذا السبب تحديدًا، أحدث تسريب أسئلة القبول أثرًا بالغًا: ففي ظل تنافس الملايين على أقل من 150 ألف مقعد في كليات الطب، لا يُعد هذا الامتحان مجرد اختبار عادي، بل هو العقبة الرئيسية للوصول إلى أعلى مستويات كليات الطب. وإذا ما تم التلاعب بهذا الامتحان، فسيشكك جيل كامل في مفهوم الارتقاء الاجتماعي في بلدٍ، كالهند، يعاني أصلًا من توتراتٍ حادة نتيجةً لتاريخه الاستعماري ونظام التراتبية الاجتماعية السائدة فيه. تمتلك الهند عائدًا ديموغرافيًا هائلًا، إلا أنه ليس أمرًا مفروغًا منه، بل هو فرصة سانحة. ولن يُؤتي ثماره إلا إذا ما تم تحويل التعليم والامتحانات وسوق العمل إلى ميادين إنتاجية حقيقية. هذه الفجوة بين الطموح وقدرة الاقتصاد على استيعاب المواهب هي القضية الحاسمة بالنسبة للهند، وكذلك بالنسبة لبعض المجتمعات الاخرى من الناحية الهيكلية، حيث لم تعد المؤهلات التعليمية الجيدة تضمن تلقائيًا وظائف جيدة.

تُعد الهند شريكًا رئيسيًا واقتصاديًا وجيوسياسيًا للعديد من بلدان العالم، على سبيل المثال، من خلال اتفاقيات التجارة الحرة، وسلاسل التوريد، والعمالة الماهرة، والترابط الاقتصادي المتزايد بين الهند والشركاء، لذا فان هذه الاحتجاجات تعكس مدى أهمية توفر الفرص أمام جيل الشباب الهندي، التي ستؤثر بشكل كبير على استمرار النمو الاقتصادي الذي تعتمد عليه البلدان الشريكة أيضا.  وبالتالي، فإن معالجة مخاوف هذا الجيل ليست قضية هامشية.

احتجاجات عابرة للطوائف وهرميتها

تحولت أيام الاحتجاج (36 يوما) في وسط دلهي الى حدثاً سيصاحب التجربة السياسية لأغلبية المشاركين فيها.

كتب أجاز أشرف في صحيفة "ذا هندو": "خلال جميع زياراتي إلى ساحات الاحتجاج، وجدت نموذجاً مصغراً للأمة حيث تفوق أعداد الطبقة الدنيا (عمال وعمال خدمة) والداليت والسكان الأصليين بشكل كبير أعداد الطبقات المتميزة". التقسيم المشار اليه مستند الى نظام التراتبية المغلقة الاجتماعي (الطبقات) في الهندوسية، وهو منتشر أيضا في طوائف الديانات الأخرى داخل الهند، ويقوم على أساس وراثي بايولوجي.

تقول عالمة الاجتماع شروتي هاريلال: "إن الشعارات التي نرددها، والقادة الذين نذكرهم، والقصص التي نحتفي بها، كل ذلك يصبح تدريجياً جزءاً من مخيلتنا الجماعية".  وما كان شعارا لطائفة او فئة في الهرم الاجتماعي، وحكرا لها لفترة طويلة، أصبح يُرفع الأن من قِبل أناس من خلفيات متنوعة. وتحول الى مادة حوار شعبي واسع.

ووصف أحد الشبيبة المحتجين في مساهمة له على موقع ريديت الوضع بالشكل التالي: "هناك أزمة بطالة حادة، ومع ذلك يبدو أن كل شركة ومؤسسة تعاني من نقص في العاملين. يزداد الأغنياء ثراءً ويزداد الفقراء فقرًا. والفساد مستشرٍي، ولا أحد يكترث. والحصول على وظيفة حكومية يكلفنا ثروة طائلة. عندما أفكر في مستقبلنا، يبدو كل شيء ميؤوسًا منه".

لقد اعتمدت جميع الحكومات الهندية على عقيدة الليبرالية الجديدة، التي تدعي، أن النمو الاقتصادي سيزيد الجميع رفاهية. وعلى الرغم من أن الهند، ومنذ سنوات، تُعدّ أسرع الاقتصادات نموًا في العالم (بمعدل 7,7 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي حاليًا)، إلا أن التفاوت يتزايد، كما هو الحال في جميع أنحاء العالم. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة أوكسفام العالمية عام 2023، يمتلك أغنى 1 في المائة من السكان أكثر من 40 في المائة من مجموع ثروة البلاد، بينما لا يمتلك النصف الأفقر سوى 3 في المائة فقط.

لقد انتفضت شبيبة   الهند بوقت متأخرا نسبيًا. مقارنة بجيرانه في سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، حيث أطاحت احتجاجات طلابية – شبابية مشابه في أعوام ٢٠٢٢ -٢٠٢٥، بحكومات هذه البلدان. نحن ازاء: شباب متعلمين يفتقرون إلى الفرص، بينما يرون في الوقت نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي الإمكانيات الخرافية للأثرياء.

غياب الثورة الاجتماعية

 شكلت الحكومة فريق عمل مستعجل برئاسة رجل الأعمال ناندان نيلكاني، مؤسس شركة إنفوسيس لتكنولوجيا المعلومات، لغرض إصلاح نظام امتحانات القبول بالجامعات المركزية. يقول سوريندر س. جودكا، أستاذ علم الاجتماع في جامعة جواهر لال نهرو: "كانت هذه مجرد لحظة عابرة، وليست ثورة اجتماعية. يجب أن يكون نظام التعليم شفافًا وخاضعًا للمساءلة". ويشاركه هذا الرأي أميتاب ماتو، أستاذ العلوم السياسية الدولية في نفس الجامعة: "لا يمكننا أن نتوقع من الطلاب الإيمان بالجدارة عندما تستغل المؤسسات ثقتهم بشكل منتظم. ستكون مهمة اللجنة برئاسة نيلكاني إنشاء نظام امتحانات قبول خالٍ من الغش. أما مهمة الجمهورية فهي أكبر: يجب أن تثبت جدارتها بالثقة التي يوليها لها جيل الشباب".

ويرى ناشطو حركة "الصراصير الامر على هذه الشاكلة أيضا،. تقول سونا مالك، البالغة من العمر 17 عاماً، والتي شاركت في الاحتجاجات وتطمح لأن تصبح محامية: "استقالة وزير التعليم ليست النهاية، بل البداية. سنعود إذا حدث شيء ما في المستقبل". في غضون ذلك، يُبقي مؤسس حزب "الصراصير"، أبهيجيت ديبكي، وفريقه الباب مفتوحاً أمام إمكانية تحويل الحركة الساخرة إلى حزب حقيقي.

المصدر: مجموعة مقالات نشرت في صحف المانية يسارية