
يحتفل شعبنا العراقي اليوم بالذكرى الثامنة والستين لانتصاره المجيد في الرابع عشر من تموز ١٩٥٨، واجتراحه واحدة من أعظم المآثر في سفره النضالي الطويل، يوم خرج عشرات الآلاف من بناته وأبنائه في جميع المحافظات ليساندوا قواتهم المسلحة التي أطاحت بنظام غابت عنه الهوية الوطنية العراقية الجامعة، ومارس التمييز القومي والديني، واكتفى بتمثيل الفئات المستغلة وحرم الأغلبية من العمال والفلاحين والفئات الوسطى والبرجوازية الوطنية، من حقها في الثروة والمشاركة السياسية، وأحكم تبعية البلاد للدوائر الاستعمارية بمعاهدات استرقاقية، وأهدر الطاقات والأموال، وفشل في تأمين الحريات والخدمات ، وفي تحقيق التنمية.
وسريعاً، اكتسب ما جرى من تغيير ثوري سمات الثورة الشعبية، حين ساهمت فيه الجماهير الواسعة بقيادة القوى الوطنية المتحالفة في جبهة الاتحاد الوطني، فضلاً عما حققته ثورة ١٤ تموز من إنجازات كبرى أثبت أن هذا الحدث التاريخي يستحق أن يكون يوما وطنياً للعراق، لأنه كان يوماً للتحرر من الاستعمار البريطاني، ومن التبعية، ومن نير الأحلاف الاستعمارية، كحلف بغداد، ويوماً لإطلاق الحريات العامة والنقابية، وتحرير السجناء، وعودة المنفيين، ولتحرير العملة الوطنية من التبعية للكتلة الإسترلينية، والثروة النفطية من هيمنة الشركات الاحتكارية الاستعمارية.
كما كان الرابع عشر من تموز يوماً للعدالة، حيث قدّم الخدمات لجميع المواطنين، كزيادة الأجور وتشييد أحياء عديدة لسكن الكادحين، وتخفيض سعر الخبز وأجور المساكن والمحلات الصغيرة، ووفّر التعليم المجاني والتغذية المدرسية لجميع التلاميذ، والأرض الزراعية للفلاحين المحرومين، وضمن الرعاية الصحية المجانية للجميع، وحقوق المرأة في المساواة والتعليم والحماية من العنف الأسري.
واستحق أن يكون 14 تموز يوماً وطنياً لأنه ضمن وحدة العراقيين على أساس الانتماء للبلاد، والمشاركة المتكافئة في السلطة والثروة، وأشرك الملايين في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، واقر بشراكة العرب والكرد في الوطن، وعمل على تلبية العديد من المطامح المشروعة لمختلف الاطياف القومية والدينية.
وإذ يفتخر حزبنا الشيوعي العراقي بدوره المتميز في التخطيط للثورة وتنفيذها والمشاركة في انتصارها والدفاع عنها وحمايتها، فإنه يتبنى قراءة جريئة وعلمية لجميع العوامل الداخلية والخارجية التي سبقت الثورة ورافقت مسيرتها، ثم لعبت دوراً خطيراً في إجهاضها. ويستذكر، في هذا السياق، دروسها المهمة، وفي مقدمتها الارتباط الوثيق بين وحدة قوى الشعب الوطنية والديمقراطية وبين النجاح في تحقيق الاستقلال وحماية السيادة وبناء مجتمع يتمتع بالحرية والعدالة، خاصة بعد أن أثبت التاريخ أن تفرق هذه القوى واحترابها وفّر دوماً أفضل الفرص للقوى الإمبريالية وحلفائها المحليين، ومكّنهم من الإجهاز على حقوق الشعب واستعباد البلاد ونهب خيراتها.
كما اكدت انتكاسة الثورة أهمية الترابط الجدلي بين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، وأن القدرة على تحقيق التنمية والازدهار والاستقرار ستتراجع بقوة من دون تطور هذين العاملين بشكل متزن ومتوازن، ومن دون التخلي عن نزعات التفرد بالسلطة، وضعف الاعتماد على الجماهير، أو إنابة النخب أنفسها محل المجتمع في تأمين الحقوق أو الدفاع عنها.
إن حزبنا، إذ يحيي ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، ويطالب بإعادة الاعتبار لها كعيد وطني لجمهورية العراق، يستلهم من تجربتها العزيمة على إذكاء روح الكفاح لإحداث التغيير الشامل في البلاد، وذلك عبر تفكيك منظومة المحاصصة، وتخليص البلاد من التبعية السياسية والاقتصادية، ومكافحة الفساد، والشروع في عملية تنموية شاملة، تُضمن فيها الحريات العامة والخاصة، ويعاد فيها توزيع الثروة بشكل أكثر عدالة.
انها مناسبة لدعوة كل القوى المؤمنة بالتغيير للارتقاء بعملها وتنسيق جهدها في جبهة شعبية سياسية واسعة تقود نضال شعبنا نحو بناء عراق ديمقراطي اتحادي مزدهر.







