
تداول الأعلام العراقي والعربي والعالمي ترشح نوري المالكي لدورة رئاسة الوزراء القادمة في العراق من قبل الإطار التنسيقي الشيعي الذي يمثل شكليا " الكتلة الأكبر " بعد أن تم تسويف مفهوم الكتلة الأكبر واخضاعها لمفهوم المحاصصة الطائفية والأثنية، فهل المعضلة في شخص المالكي أم في منظومة الحكم التي أسس في ضوئها النظام بعد 2003.
تداول شخص نوري المالكي بتلك السعة والمساحة الواسعة في وسائل التواصل الاجتماعي وتصويره كبعبع خطير في حال استيزاره يهدد العراق بالفساد والفناء وعودة داعش استنادا إلى التجارب السابقة في حكمه وكأن الأمور كانت تسير على ما يرام ولم يحصل قبل المالكي وبعده سرقة الأموال والإهدار وانتشار السلاح المنفلت وضعف الأمن وتدهوره، نعم حقبة المالكي السابقة كانت إشكالية كبيرة ومن أتى بعده كان استمرار واعادة إنتاج لتلك الإشكالية.
فهل المشكلة في الأشخاص أم في طبيعة النظام المحصصاتي الذي أنتج واعاد تكريس كل هذا الخراب وان اتخاذ من المالكي شماعة لتحمليه مستقبل العراق القادم هي مجرد لتبرير الفشل الشامل الذي تتحمله كل احزاب الطوائف السياسية والأثنية وأن المالكي لا يمثل إلا عينة صارخة لحقبة ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري.
فاذا ما أتيحت الفرصة لأزاحته عن المشهد وانهاء طموحاته في ولاية ثالثة فهل سنشهد عراق جديد مختلف عن ما بعد 2003 أم انها مجرد حالات من الأسقاط السيكولوجي لتحميل المالكي فشل منظومة الحكم والهروب الى الأمام دون وضع اليد على مفاتيح الحل والتي تكمن في تغير طبيعة النظام المحصصاتي الطائفي والأثني.
نظام الحكم في العراق يعاني من أزمة مستدامة تتجاوز الانسدادات الظرفية، وتتمثل في عجز ديمقراطية المكونات (المحاصصة) عن إنتاج استقرار حقيقي، وغياب السيادة الكاملة، بالإضافة إلى فشل المؤسسات، وانتشار الفساد، ومحاولات الاستئثار بالسلطة، مما يبقي الدولة في حالة "أزمة هيكلية" دائمـة.
أبرز ملامح أزمة النظام السياسي في العراق:
أزمة بنية الحكم (المحاصصة): بدلاً من بناء نظام ديمقراطية المواطنة، حكمت البلاد محاصصة طائفية وقومية أفرزت استبداد الأحزاب الدينية والقومية وصراعات مستمرة على السلطة، مما جعل التوافق السياسي أداة للتعطيل لا للبناء.
عجز الدولة (السيادة المنقوصة): أزمة دولة لا تستطيع إنتاج سيادة مستقرة، وتعمل وسط توازنات هشة وتدخلات خارجية علنية (إقليمية ودولية)، مما يحول العراق إلى ساحة للصراعات.
الفشل المؤسساتي والفساد: انهيار في منظومة القيم والمؤسسات الحقيقية التي تحمي الثروات، حيث استبدلت الكفاءة بالولاء الحزبي، وتحولت الموارد لخدمة الأحزاب بدلاً من الدولة.
الانسداد السياسي في كل انتخابات برلمانية حيث غياب الكتلة الأكبر واللجوء إلى مساومات برلمانية تنتج بما يسمى الكتلة الأكبر لتغطية على عيوب النظام المريض.
الخطر الأمني والسلاح المنفلت: تهدد الميليشيات المسلحة خارج سيطرة الدولة استقرار النظام وسيادته، مما يكرس الفوضى ويضعف هيبة المؤسسات الرسمية.
الأزمة في العراق هي مزيج معقد من أزمة نظام سياسي بنيوي وأزمة أشخاص (نخب سياسية)، حيث ينتج نظام المحاصصة الطائفية نُخباً تفتقر للكفاءة. النظام السياسي القائم منذ 2003 يواجه مآزق، بما في ذلك عجز عن تشكيل حكومات مستقرة، استمرار النزاعات المسلحة، وضعف الخدمات، مما جعل المشكلة هيكلية تتجاوز الأفراد.
أزمة النظام (بنيوية):
نظام المحاصصة: أدى تقسيم السلطات على أسس عرقية وطائفية إلى ضعف المؤسسات وتغليب المصالح الحزبية على الوطنية.
غياب التكنوقراط: يفتقر النظام إلى تطبيق معايير الكفاءة، مما سمح بظهور إدارة شبه عاجزة.
سلاح منفلت: تماهي النظام مع الفصائل المسلحة يعيق بناء دولة القانون.
أزمة الأشخاص (النخب):
ضعف الخبرة والحكمة: غياب القادة المستقلين وذوي الخبرة في المشهد السياسي.
الفساد وسوء الإدارة: تدهور الأوضاع الخدمية والاجتماعية بسبب الفساد المستشري.
تدني الثقافة السياسية: تأثير الولاءات الأولية على خيارات المواطنين واختيار غير الكفوئين.
التغيير الحقيقي يتطلب إصلاحاً شاملاً للنظام ينهي المحاصصة، وتغييراً للأشخاص عبر تمكين كفاءات مستقلة بعيدة عن النخب التقليدية.
خلاصة القول، الأزمة في العراق ليست أزمة أسماء، بل هي أزمة نظام شاملة تتطلب إعادة بناء نقطة ارتكاز وطنية جامعة تخرج البلاد من نموذج "الدولة العازلة" أو "ذات السيادة المشروطة".
وعلى الرغم من أن النظام السياسي الذي تم بناؤه بعد احتلال العراق وفر إطارا ديموقراطيا من الناحية النظرية، إلّا أنه تحول في الممارسات العملية إلى نظام فرهود (محاصصة) يرتكز على اتفاقات المصالح المعتمدة على الطائفية والعرقية بين النخب السياسية في البلاد وهي حالة شبيهة بمن يبني دارا بهياكل أسمنتية ثم يعبئه بالرمل .
وفي هذا النظام، يتم تقاسم الوزارات والحكومات المحلية من محافظات وغيرها والوحدات الأمنية والجيش والشرطة ناهيك عن الحشد المحسوم هويته والبيشمركة من خلال المفاوضات بين المجموعات العرقية والطائفية. وبالتالي تصبح هوية الجماعات والولاءات الفرعية الطائفية والأثنية السياسية كأمرين حاسمين، بدلا من الكفاءة والمصلحة العامة.
هذا الهيكل لا يؤدي إلى إبطاء عمل الدولة فحسب، بل أيضا يمهد الطريق لانتشار الفساد. وبحسب بيانات نشرتها منظمات دولية مثل منظمة الشفافية الدولية، فإن العراق يعد من بين الدول الأسوأ أداء في فساد المؤسسات الحكومية فلا نستغرب من اهدار المال الذي بلغ أكثر من 1500 مليار دولار منذ سقوط النظام الدكتاتوري.
وفي هذا السياق، فإن القاسم المشترك الأساسي بين النخب السياسية هو الحفاظ على سيطرتها على توزيع الموارد وليس شرعية النظام أو آلية عمله. وبالطبع يؤدي هذا الوضع إلى الدخول في دائرة مغلقة لإعادة بناء الهيكل الجديد المتهالك نفسه بنفسه في إنتاج ذات الرداءة في الأداء ويؤدي إلى شحة وانحسار في اختيار الكفاءات لمنصب رئيس الوزراء وغيره.
وعلى تلك الخلفية المريرة فأن البلاد معبئة بخيارات مثل المالكي وغيره والمشكلة ليست بشخصه بل في إنتاج أشخاص كفوءة للخروج من المأزق وتأمين عراق متصالح مع ذاته وفي داخله مع مكوناته الدينية والثقافية والأثنية ومع محيطه الإقليمي والدولي والتركيز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والاستفادة من منجزات العلم للتقدم والرفاه بعيدا عن سياسية المحاور والخراب.







