تقديم:

منذ بداية المسيرة النضالية للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ظل سؤال يتردد في كل محطة مفصلية ومع  كل ذكرى سنوية: ما الذي تحقق؟ هذا التساؤل، وبغض النظر عن خلفية سائله، بحسن او بسوء نية أو بدوافع انتهازية، يبقى سؤالاً مشروعاً ومحقاً يستحق إجابة صادقة وشفافة من كل حزب عربي وفصيل فلسطيني.

لكن الأهم من النتائج المحققة، هو السؤال الأكثر جوهرية: ماذا تحقق من برنامج هذا الحزب أو ذاك؟ لأن معيار الحكم على اي برنامج هو في مدى قناعة الشعب به. وبالتالي، فان المحاكمة الموضوعية لأي برنامج السياسي هي التي تراعي مجموعة من العوامل المحلية والاقليمية والدولية، او ما يعرف عادة بـ "موازين القوى". والأهم من ذلك، ان البرامج السياسية للاحزاب، حين يتم اعلانها، تصبح سلاح بيد الجماهير وليس بيد جمهور الحزب فقط؛ وما يستجد من تطورات فكرية أو سياسية أو تنظيمية يجب أن يطرح في إطار تطوير البرنامج القائم وليس صياغة برامج جديدة منفصلة عن الجذور الأصلية، كما يرد على ألسنة بعض المثقفين والنخب السياسية، في سياق المناكفات السياسية المعتادة التي نشهدها على الساحة الفلسطينية. والا نكون امام انقلابات سياسية وفكرية وتنظيمية متكررة، تحت عناوين "التجديد" او "الاصلاح".

على المستوى العربي، يمكن للأحزاب السياسية اجراء مراجعات شاملة، تطال البرامج السياسية بمختلف عناوينها ومكوناتها، لكن على المستوى الفلسطيني، فالأمر يختلف جذريا نظرا لخصوصيته المعروفة. وما هو مطلوب من الحركة الوطنية الفلسطينية ليس برامج سياسية جديدة، بل تطويرات تكتيكية، تنطلق من قراءة الواقع المتغير بعين فلسطينية، بعيدا عن الإملاءات الخارجية أو التبعية للمحاور الإقليمية والدولية؛ ولأن البرنامج الجامع والموحد للحركة الوطنية الفلسطينية، هو برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، بغض النظر عن مدى التزام القيادة الرسمية للمنظمة به، هذا البرنامج ما زال يمثل القاسم المشترك لكافة الفصائل على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية والسياسية. لذلك، نحن لا نحتاج لبرامج سياسية جديدة، بل بالنضال من اجل دفع من خرج على البرنامج الوطني الجامع للعودة والالتزام به، باعتباره برنامج التقاطعات والقواسم الوطنية المشتركة التي لا غنى عنها لوحدة النضال الفلسطيني.

الجبهة الديمقراطية ومسار التجربة

نحن في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لسنا بمعزل عن سياق التقييم الموضوعي والمراجعة لخطنا وبرنامجنا السياسي. بل على العكس، فإن ثقافة التقييم الذاتي والنقد البناء تشكل جزءاً أصيلاً من ممارستنا التنظيمية والسياسية منذ الانطلاقة الأولى. وفي كل عام، وتحديداً في ذكرى انطلاقتنا التي تصادف قي 22 شباط، نقدم لشعبنا ما يشبه "جردة الحساب الشاملة" لمسيرة عام أو عامين، نستعرض فيها الإنجازات والإخفاقات بشفافية تامة. وفي هذه المرحلة بالذات، لا يستقيم أي تقييم موضوعي، إلا من خلال القراءة المتأنية لمقدمات وتداعيات حرب الإبادة الشاملة على القضية الفلسطينية بكل مكوناتها.

وعلى مدار مسيرتها الطويلة التي امتدت لأكثر من نصف قرن، قدمت الجبهة الديمقراطية تجربة يسارية وطنية متميزة وفريدة في تاريخ حركة التحرر الوطني الفلسطيني والعربي، حيث نسجت علاقات تحالف كفاحية مع مختلف الاحزاب العربية، في اطار سياستها الثابنة في النأي بالنفس بعيدا عن الصراعات السياسية الداخلية. وفي المقابل تمكنت من تقديم تجربة نجحت في التوفيق بين أمرين، كان البعض يعتبرهما متناقضين أو يصعب الجمع بينهما: سلاح المقاومة المسلحة من جهة، وسلاح الفكر والبرنامج الوطني والاجتماعي الشامل من جهة أخرى. وعلى هذه القاعدة، خاضت معاركها العسكرية والسياسية والجماهيرية بثبات ووضوح، مقدمة التضحيات الكبيرة من خيرة قادتها ومناضليها. وفي الوقت ذاته، رسخت موقعها الريادي كقوة وحدوية تقدم المصلحة الوطنية العليا على ما سواها من مصالح فصائلية ضيقة أو حسابات حزبية.

هذا التوازن الدقيق بين العمل العسكري والعمل السياسي، بين المقاومة المسلحة والنضال الشعبي، بين الوضوح الأيديولوجي والمرونة التكتيكية، شكل وما يزال يشكل إحدى أبرز خصائص الجبهة الديمقراطية التي ميزتها عن غيرها من الفصائل. وهنا تبرز ثنائية الدور النشط داخل الحركة الجماهيرية وفي اطار الدور الضاغط سياسيا من اجل الالتزام بقرارات المؤسسات الوطنية الجامعة في اطار منظمة التحرير.

الديمقراطية الداخلية كممارسة يومية

مثلت الجبهة الديمقراطية مكوناً وطنياً له بصمة على مستوى تطوير العمل السياسي الفلسطيني وإغنائه إنطلاقا من تجربتها على المستوى الداخلي. ففي كل محطة من محطاتها المؤتمرية، شكلت الجبهة إضافة هامة انعكست بشكل مباشر على سياساتها وبرامجها ومبادراتها وعلاقاتها الوحدوية مع الشعب الفلسطيني بمختلف مكوناته، في تأكيد مستمر على حقيقة العلاقة المتينة والصلبة بين الجبهة ومختلف المكونات الوطنية الفلسطينية في إطار وحدة وطنية جامعة وشاملة.

وهي لم تكتف بطرح شعارات الديمقراطية والدعوة إليها على المستوى النظري فحسب، أو بالمطالبة بتعميمها على حركتنا الوطنية ونظامنا السياسي. بل ترجمت ذلك في النظرية والممارسة، من خلال التزامها بدورية عقد مؤتمراتها في مواعيدها المحددة، ويشهد لها انها الفصيل الفلسطيني الأكثر التزاما بعقد مؤتمراته، التزاما بالنظام الداخلي. وخلال 57 عاماً من مسيرتها النضالية، عقدت الجبهة (12) فعالية مؤتمرية كبرى: (8 مؤتمرات عامة) و(4 كونفرنسات استثنائية)، وهو رقم يؤكد أن العملية الديمقراطية الداخلية هي جزء لا يتجزأ من نضال الجبهة وممارساتها اليومية، وليست مجرد شعار.

هذا الالتزام بالديمقراطية الداخلية يشمل أيضاً آليات اتخاذ القرار داخل الجبهة، حيث تُتخذ القرارات وترسم من خلال مؤسسات الجبهة المنتخبة، وليس من قبل فرد أو مجموعة ضيقة، كما يشمل حرية النقاش الداخلي وتعدد الآراء ضمن الإطار الوطني العام، والمحاسبة والمساءلة لكافة المستويات القيادية، وتداول المسؤوليات القيادية بشكل منتظم. ويسجل للجبهة حرصها الدائم على تثقيف كادرها وتزويده بالوعي السياسي والوطني، باعتبار ذلك جزء لا يتجزأ من مهمتها، كحزب، وعلاقتها بالجماهير.

إضافات نوعية للفكر الفلسطيني

وعلى المستويين السياسي والفكري، فإن الحديث عن إسهامات الجبهة الديمقراطية في المعادلة الفلسطينية يحتاج إلى دراسات مفصلة ومعمقة. إذ شكلت الجبهة حالة وطنية استثنائية، أضافت الكثير من الإسهامات النوعية إلى الفكر السياسي والاستراتيجية النضالية للشعب الفلسطيني. ومن أبرز هذه الإضافات الفكرية والسياسية التاريخية:

1) البرنامج الوطني المرحلي: الذي يستند إلى إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم وفقا لقرار الأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948. هذا البرنامج الذي أصبح لاحقاً برنامجا وطنيا جامعا، بعد ان تبنته منظمة التحرير الفلسطينية.

2) نظرية الانتفاضة الشعبية (المقاومة الشعبية): وهي نظرية نضالية متكاملة تمتزج فيها كل أشكال النضال الوطني المتاحة: العسكري والسياسي والدبلوماسي والجماهيري والثقافي، في إطار استراتيجية شاملة للتحرر الوطني. هذه النظرية التي طرحتها الجبهة الديمقراطية منذ السبعينيات، وجدت تجسيدها العملي الأبرز في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، التي شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ النضال الفلسطيني.

3) مفهوم الوحدة الوطنية كضرورة استراتيجية: انطلاقاً من قاعدة فكرية وسياسية راسخة مفادها أننا نعيش في مرحلة التحرر الوطني، وهي مرحلة تتطلب بالضرورة وحدة وشراكة وطنية حقيقية بين كافة المكونات السياسية والشعبية الفلسطينية، بعيداً عن الإقصاء أو الاستئثار بالقرار الوطني.

4) رفض سياسة التمحور: الرفض المبدئي والحازم لسياسة التمحور الداخلية والإقليمية والدولية، والتي غالباً ما يدفع شعبنا ثمنها سياسيا. هذا الموقف ينطلق من قناعة راسخة تتأكد صحتها يومياً في مجرى النضال الفلسطيني، والتي تتلخص في أن مساهمة أي فصيل فلسطيني وطنيا، مهما تعاظمت قيمتها، لا تقاس إلا بمعيار واحد فقط: مدى مساهمتها في الجهد الوطني الذي يبذله كل الشعب، في إطار مؤسسته الوطنية الجامعة، منظمة التحرير الفلسطينية، التي تجسد الرواية والشخصية والمطالب والأهداف الوطنية الفلسطينية.

منظمة التحرير الفلسطينية، رد الاعتبار ضرورة وطنية

حين نتحدث عن منظمة التحرير الفلسطينية، فنحن نقصد الكيان السياسي الفلسطيني الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وفي أذهاننا دائماً المطلب السياسي والشعبي الملح بضرورة رد الاعتبار لها، بعد أن أصبحت مؤسساتها الفاعلة خاوية من التأثير الحقيقي والقدرة على الفعل، وبعد أن صودرت صلاحياتها لصالح مؤسسات السلطة الفلسطينية من جهة، أو لصالح مراكز القرار في المنظمة نفسها من جهة أخرى.

هذا الواقع لا يمكن تغييره إلا من خلال الإصلاح الشامل للمؤسسات القائمة، بحيث تستعيد المنظمة دورها الريادي التاريخي وتضطلع بواجباتها كاملة تجاه تجمعات شعبنا الفلسطيني في كل مكان: في الوطن المحتل والشتات وبلاد اللجوء. فالمنظمة ليست منظمة للضفة الغربية وقطاع غزة فقط، بل هي منظمة تحرير لكل فلسطين ولكل الفلسطينيين أينما كانوا.

انطلاقاً من ذلك، ومن حرص الجبهة الديمقراطية على منظمة التحرير ومكانتها التمثيلية وشرعيتها التاريخية، عرفت الجبهة كيف تتعامل بمسؤولية عالية مع تناقضات معقدة ومركبة فرضت على الواقع الفلسطيني، وتعاطت بمرونة مع كل دورة من دورات المجلسين الوطني والمركزي، كل في ظرفه السياسي الخاص وخصوصيته الموضوعية والأهداف المتوخاة من انعقاده. فحضرت وشاركت بفعالية وإيجابية في دورات المجلسين الوطني والمركزي منذ العام 2015، وكان لحضورها ومشاركتها تأثير بالغ ومحوري في صياغة مواقف جامعة مثلت قاسماً مشتركاً حقيقياً ومطلباً وطنياً عاماً لكافة مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية. من أبرز هذه المواقف: الدعوة إلى الخروج النهائي من مسار أوسلو، والقطع مع ركيزتيه الأساسيتين: التنسيق الأمني مع الاحتلال، والتبعية الاقتصادية لإسرائيل، وإطلاق المقاومة الشاملة للاحتلال الإسرائيلي والاستيطان المتوحش.

في المقابل، قاطعت الجبهة وانسحبت في مناسبات أخرى عندما رأت أن المواقف التي تطرح لا ترتقي إلى مستوى التحديات الوطنية. مثال على ذلك: المقاطعة والانسحاب من جلسة المجلس المركزي الفلسطيني في دورته ال ـ32 في نيسان 2025، الذي هبط بسقف مواقفه كثيراً وبشكل مخجل عن المواقف التاريخية والثابتة لدورات المجلسين السابقة.

ولجهة المعالجات العملية والمبادرات السياسية، وعشية انعقاد الدورة الـ31 للمجلس المركزي الفلسطيني في عام 2022، أطلقت الجبهة الديمقراطية مبادرة سياسية شاملة ومتكاملة تضمنت مسارين متداخلين ومترابطين، ما زالت تحتفظ براهنيتها حتى اللحظة:

المسار الأول – الإصلاح المؤسسي: ضمان التمثيل الشامل الحقيقي والشراكة الوطنية الفعلية في كافة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، عبر دعوة المجلس المركزي لدورة استثنائية عاجلة، يتم فيها اعتماد حركتي حماس والجهاد الإسلامي رسمياً كفصائل كاملة العضوية في منظمة التحرير الفلسطينية، ويتم انتخابهما في لجنة تنفيذية موسعة تجسد التوافق الوطني الشامل، وتمارس دورها الفعلي كمرجعية قيادية موحدة ووحيدة للشعب الفلسطيني بكافة مكوناته خلال هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.

المسار الثاني – إنهاء الانقسام: إنهاء الانقسام في مؤسسات السلطة الفلسطينية، وإعادة توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سلطة وطنية واحدة، عبر السعي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية يقوم برنامجها السياسي على قرارات الإجماع الوطني التي تشكل فحوى برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ضمنها مخرجات اجتماع الأمناء العامين بين بيروت ورام الله - عام 2020.

 دور الجبهة في الحوارات والمبادرات الوطنية

ان لمسات وبصمات الجبهة الديمقراطية وإسهاماتها الفكرية والسياسية تبدو واضحة وجلية في الكثير من وثائق الحوار الوطني الفلسطيني المهمة، نذكر منها: وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) 2006، حوارات القاهرة المتعددة، حوارات الجزائر ورام الله وبيروت وموسكو، حوار بكين 2024، الذي أنتج واحدة من أنضج الوثائق التي خرجت بها الحوارات الداخلية الفلسطينية، لجهة حسم ثوابت الكيانية الفلسطينية بشكل واضح وصريح، والتوافق على هدف النضال الفلسطيني الأساسي، واعتبار قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية هي المرجعية القانونية للحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني.

ومن أبرز وأهم مبادرات الجبهة الديمقراطية في المرحلة الأخيرة، أنها كانت أول من امتلك الجرأة السياسية والوضوح الفكري في الحديث علناً عما يسمى "اليوم التالي" في قطاع غزة. فقدمت الجبهة مبادرة وطنية شاملة، بعد شهر واحد فقط من حرب الإبادة أكتوبر 2023، دعت فيها بوضوح إلى إعادة النظر الجذرية والشاملة بالواقع الفلسطيني المستجد، منطلقة من قاعدة مفادها أن معادلات الصراع والتوازنات الإقليمية والدولية ما بعد السابع من أكتوبر 2023 اختفلت وتغيرت، عما كانت عليه قبل هذا التاريخ، وأن هذا التغيير الجذري يفترض حتماً اعتماد رؤى وطنية فلسطينية شاملة ورؤية ترتقي بالمسؤولية الوطنية إلى ما يستجيب حقاً للاستحقاقات الحالية والمستقبلية الكبرى.

وأعادت الجبهة الديمقراطية التأكيد على هذه الرؤية في المذكرة المفصلة التي وجهتها إلى القمة العربية-الإسلامية المشتركة التي انعقدت في السعودية بتاريخ 11 نوفمبر 2023، والتي دعت إلى عقد حوار وطني فلسطيني شامل ملزم لكافة الأطراف بنتائجه ومخرجاته، حوار يقود إلى تشكيل إطار قيادي وطني موحد تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، يشكل المدخل الأساسي لإعادة بناء شاملة للنظام السياسي الفلسطيني، بحيث يكون قادراً على حمل أعباء استراتيجية كفاحية جديدة، تربط بشكل مباشر بين مستقبل الضفة الغربية – بما فيها القدس المحتلة – ومستقبل قطاع غزة، باعتبارهما معاً، يشكلان ارض الدولة الفلسطينية المستقلة.

لكن رغم كل هذه المبادرات والجهود الحثيثة التي بذلت، إلا أن غياب الإرادة السياسية لدى طرفي الانقسام، إضافة إلى الضغوط الخارجية، خاصة الأميركية والإسرائيلية، عطّل بشكل كامل تقريباً ترجمة ما تم التوافق عليه في الحوارات الوطنية.

لا نأتي بجديد عندما نقول: أننا نعيش نحن الفلسطينيين، مرحلة تاريخية، ليس من قبيل المبالغة وصفها بأنها الأصعب والأخطر في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي كله، وذلك لعدة أسباب موضوعية: وضوح المشروع الصهيوني التصفوي، وضوح الدعم الدولي للعدوان، ووضوح معسكر الرفض والمقاومة. كما ليس سراً القول: أن الحركة الوطنية الفلسطينية تعيش أزمة غير مسبوقة في تاريخها. صحيح أن هناك أزمات كبرى عصفت بالحالة الفلسطينية في مراحل سابقة من تاريخنا النضالي، غير أن تلك الأزمات، لم يتطلب حلها ومعالجة أسبابها سوى أسابيع قليلة أو أشهر معدودة في غالب الأحيان، ثم كانت الحركة الوطنية تعود إلى وحدتها وتماسكها.

لكننا الآن أمام واقع مختلف تماماً؛ انقسام عميق وممتد، لم ينتشر فقط في المؤسسات الرسمية، بل امتد ليطال المجتمع الفلسطيني نفسه، وانعكس على التحالفات البينية الداخلية، وعلى النسيج الاجتماعي، وعلى القيم الوطنية المشتركة، ما ينذر بتداعيات سلبية بالغة الخطورة على المدى البعيد إذا لم يتم تداركه بسرعة. لذلك، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية بكافة مكوناتها، لن تكون قادرة على التقدم إلى الأمام والانتقال إلى مرحلة جديدة من نضالها الوطني، إلا إذا تمكنت من تقديم إجابة واضحة على قضيتين متداخلتين ومترابطين: كيف ننجز وحدتنا الوطنية، وكيف نستعيد المبادرة السياسية، ونتوافق على استراتيجية وطنية تقارع المشروع الصهيوني. وهذا ما يخدم حالة التعاطف السياسي والشعبي على المستوى الدولي..

الإجابة على هذين العنوانين لن تكون ممكنة إلا من خلال تآزر الكل الفلسطيني؛ فصائل وقوى وطنية ومؤسسات مجتمع مدني ونخب فكرية ومثقفين وأكاديميين، في ورشة وطنية شاملة تنتج حلولا لكل الاشكالت المطروحة. وهذا ما يتطلب وضع قضية بناء الوحدة الداخلية الفلسطينية في مقدمة الاهتمامات الوطنية، كأولوية قصوى. فمع استمرار الانقسام.

لم نعد بحاجة لمزيد من الاتفاقات والوثائق الجديدة. فقد بات بين أيدينا الكثير من الوثائق المتقدمة جداً، وبعضها يصلح فعلاً كبرنامج عمل متكامل يوحد كل الشعب الفلسطيني بفئاته وشرائحه، ويوحد مؤسساته الوطنية والشعبية، في إطار واضح من الشراكة الوطنية الحقيقية التي من شأن الالتزام الجدي بها أن يعيد لحركة التحرر الوطني الفلسطينية قيمها وخصوصياتها. فلننفض الغبار عن تلك الوثائق الوطنية المهمة، ونذهب جميعاً، فصائل وقوى وطنية، لنضع آلياتها التنفيذية الواضحة والمحددة زمنياً، ولننطلق معا في مسار نضالي وطني جديد موحد، من شأنه أن يغير الكثير في موازين القوى القائمة حالياً لصالح القضية الفلسطينية.

في ختام هذه القراءة الشاملة لمسيرة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في ظل الواقع الفلسطيني الراهن، نقول: نقف أمام منعطف تاريخي؛ فإما أن نرتقي كفلسطينيين إلى مستوى التحديات الكبرى التي تواجهنا، وإما الإستمرار في الانقسام والتشرذم، مع كل ما يرافق ذلك من تدمير وتصفية لقضيتنا.

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بتاريخها النضالي الحافل وتجربتها الوطنية المتميزة، ستواصل نضالها الدؤوب من أجل تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية مترابطة: إنجاز الحقوق الوطنية المشروعة، رد الاعتبار الكامل لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية.  هذه الأهداف ليست خيالية، بل هي قابلة للتحقيق إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحقيقية والعمل الوطني الموحد.

فالتاريخ يشهد أن شعوباً كثيرة حققت حريتها واستقلالها، في ظل تحديات هائلة، والشعب الفلسطيني قادر على ذلك أيضاً. ويبقى المطلوب الآن: قرار وطني جماعي حاسم بإنهاء الانقسام، وتوحيد الصف، واعتماد استراتيجية نضالية موحدة، والتركيز على الهدف الأساسي: إنجاز الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بعيداً عن الحسابات الفصائلية الضيقة والمصالح الفئوية المحدودة.

شباط 2026