لا يمكن للسياسيين والسياسيات أن يخلقوا الأمل. فالأمل موجود أصلاً، وإن كان غالباً في صورة جنينية ومتناثرة. لذلك، تتمثل المهمة في ربط هذه الآمال بعضها ببعض، وتكثيفها، وجمعها ضمن يوتوبيات ملموسة، ثم تجسيدها في أشكال ممارسة ودّية وتضامنية.

استراتيجيات الأمل

كيف يمكن الحديث عن «الأمل» بشكل ذي معنى ومسؤولية في زمن رأسمالية الكوارث، أو حتى ــ كما أعلنت إحدى المواضيع الرئيسية للمؤتمر الاتحادي لحزب اليسار في مدينة كيمنتس الألمانية في أيار 2025 ــ «تنظيم الأمل» بوصفه مهمة لحزب يساري؟

إن سؤالي لا يهدف إلى نزع الشرعية عن التفكير في موارد الأمل لدينا، ولا عن تفعيلها أو تثبيتها. لكن في اقتصاد الانتباه الاستعراضي لعالمنا الرقمي، نحن دائماً مهددون بأن يتحول الحديث عن الأمل إلى مجرد تعويذة لفظية. وبصفته كذلك، لا يمكن له أن يكون فاعلاً على المدى الطويل، بل يخنقه توالي الهزائم المتوقعة، أو يتبدد وسط الهجوم اليومي لوعود السعادة الرأسمالية.

لذلك أقترح أن نبدأ التفكير في الأمل من نقيضه. فقد وصف أنطونيو غرامشي هذا النقيض بـ«تشاؤم العقل»، واعتبره المقابل الضروري لـ«تفاؤل الإرادة» (دفاتر السجن). وهذان الموقفان، اللذان يبدوان متعارضين ظاهرياً، يشكلان لديه وحدة لا تنفصم.

ليس من الصعب الإقرار بأن السير على هذا المسار يقودنا في الغالب إلى اليأس. فليس الأمر مقتصراً على الولايات المتحدة في عهد ترامب، ففي أوروبا أيضاً نجد أنفسنا عالقين في تشكيلة تبدو فيها أوليغارشية المجتمع البرجوازي، بل وحتى فاشية، شبه غير قابلة للإيقاف. ووفقاً لأولريش براند وماركوس فيسن (2024)، نحن نعيش مرحلة من الرأسمالية لم تعد التناقضات الاجتماعية فيها قابلة للمعالجة إلاّ عبر «تحول سلطوي للديمقراطية»، حيث لا يكون اليمين الراديكالي في كثير من الأحيان سوى «التعبير المتطرف عن مسار تُدفع به قوى برجوازية أيضاً في بعض مجالاته».

يفسّر فالتر بنيامين (1941) لوحة بول كلي «الملاك الجديد» (Angelus Novus) بوصفها «ملاك التاريخ»، الذي يُقذَف إلى الخلف، نحو المستقبل، بفعل عاصفة ما يُفترض أنه تقدّم، فيما «كارثة واحدة لا تكفّ عن تكديس الأنقاض فوق الأنقاض وقذفها عند قدميه».

نعيش اليوم، في حالة من العجز والذهول، كيف ترتكب إسرائيل في غزة إبادة جماعية، رغم التظاهرات الحاشدة وأشكال الاحتجاج الإبداعية (مثل أسطول الصمود)، إبادة لا يلوح لها أفق نهاية، حتى مع الإعلان عن وقف لإطلاق النار. ومنذ نشر واشنطن بوست في آب/أغسطس 2025 خطة بعنوان «صندوق إعادة تشكيل غزة، والتسريع الاقتصادي، والتحول»، بات معلوماً أن المشروع النيوكولونيالي لا تدفعه فقط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، بل تدعمه أيضاً كبرى شركات رأسمالية التكنولوجيا الفائقة. إذ يُخطَّط لإقامة «منطقة إيلون ماسك للتصنيع الذكي» في شمال غزة، و«ملاذ أميركي آمن للبيانات» في جنوبها، وعلى امتداد الساحل «ريفييرا غزة – ترامب» تضم نحو ست إلى ثماني «مدن حرّة»، على غرار تلك التي تتصورها إدارة ترامب للولايات المتحدة نفسها.

ويتولد الإحساس على نطاق واسع أن الحروب الدائرة اليوم، وتسارع سباق التسلح، يشكلان ــ لا سيما في ظل الكارثة البيئية ــ جريمةً بحد ذاتها، من دون أن يفضي هذا الإحساس حتى الآن إلى نشوء حركة سلام قادرة على وضع حدّ للهوس العسكري. لقد تحوّل دافع التراكم الرأسمالي إلى نزعة موت، تهدد بابتلاع الحضارة الإنسانية، ومعها المحيط الحيوي الذي يحيط بها ويجعل وجودها ممكناً.

على هذه الخلفية، يبدو من المجدي إعادة قراءة التشخيصات الزمنية المتشائمة التي قدّمها الجيل الأول من النظرية النقدية، والذي وصفه غوران ثيربورن بأنهم «المفكرون المظلمون للماركسية». ففي كتاب «جدل التنوير»، يرد أن الإيديولوجيا الجديدة لـ«صناعة الثقافة» تؤدي وظيفة مضاعفة وجود «مغلق بإحكام بلا فجوات»، ورفعه إلى «مملكة الوقائع» التي لا تقبل المساءلة (أدورنو/هوركهايمر). بل وأكثر من ذلك: بما أن الخاضعين يأخذون الأخلاق السائدة بجدية أكبر مما يفعل المسيطرون أنفسهم، فإنهم يطوّرون تجاه ما يُمارَس عليهم «حباً خبيثاً»، يسبق «فطنة» الأجهزة الإيديولوجية نفسها: «إنهم يتشبثون بلا تردد بالإيديولوجيا التي يُستعبَدون بها». وفي تشكّل الذات الذي تنتجه صناعة الثقافة، لا تعود «الشخصية» (personality) تعني سوى القليل، بالكاد أكثر من «أسنان ناصعة البياض، والتحرر من رائحة عرق الإبط ومن الانفعالات».

عن حقّ، وُجِّهت إلى النظرية النقدية من جهات عديدة تهمة افتراض بنية تعمية شاملة ومكتملة، تُقصي إمكانات الفعل الثقافي النشط، كما تستبعد إمكانات التفكيك التأويلي التخريبي والمقاوم. ويلخّص هربرت ماركوزه هذا المأزق بقوله إن أضعف نقاطها تكمن في «عجزها عن إبراز النزعات التحررية الكامنة داخل المجتمع القائم». ومع ذلك، وعلى الرغم من أحاديتها، فإنها تلتقط على نحو واقعي جانباً مهماً، هو أن فضاءات الإمكان يمكن أن تضيق، بل وقد تُغلَق تماماً. والتحليل الرصين مطالب بأن يأخذ مثل هذه الإغلاقات بالحسبان، من دون أن يحوّلها إلى مطلق.

وفي الواقع، يزخر التاريخ بشواهد على أن الأمل يمكن أن ينبثق في أحلك أزمنة انعدامه (مثل الصليب، الذي كان أَحطّ وسمٍ لعقوبة الإعدام في الإمبراطورية الرومانية، قبل أن يتحول إلى كاريزما لبداية مسيحية جديدة). وكما أن الأمل الوهمي يمكن أن يُسخَّر لخدمة الهيمنة، كذلك يمكن للتسامي الميتافيزيقي لفعل الصمود والاحتمال في أوضاع العبث وانسداد الأفق أن يُستخدم هو الآخر في تثبيت السيطرة. «فالإيديولوجيا وصناعة الثقافة تعملان دورياً على جعل انعدام الأمل أمراً مُؤنسناً جمالياً، وتحويله إلى علاقة بالعالم قابلة للاستهلاك».

نجد أنفسنا، إذن، أمام صعوبة مزدوجة. فمن جهة أولى، نواجه عدميّة واسعة الانتشار وعميقة الجذور، تخلّت عن أي أمل في عالم صالح للعيش، ولم يعد أصحابها يسعون إلاّ إلى اقتناص مكاسب خاصة لأنفسهم، أو يسقطون في عجزٍ مشلّ عن الفعل (الاكتئاب، تعاطي المخدرات، إدمان القمار، إلخ). ومن جهة ثانية، نُعرّض أنفسنا لخطر أن تبدو نداءاتنا إلى الأمل غير واقعية في ضوء موازين القوى الفعلية القائمة. فإذا كان الأمل، بحسب إرنست بلوخ، «أكثر الانفعالات الإنسانية إنسانية»، فإنه يتحول بسهولة، في غياب إمكانات التحقيق، إلى «أملٍ فارغ».

وفوق ذلك، في المجتمعات الطبقية التي تتحقق فيها التحررية وتحقيق الذات في الغالب على حساب الآخرين، المُبعدين من هذه الإمكانات، يكون الأمل نفسه مشقوقاً بتناقضات اجتماعية. فما يمثّل للبعض أملاً في النصر، والترقي الاجتماعي، والاعتراف، لا يكون بالنسبة لآخرين سوى أفق للانهيار، والبؤس، والازدراء.

نصادف لدى ماركس وإنجلز تناقضاً لافتاً. فمن جهة، يستخدمان تعبير الأمل في الغالب بدلالاته السلبية المرتبطة بالوهم ــ على سبيل المثال بوصفه «تمنّياً تقيّاً» يقف على النقيض من «المعرفة الأفضل» (الأعمال الكاملة لماركس وإنجلز، المجلد 1، ص 18). ومن جهة أخرى، أسهمت نظرياتهما، وكذلك الحركات والأحزاب التي استلهمتها، في إطلاق طاقات هائلة من الأمل، يمكن ــ من حيث الدينامية والكثافة ــ مقارنتها بالمسيحية المبكرة. ويتمثل الجوهر الأخلاقي لهذا الانفجار في طاقات الأمل في «الأمر القطعي القاضي بقلب جميع الأوضاع التي يكون فيها الإنسان كائناً مُهاناً، مُستعبَداً، متروكاً، محتقَراً».

ويرتبط بذلك نمطٌ من النقد يقوم على «النفي المحدَّد»، يتميز بأنه لا «يستبق العالم على نحو دوغمائي»، بل يسعى إلى العثور على «عناصر المجتمع الجديد» المتكوّنة في رحم المجتمع البرجوازي، والعمل على «تحريرها» (الأعمال الكاملة، مجلد 17، ص 343). والمقصود هنا أيضاً إرثٌ نقدي يكشف أن «العالم يمتلك منذ زمن طويل حلماً بشئ ما، لا ينقصه سوى أن يعي هذا الحلم كي يمتلكه امتلاكاً حقيقياً» (الأعمال الكاملة، مجلد 1، ص 346).

وعليه، فإن المطلوب هو ترجمة الآمال الحالمة إلى آمال واعية ومؤسَّسة. وإذا ما جُرِّد نقد ماركس لليوتوبيا من فائضه السجالي، فإن جوهره يتمثل في تطوير جهاز تحليلي يتيح التمييز بين الآمال الوهمية والآمال الواقعية.

غير أنّ القفزة التي أعلنها إنجلز «من اليوتوبيا إلى العلم» تبيّن أنها وهمٌ أحاديّ الجانب ذي نزعة عقلانية مفرطة، بل ويحمل في ذاته سمات يوتوبية. فقد انتقد إرنست بلوخ هذا الانتقال معتبراً أنه جرى على نحو متعجّل، «بحيث أمكن، مع السحابة، تصفيةُ عمود النار اليوتوبي أيضاً»، الأمر الذي أدى إلى «سوء تغذية الخيال الثوري». وعلى هذه الخلفية، ينبغي فهم كتاب بلوخ «مبدأ الأمل» بوصفه مشروعاً يسعى إلى تعقّب المضامين اليوتوبية التي جرى بترها في الماركسية الحتمية، بأشكالها المتنوعة، وربطها بالمنجزات التحليلية للنقد الماركسي.

ويقترح بلوخ توسيعاً نظرياً يستوعب الجانبين معاً: إذ يُعاد التعبير عن «النفي المحدَّد» في نقد ماركس بوصفه «تيار البرودة»، ويُعرَّف باعتباره تحليلاً ملموساً للشروط، يشمل نقد الإيديولوجيا و«نزع سحر المظهر الميتافيزيقي». وإلى هذا التيار التحليلي يدين الماركسية بكونها «علم الشروط وعلم المعارضة». أما «تيار الدفء»، فيتمثل في «النية التحررية» المتجهة نحو غاية بعيدة، يتحقق فيها تصالح الإنسان والعالم، بحيث لا يعودان غريبين أحدهما عن الآخر.

وفي هذا الأفق، يرتبط المجتمع والطبيعة غير البشرية عبر «تحالف طبيعي»، لا تعود فيه التقنية واقفةً في مواجهة الطبيعة كـ «جيش احتلال في أرض معادية»، بل تصبح قادرة على التوسّط مع «القدرة الإنتاجية المشتركة للطبيعة». «إن اجتماع البرودة والدفء في الاستباق الملموس وحده، هو ما يَحول دون فصل الطريق عن الهدف فصلاً لا جدلياً، ومن ثمّ تحويل كلٍّ منهما إلى شئ معزول ومُشيئ».

تحل محل التضاد المجرد للغاية بين اليوتوبيا والعلم، التمييز بين «اليوتوبيا المجردة» و«اليوتوبيا الملموسة»، حيث يتحقق تحسين العالم من خلال «عمل متدرّب داخل التوجهات الواقعية ومعها». ويهتم بلوخ هنا بتطوير أمل «مؤسَّس ومتوسط مع الممكن الواقعي». ولهذا السبب، لا يحدّد بلوخ الأمل فقط بوصفه شعوراً عاطفياً ــ «تأثير توقع» ــ بل أيضاً كـ «فعل توجيهي معرفي»، «قادر على التصحيح والتنقيح المنطقي والملموس». وبالتالي، يمكن تعلم الأمل.

وفقاً لبلوخ، فإن الأمل ليس مجرد شعور أو إدراك عقلي، بل هو أيضاً «موقع عالمي» إلى حد كبير غير مستكشف، أي أنه عنصر من عناصر الواقع ذاته. وبهذا يتحطم التضاد التقليدي بين الموضوع والموضوع عليه. وبمجرد أن يُفهم الواقع ليس بوصفه مجموعة من «الحقائق» وفق النظرة الوضعية، بل من منظور فلسفة الممارسة بوصفه مجموعة من العلاقات الطبيعية الاجتماعية التي تُفهم عملياً، فإنه يشتمل على الآمال بوصفها قوى دافعة للفعل.

تنطلق السياسة اليسارية أولاً من الآمال اليومية. ففي نظر أدورنو وهوركهايمر، يبدو الأمر محسوماً بأن القدرة التي شخّصها كانط على تحويل تعددية الانطباعات الحسية عبر آلية مسبقة إلى تصورات وأحكام، قد أُخذت من الموضوع بواسطة صناعة الثقافة. وبعبارة أخرى، لم يعد هناك ما يمكن تركيبه أو تصنيفه خارج ما هو مبرمج سلفاً.

في المقابل، يرى غرامشي أن الفهم الشائع في الحياة اليومية ليس «خاطئاً» ولا خاضعاً للتلاعب بشكل دائم، بل هو مركب ومتناقض، ويحتوي دائماً على نواة محتملة ضد الهيمنة، أي «الفطرة السليمة»، التي تتسم بالملاحظة الواقعية للواقع وروح التجريب، ومن شأن الفلسفة العملية أن تتصل بهذه الفطرة السليمة، لتقلّص أثر الإيديولوجيات في الفهم اليومي وتجعل هذا الأخير أكثر تماسكاً.

ويضيف بلوخ بعداً مهماً آخر، وهو عالم الأحلام اليقظة، الذي «يشطر حياة جميع البشر». وحتى «أكثر الأمنيات خصوصية وجهلاً يمكن إعلامها وربطها بمخططات اجتماعية كبيرة لحياة جيدة للجميع».

هنا يكمن الأمل الأساسي الهش للنظرية والممارسة اليسارية: أن البشر، حتى تحت هيمنة الآخرين، يواصلون تكوين خبراتهم الخاصة وتطوير تصورات عن حياة أفضل، يمكن ــ من حيث المبدأ ــ تحريرها من الغطاء الإيديولوجي السائد، وتطويرها إلى رؤية عالمية مقاومة ومستقلة.

لهذا، يُعدّ نهج حزب اليسار (Die Linke)، القائم على الذهاب إلى أبواب المنازل، والاستماع إلى الناس بدل تلقينهم، وتطوير الأولويات السياسية انطلاقاً من تجاربهم وتوقعاتهم، أكثر بكثير من مجرد استراتيجية انتخابية. فقط على هذا الأساس يمكن تحرير طاقات الأمل، وتعزيزها من خلال تكثيفها في المطالب، وتحريك الفهم اليومي نحو اليسار.

لا يمكن للسياسيين والسياسيات أن يخلقوا الأمل، فهو موجود أصلاً، وإن كان غالباً جنينياً ومنفرداً، ومن هنا تكمن الأهمية في كيفية ربط هذه البذور وتكثيفها. فعلى سبيل المثال، بعد إعلان جيريمي كوربين في 24 تموز/يوليو 2025 عن تأسيس حزب يساري مع زارا سلطانة، أبدى أكثر من 800 ألف من الموقعين دعمهم خلال شهر واحد، وهو واقع يمكن رصده تجريبياً وشرحه علمياً اجتماعياً. وينطبق الأمر نفسه على النصر اللافت للاشتراكي الديمقراطي زهران ممداني في انتخابات عمدة نيويورك، وأيضاً على حزب اليسار الألماني، الذي اعتُبر على نطاق واسع «ميتاً»، لكنه شهد في شباط 2025 في الانتخابات البرلمانية الألمانية «قيامة من الرماد».

في هذه الأمثلة تتجلى حركات انفجار الأمل. فهي ليست مصممة على الورق، ولا تنفجر في الواقع كحدث خارجي محض. والمشكلة تكمن في أنها جاهزة من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن تهيئتها بالكامل. حاول ألفونس ألثوسر، فهم هذا التناقض باستخدام مفهوم الإفراط في التحديد المستعار من فرويد، والذي يعارض الاستنتاج الحتمي السائد في الماركسية القائم على الاقتصاد، ويشير إلى تعدد التحديدات عبر مستويات مختلفة من الواقع. فالحركات تنشأ من ديناميات تتداخل بشكل معقد، وهذه التداخلات نفسها يمكن التخطيط لها بدرجة محدودة فقط.

لقد تم تصميم استراتيجيات التنظيم والمحادثات على أبواب المنازل التي أسهمت في نجاح حزب اليسار (Die Linke)  في الانتخابات البرلمانية الألمانية على مدى أكثر من عشر سنوات، واختبارها والترويج لها، دون أن تتحقق نتائج انتخابية ملحوظة في تلك الفترة.

ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، توافرت عدة شروط ساعدت على تحقيق تجميع غير متوقع لهذه الاستراتيجيات ــ ولكن ليس «من تلقاء نفسها»، بل لأن الفاعلين تمكنوا من اغتنام الفرص بنشاط ويقظة. ومن بين هذه الشروط:

تشكيل فريق قيادة جديد ومقنع، قادر على الظهور بشكل أكثر تماسكاً بعد رحيل فاغنكنشت (أسست حزباً بإسمها - المترجم).

وعند إعلان رئيسي حزب اليسارعن تحديد رواتبهم عند مستوى متوسط دخل العامل المهني، وهو ما عزز مصداقيتهم.

أن التصويت المشترك المُدبر مع «حزب البديل لألماني» اليميني (AfD) بواسطة فريدريش ميرتس من الحزب الديمقراطي المسيحي، أتاح للشابة هايدي رايشينيك (-حزب اليسار) عرض الحزب إعلامياً كـ «جدار ناري» ضد الفاشية. ووجود موقف أكثر وضوحاً في الدفاع عن المصالح الاجتماعية للعمال والأجراء.

من تجارب الحركات الاجتماعية أيضاً أن هذه الحركات غالباً ما تتلاشى مع مرور الوقت، أو تنشطر داخلياً، أو يتم استيعابها أو تهميشها. ومن الصعب جداً على السياسة اليسارية أن تفهم متى، وكيف، وتحت أي ظروف تولّد المشاريع والخطابات السياسية تأييداً شعبياً ثم تفقده، وتطلق طاقات الأمل الجماعي ثم تصاب بخيبة أمل. هذا يُعدّ من أصعب التحديات التي تواجه السياسة اليسارية.

تجاوز خصخصة الأمل

من المفيد ربط التفكير في موارد الأمل ودينامياته بنظرية الهيمنة لدى غرامشي، ومن خلالها البحث في شروط الأمل واليأس. وبشكل مبسّط، يسيطر اليأس عندما تُسحق ظروف حياة الطبقات الشعبية، وتُحجب مساحات الفعل والسعي نحو تقرير المصير من قبل كتلة السلطة الحاكمة، أو يتم استيعابها أو تخفيفها أو تفكيكها بنجاح، فتُغترب عن أصحابها.

في ظل ظروف ما أسماه غرامشي «الثورة السلبية» (passive revolution)، تُسحب الطاقات الحيوية من المجتمع المدني. وقد لاحظ مشروع نظرية الإيديولوجيا: «تُقطف الزهور الثقافية باستمرار من قبل القوى الإيديولوجية، ويُعاد تقديمها من أعلى إلى أسفل كـ «زهور فنية لا تذبل»، مُدمجة في الهيكل العمودي للإيديولوجيا».

من أبرز سمات الهيمنة البرجوازية في المراكز الرأسمالية، أن «خصخصة الأمل» قد نجحت إلى حد بعيد، حيث تُحصر أحلام عالم أفضل في الارتقاء الفردي ورفاهية الأسرة الخاصة. وقد استطاعت النيوليبرالية تأمين توافق سلبي أساساً جزئياً عبر تفتيت الحركات الاجتماعية المحتملة المعارضة، بحيث تنغمس في سياسات الهوية الجزئية ونضالات طلب الاعتراف الاجتماعي، فتتشتت وتنهك نفسها.

يسمي غرامشي هذا التحول «التطهير»، أي الانتقال من تمثيل مصالح ضيق قائم على النقابات إلى مرحلة أخلاقية- سياسية تُطرح فيها مسألة الهيمنة على المستوى الشامل/ الكوني، بحيث تشمل جميع الطبقات والفئات المهمشة، ويعتبر تحديد هذه اللحظة «التنفيسية» نقطة الانطلاق لكل فلسفة الممارسة.

وفي الواقع، تُحقَّق النجاحات المضادة للهيمنة غالباً حين يُستطاع ربط مختلف تجارب القمع والنضالات وطرحها كجزء من قضايا شاملة للعدالة والبقاء. كما يُظهر مثال شعار حركة (احتلوا وول ستريت) «نحن الـ 99٪»، فقد أطلقت صياغة وحدة اجتماعية-اقتصادية عبر الهويات المختلفة دينامية أدت إلى انتشار الحركة في أنحاء البلاد كالنار في الهشيم.

يمكن أيضاً أن تتقاطع هذه الخيوط في نقاط تكثيف أخرى، مثل الصعود (المؤقت) لحركات المناخ. وقد تنشأ قوة تفجيرية نقدية للنظام حين تتحد حركة البيئة مع حركات أخرى، مثل أجزاء من النقابات العمالية («نسافر معاً»)، أو بطريقة أخرى حين تتحد ــ كما ترمز إليها غريتا ثونبرغ ــ مع الحركات المناهضة للإمبريالية ضد الإبادة الجماعية في غزة.

يجب على حزب اليسار أن يتعلّم مجدداً كيفية تطوير سياسة شاملة قوية، تربط بين النقد الموجه للرأسمالية والإمبريالية وتسليح القوى، وبين قضايا بقاء الجنس البشري والمحيط الحيوي الذي نعيش فيه. وفقط بهذه الطريقة يمكن بناء قطب يساري قوي للتضامن، وهو الشرط الأساسي لتقديم بديل مقنع ضد تطورات اليمين والميول الفاشية.

تنظيم الأمل

إن «تنظيم الأمل» مهمة معقدة للغاية. فهي، على غرار ما طالبت به روزا لوكسمبورغ من «سياسة واقعية ثورية» والتي ترتبط بها ارتباطاً لا ينفصم، تتسم بتركيب متناقض، إذ لا يمكن أن يكون الفعل ممكناً في تشكيلات متناقضة إلاّ من خلال هذا التناقض.

فالنقد الراديكالي لتدمير الحياة على يد الرأسمالية يجب أن يقترن بالقدرة على أخذ «الآمال الصغيرة» في الحياة اليومية على محمل الجد، وربطها ضمن يوتوبيات ملموسة، وتجسيدها في ممارسات ودية وتضامنية. ويشمل ذلك أشكال تنظيمية تمكّن المشاركين من التحرك بنشاط، ووضع الأهداف، وتقييم النجاحات والهزائم معاً.

وعلى السياسة اليسارية أن تحافظ على صور الحنين إلى حياة محررة وغير مغتربة ومستدامة للجميع، مع ربطها في الوقت نفسه بـ الممكن الواقعي، الذي، بحسب بلوخ، يمتد داخل الواقع ويضيء على آفاق إمكانياته المستقبلية.

وبحسب كلاوس هولزكامب، نحن بحاجة الى تفكير واعٍ بالإمكانات، قادر على تحويلها إلى فعل ملموس، يستكشف الانتقالات من الفعل المقيد والمتوافق مع السلطة إلى الفعل العام الممكن، وهذه الانتقالات تصبح ممكنة عندما تلوح إمكانية حياة أفضل يمكن تجربتها على أنها قابلة للتحقيق.

_____________________

 (*) يان ريهمان

عالم اجتماع وفيلسوف ألماني، يُدرّس الفلسفة ونظريات المجتمع في الجامعة اللاهوتية المتحدة في نيويورك وجامعة برلين الحرة. كما يعمل محرراً للقاموس التاريخي - النقدي للماركسية ومحاضر لدى مؤسسة روزا لوكسمبورغ.