لا يمكن قراءة «اتفاق الاندماج الكامل» بين حكومة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية بوصفه تسوية داخلية سورية فحسب. ما يجري هو إعادة ترتيب إقليمي - دولي لملف شمال وشرق سوريا، تُدار فيه القضية الكردية باعتبارها تكلفة جانبية لاستقرارٍ تُعرّفه واشنطن على مقاس أولوياتها الأمنية.

الاتفاق، الذي جاء بعد تصعيد عسكري في الشيخ مقصود والحسكة ومحاصرة كوباني، يُقدَّم كخطوة نحو «توحيد مؤسسات الدولة». لكنه في جوهره عملية تفكيك ممنهجة لأدوات القوة الكردية - العسكرية والإدارية - وإعادة احتواء القضية داخل دولة مركزية لم تُختبر بعد في احترام التعددية.

نزع القوة باسم الاندماج

دمج مقاتلي قسد كأفراد في الجيش، ودمج الأسايش في الشرطة، وتسليم الحدود والمعابر وملف داعش لدمشق، ليست تفاصيل تقنية. إنها نزع للطابع السياسي والعسكري عن وجودٍ تشكّل على الأرض خلال الحرب على داعش، وتحويله إلى حضور فردي داخل مؤسسات مركزية. وعلى المستوى الإداري، يعني حلّ الإدارة الذاتية والسيطرة على الموارد واعتماد المنهاج الموحد إغلاق تجربة حكم محلي كانت - برغم عيوبها - أول اختبار فعلي لإدارة متعددة في سوريا.

حقوق بلا حماية

الاعتراف باللغة الكردية، حلّ مكتومي القيد، التمثيل «العادل»، النوروز، والعفو العام—كلها بنود غير مسبوقة. لكنها وعود بلا أسنان ما لم تُحصَّن بدستور وآليات تنفيذ وضمانات دولية. في تاريخ سوريا، الحقوق التي لا تحميها بنية قانونية تُسحب عند أول تبدّل في ميزان القوى.

الاستراتيجية الأمريكية: الاستقرار أولًا

في الخلفية، تقف الاستراتيجية الأمريكية كعامل حاسم. واشنطن، التي أعادت تموضعها في إقليم كردستان العراق، تبدو راضية عن دولة سورية مركزية واحدة تضبط الحدود، تدير ملف داعش، وتتحكم بالموارد. أما الملف الكردي، فيُدار عبر ترقيع حقوقي–ثقافي يصلح للخطابات، لا للحماية الميدانية. بهذا المعنى، جرى تحويل القضية الكردية من مشروع سياسي–إداري قائم إلى ملف داخلي منخفض الكلفة على صانع القرار الأمريكي.

ميونخ 2026: سياسة بلا ضمانات

دعوة مظلوم عبدي إلى مؤتمر ميونخ للأمن ولقاؤه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شكّلا إشارة سياسية مهمّة. الرسالة الفرنسية كانت واضحة: رفض «الاجتثاث» السياسي أو الأمني لقسد حتى ضمن مسار الدمج. لكن ميونخ لم يكن فرنسيًا فقط؛ لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وسعوديين، واجتماع مع وزير الخارجية السوري حول «خطوات الدمج»، كشفت محاولة قسد الانتقال من لاعب عسكري إلى فاعل تفاوضي.

غير أن الفجوة تبقى بين الرمزية السياسية والضمانات الفعلية. أوروبا تحاول ألا تترك الملف بالكامل لواشنطن ودمشق وأنقرة، لكنها تفتقر لأدوات فرض. والولايات المتحدة تُدير المخاطر ولا تُقدّم التزامات.

من النقد إلى الالتزام: نحو حكمٍ ذاتي أو دولةٍ فيدرالية قابلة للمساءلة

إذا كان الاتفاق قد فتح نافذة سياسية حسّاسة، فإن قيمته لا تُقاس بنيّاته، بل بقدرته على التحوّل إلى نصوص دستورية مُلزمة وآليات تنفيذ خاضعة للرقابة. وعليه، فإن المطلوب اليوم من النخب الكردية ومنظمات المجتمع المدني هو توحيد الجهد حول حزمة مطالب واضحة، قابلة للتحقق والقياس، وفق ما يلي:

أولًا: ضمانات دستورية صريحة

-         نصّ دستوري يعترف بالتعدد القومي واللغوي، ويُقرّ باللغة الكردية لغةً مُعترفًا بها في التعليم والإدارة المحلية في المناطق ذات الغالبية الكردية، مع جدول زمني مُلزم للتطبيق.

-         إقرار الحكم الذاتي أو الدولة الفيدرالية بنصّ دستوري واضح، على غرار نموذج إقليم كردستان العراق، يحدّد صلاحيات حصرية للإقليم/الإدارة الذاتية في مجالات التعليم، الصحة، الخدمات، التخطيط العمراني، والأمن المحلي، ويمنع سحب هذه الصلاحيات بقرار تنفيذي منفرد.

-         إنشاء محكمة دستورية مستقلة، مخوّلة بالنظر في أي انتهاك لحقوق المكوّنات أو تجاوز لصلاحيات الحكم الذاتي/الفيدرالية.

ثانيًا: آليات تنفيذ ومساءلة

-         قانون تنفيذ انتقالي يحدّد جداول زمنية (6–12 شهرًا) لتحويل البنود السياسية إلى قوانين نافذة، مع نشر تقارير ربع سنوية علنية عن التقدّم.

-         هيئة رقابة مشتركة تضم ممثلين منتخبين محليًا، وخبراء قانونيين، ومراقبين مستقلين، تتمتع بحق الاطلاع على الموازنات والقرارات التنفيذية في مناطق الحكم الذاتي/الإقليم.

-         آلية شكاوى فعّالة تُمكّن الأفراد والهيئات من الطعن في القرارات الإدارية أمام قضاء إداري مستقل خلال مدد محدّدة.

ثالثًا: تقاسم عادل للموارد

-         نصّ قانوني لتوزيع عائدات الموارد الطبيعية يحدّد نسبة مُعاد استثمارها داخل مناطق الحكم الذاتي/الإقليم، مع نشر دوري لبيانات الإيرادات والإنفاق.

-         موازنة إقليمية/محلية مُقرّة قانونًا، تضمن حدًا أدنى من الإنفاق الخدمي، وتخضع لتدقيق سنوي مستقل.

رابعًا: الحقوق والحريات

-         قانون أحزاب وانتخابات عادل يضمن تمثيلًا متوازنًا ويمنع الإقصاء الإداري، مع دوائر انتخابية تراعي الخصوصية السكانية للإقليم/مناطق الحكم الذاتي.

-         ضمان حرية الإعلام والتنظيم، بما في ذلك الترخيص العادل لوسائل الإعلام باللغة الكردية، ومنع الملاحقات ذات الطابع السياسي.

خامسًا: ضمانات دولية داعمة (غير وصائية)

-         ربط أي مساعدات أو برامج دعم دولية بتقارير امتثال واضحة لحقوق الأقليات ونظام الحكم الذاتي/الفيدرالية

-          دعوة بعثة مراقبة مستقلة لرفع تقارير دورية علنية حول التنفيذ.

مبادئ عمل للنخب والمجتمع المدني: 

توحيد الخطاب حول مطالب قانونية محدّدة بدل شعارات عامة؛ التحالف مع قوى مدنية سورية أوسع لتأطير المطالب ضمن مشروع وطني للفيدرالية والمواطنة المتساوية؛ تحويل كل تعهّد سياسي إلى نصّ مكتوب بمدد زمنية—ما لا يُكتب لا يُنفَّذ، وما لا يُقاس لا يُحاسَب—مع الحفاظ على السلم الأهلي وتغليب أدوات القانون والضغط المدني المنظّم.

خاتمة

إنّ الاندماج الحقيقي لا يتحقق بإذابة الخصوصيات، بل بإدماجها في دولة قانون عبر حكمٍ ذاتي أو نظامٍ فيدرالي واضح المعالم، يحمي الحقوق ويحدّد الصلاحيات ويؤسّس لمساءلة فعّالة. بهذا فقط يتحوّل الاتفاق من تسوية ظرفية إلى استقرار مستدام يخدم جميع السوريين.