
العراق بلد الحضارة والتاريخ والموقع الثقافي المعروف ونضال شعبه وقواه الوطنية الديمقراطية وتحرره من ربقة الاستعمار والرجعية بثورة 14 / تموز /1958 اصبح مع شديد الأسف في حالة يرثى لها حيث صنف في اسفل قائمة البلدان في الكثير من النواحي الحياتية، واليوم نجد ان الأزمة المعقدة الحالية التي تعصف به هي ازمة شمولية على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والثقافية والأمنية والخدمية والصحية ...والخ والتي انتجت عملية سياسية تعج فيها الاضطرابات السياسية والصراعات والتناقضات والخلافات التي أوصلت العراق الى حالة يرثى لها وفي مقدمتها مخاطر الانقسام الطائفي والحرب الأهلية وتصاعد حدة الاغتيالات وممارسة العنف غير المسبوق والتردي في المجالات كافة ونقول بصراحة ان معالم انهيار الدولة بدأت تظهر بوضوح اما العلاجات فهي غائبة بل غير موجودة الا في الخطابات الطائفية والتوجهات السياسية المتدنية وتعطيل الكثير من مواد الدستور واستخدام كلمة " احنا الأكثرية" كسوط لعقاب المكونات والمعارضين واعتبار أي دعوة للتغيير والتجديد محاولة لأخذ السلطة من الفاشلين الذين حكموا البلاد اكثر من ( 20 ) سنة اما قضية تبادل السلطة سلمياً فقد الغيت كما هي الممارسة العملية من الدستور.
عندما نتحدث عن الأوضاع المأساوية بعد (23 ) عاماً وما أصاب البلاد من الاحتلال الأمريكي ثم التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية ومن المحاصصة الطائفية وآفات الفساد والمليشيات الطائفية المسلحة التابعة لا يمكن ان ينسينا فترة ال(35) عام من الحكم الدكتاتوري البعثي ونقول بكل صرحة لم يكن عصر النظام السابق عصراً ذهبياً لأنه يتحمل ما أصاب العراق من كوارث وأزمات لا تحصى والكارثة الكبرى في الاحتلال هي من مخلفات السياسة الدكتاتورية والعقلية القومية المتطرفة والفهم الخاطئ لمقولات التاريخ ، وهو امر معروف ولا يمكن مقارنته او مساواته بما حدث منذ عام 2003 ، النظام السابق كان نظاماً دكتاتورياً فرديا قمعيا بكل ما هو قمعي تسلطي دموي أما نظام المحاصصة الطائفية الذي قام بعد 2003 فله ايضاً مساوئ لا تختلف عن تلك الا بالشكل، اما المشترك بين الاثنين "تدمير البلاد وسبي العباد" ولا نريد ذكر أكثر من هذا المثل لأنه يوفي بالغرض، منذ انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 وما لاحقه في انقلاب 17 / 7 / 1968 ثم احتلال 2003 واكثرية الشعب العراقي يدفع ضريبة الإرهاب والقمع والاعتقالات والسجون والاتهام الجاهز بالإرهاب وفق المادة ( 4 ) وتحت طائلة من الحجج التي اطلقها نظام المحاصصة ليتسنى لمن يقود البقاء على كراسي الحكم وفي عقولهم جملة ( منو يكدر!!) ، والآن يعاني العراق من التركة الماضية ومن التوجهات السياسية والطائفية والفساد المالي والإداري ومن السلاح المليشياوي المنفلت وتباشير الدولة العميقة ** ملموس وظاهر مثلما اسلفنا هذه الأزمات سوف تقضي على الأخضر واليابس والمتضرر الاكبر هي الفئات الكادحة والفقيرة والعمال والفلاحين الفقراء وصغار موظفي الدولة وغيرهم وبدلاً من تحقيق حلم أكثرية المواطنين العراقيين الذين عاشوا حياة مشوهة بدون أي حقوق مدنية او سياسية أقيمت دولة هجين ما بين الدينية والطائفية وبين هوامش من الدولة المدنية، اما الدولة المدنية دولة المواطنة العراقية فقد أصبحت في خبر كان بتدخل رجال الدين وإصدار قرارات واحكام قرقوشية، وبدلاً من تحقيق العدالة والمساواة دولة القانون والديمقراطية بما فيها التداول السلمي للسلطة صار التوجه الطائفي والعرقي أساس الدولة، وبدلاً من الرخاء وعدم الغلاء والاسعار المنخفضة ومراعاة الفئات الشعبية وعدم التجاوز على حقوقهم فقد ازدادت الأوضاع الخاصة والعامة بكل تفاصيلها من السيء الى الأسوأ مما اصبح الوضع المعاشي والاقتصادي في خانقة مضنية والفساد المالي والتخريب والدمار لقطاع الخدمات " النفط والماء والتعليم والصحة والسكن...الخ " ومنذ حوالي (23) عام ولم يتم الاعتماد على القطاعات الاقتصادية بل اهملت تماماً ما عدا الاقتصاد الريعي للنفط ثم سرقة المال العام بدون أي رادع ضمير واشار الحزب الشيوعي العراقي " في الوقت الذي نجدد فيه تحذيرنا من استمرار هذا النهج الذي يدفع اقتصادنا الوطني نحو الهاوية، نعلن بوضوح أن أي محاولة لتحميل المواطنين، ومنهم الموظفون ذوو الرواتب المحدودة والكادحون وأصحاب الدخول البسيطة، تبعات هذا الفشل السياسي"
ليس الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قد تدهورت فحسب بل النسيج الاجتماعي والعلاقات بين المكونات أصابها الخلل ولم تسلم من التدخل الطائفي وفرض المفهوم الديني الطائفي على المكون الثاني وغيره وفق مفهوم الأكثرية وبواسطة المليشيات الطائفية المسلحة وهو ما حدث في جرف الصخر ومناطق في محافظة ديالى وغيرها واستخدام المليشيات المسلحة التابعة والحشد الشعبي في عمليات التهجير وتسليب الأراضي باتجاه التغيير الديمغرافي، والأنكى من كل ذلك التبعية المطلقة لإيران التي جعلت من القرار العراقي عبارة عن تابع للقرار الإيراني مما جعل الدولة العراقية مجرد اسم بدون شرعية لأن أكثرية الحكومات العراقية تنتظر ما يخطط لها ، وايران ترى العراق ارض تابعة بكل خيراته وعليه تنفيذ ما يملى في السياسة في الحرب او السلام ولا نريد الاطالة وذكر المواقف والأسباب فها هي الحرب الثانية المدمرة والتي قلنا عنها بانها ستشعل المنطقة وتتوسع لتشمل دول أخرى وفعلاً ما حدث وما نعيشه خير مثال العراق والمحاولات غير الصحيحة لجره بحجة المذهب والطائفة الى اتون الحرب الماحقة التي اشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية التي حذرنا منها وكشفنا نواياهما ونصحنا الحكام الإيرانيين بتجنبها وتجنب الشعب الإيراني وشعوب المنطقة من لهيبها ومواجعها الكارثية التي تبشر بالدمار والخراب وزهق النفوس البريئة، ها هي الحرب القذرة التي لم تسلم المنطقة منها يحاول البعض من القوى والتنظيمات والمليشيات الطائفية زج العراق والشعب العراقي في ويلات ومأساة عاشها ولطالما ذاقها من خلال الحروب السابقة او من خلال الحروب الداخلية ثم الاحتلال الأمريكي المقيت والإرهاب المعروف.
ان الأزمة الملازمة للعراق لا يمكن ان تنتهي الا بتفعيل عملية استقلال القرار السياسي ورفض التبعية ورفض التدخل في شؤونه الداخلية بحجج القومية والطائفية والدينية وطبعاً ان أي اصلاح حقيقي لا يمكن وملفات الفساد باقية والتلاعب بالأموال العامة وضخ الثقافة الغريبة عن المواطنة العراقية والبقاء على نهج المحاصصة الطائفية ثم الخروج من الدولة العميقة بالتخلص من المليشيات الطائفية المسلحة والتابعة التي تتقاسم السلطة مع الحكومة ولا يمكن نسيان ضرورة استقلال القضاء لكي يستطيع القيام بواجبه القانوني والوطني
ــــــــ
** مفهوم الدولة العميقة : قوى مهيمنة تعمل في السر، واتخاذ قرارات سياسية لا ترتبط بالشفافية والديمقراطية وتخدم مصالح القوى المهيمنة وهي خارج الأطر القانونية والدستورية







