منذ اليوم الاول لهذا الاعتداء بدأت اثاره المادية المؤثرة للغاية تتصاعد باستمرار وتيرة العدوان. صنَفَ الأمين العام للأمم المتحدة كوتيرش الحرب الحالية بانها عدوان أمريكي إسرائيلي على إيران، وهي كذلك وسأتبنى هذا التوصيف والتصنيف في هذه المداخلة.

يبدأ القسم الاول لهذه المساهمة بعرض وتحليل أهمية الخليج في موازنة النفط والغاز الدولية. يلي ذلك عرض ومناقشة محاولات واحتمالات توسيع العدوان وتغير انماطه. ثم تحليل تطورات اسعار النفط والمنتجات النفطية وعلاوات المخاطر منذ بداية العدوان. يركز القسم الثاني على التأثيرات الفعلية والاحتمالية على العراق، ويتناول عرض ومناقشة إجراءات وزارة النفط ويبدأ بموضوع إيقاف الإنتاج النفطي، ثم تشغيل المصافي وإنتاج المنتجات النفطية، يليه انتاج وتجهيزات الطاقة الكهربائية، وينتهي بموضوع صادرات النفط وعوائده.

قبل الولوج في تفاصيل الموضوع وتحليلها أرى من المفيد ذكر المعطيات التالية بإيجاز:

1- تداخل الاعتبارات والتحليلات الجيوسياسية والجيواستراتيجية والجيواقتصادية والجيوعسكرية الى حد كبير.

2- يواجه العالم ظروف، هتلرية جديدة، يسود فيها "حق القوة العدوانية الغاشمة" محل قواعد القانون الدولي والاعتبارات الإنسانية والأخلاقية.

 3- في تناول الأفق الزمني لتأثير العدوان يتم التركيز على الاثار الآنية المباشرة وغير المباشرة، ثم ما يليها على المديات القصيرة والمتوسطة والبعيدة. 

 4- على الرغم من القناعة بانه سيكون للعدوان اثار كارثية واسعة وفي كافة المجالات، محليا وإقليميا ودوليا، تركز هذه المساهمة، ولاعتبارات عديدة، على مجالات الطاقة والصناعة النفطية.

 5- تتغير الاحداث بشكل سريع، وتبعا لذلك تتغير كمية، ونوعية، وتفاصيل المعلومات، والبيانات.

 6- الاحتمالية العالية لحصول نشاطات وعمليات واخبار مخابراتية توريطية تضليلية، مما يدعو الى ضرورة الحذر في التمييز بين "المعلومة" و"التحليل" ومدى مصداقية وموضوعية ما يطرح، وهو كثير جدا.

القسم الأول: الاثار الانية للعدوان وتبعاتها

أهمية الخليج العربي في موازنة النفط والغاز الدولية

تتوفر بيانات عديدة عن هذا الموضوع ومن جهات متخصصة في مجال النفط والغاز على المستوى الدولي. وبسبب أهمية النقل البحري في تجارة النفط والغاز الدولية فسيتم، في هذه المداخلة، استخدام البيانات المتوفرة عن هذا النمط في النقل.

تشير المعلومات المتوفرة عن نسبة/حصة الخليج العربي في مجمل ما ينقل بحريا seaborne، من خلال مضيق هرمز، الى مختلف دول العالم الى ما يلي:

يشكل النفط الخام حوالي 38%.

تبلغ نسبة غاز البترول السائل LPG حوالي 30%.

تبلغ نسبة المنتجات النفطية 22%.

وتبلغ حصة الغاز الطبيعي المسال LNG حوالي 22%.

المنتجات الكيماوية (بضمها البتروكيماوية وخاصة الأسمدة وتأثيراتها على أسعار المنتجات الزراعية) فتشكل 13%.

 هذه الأرقام بحد ذاتها كافية لعكس أهمية منطقة الخليج بدون الحاجة حتى الى تحليلها، ولكن.

بما ان النفط المنتج في جميع دول منطقة الخليج الذي ينقل بحريا الذي يشكل 38% من النفط الذي ينقل بحريا على مستوى العالم، فان توقف هذه الكمية الهائلة من النفط الخام تؤدي، حتما، الى زيادة أهمية الفقرات الأربعة الأخرى على موازنة النفط والغاز الدولية، وبالتالي تأثيراتها المباشرة التي ستنعكس حتما على مستويات أسعارها في الدول المستهلكة.

من أكثر التأثيرات المباشرة التي تم تسجيلها تتعلق بالارتفاع الكبير في أسعار الغاز الطبيعي المسال في دول الاتحاد الاوربي والتي ازدادت بأكثر من 50%. أتت هذه الزيادة بسبب توقف عمليات تحميل الغاز القطري، ثم قرار قطر إيقاف عمليات تسييل الغاز وأخيرا إعلانها حالة القوة القاهرة. ويتوقع ان تواجه دول الاتحاد الأوربي صعوبات اضافية ناجمة عن سببين، الأول، هو قصف واغراق ناقلة روسية للغاز المسال في البحر الأبيض المتوسط بين مالطة وليبيا، وقد اتهمت الحكومة الروسية المخابرات الأوكرانية بالتعاون مع مخابرات غربية بهذا الاعتداء الذي نفذ بواسطة مسيرة انطلقت من الأراضي الليبية، وهو الهجوم الاول من نوعه على ناقلات الغاز المسال (سابقة خطيرة وذات دلالات مقلقة للمستهلك الأوربي، قد تترتب عنها اثار جيوسياسية). والسبب الثاني يتعلق بتحويل شحنات الغاز المسال الأمريكي من اوربا الى شرق اسيا بسبب طبيعة عقود التجهيز التي تسمح ببيع الشحنة لمن يدفع أكثر، وهذا يخلق مشكلة كبيرة للأوربيين عن مدى اعتمادية Reliability التجهيزات الامريكية.

تستورد الولايات المتحدة الامريكية بين 7.5 و8 مليون برميل يوميا من منطقة الخليج.  ولأنه لا يمكن تعويض هذه الاستيرادات مباشرة من مصادر اخرى، كميا ونوعيا، فسينتج عن ذلك ارتفاع أسعار النفط الخام في بورصات التداول داخل الولايات المتحدة ذاتها، انخفاض المنتجات النفطية وخاصة في المصافي التي تستخدم النفط المستورد من دول الخليج، مما يقود الى شحتها وبالتالي الى ارتفاع أسعارها، وانخفاض الكميات المتاحة للتصدير. وقد يقود ذلك الى تخفيض كميات الغاز الطبيعي المسال المتاحة للتصدير مرفقا برفع أسعارها على المستوى الدولي وخاصة الى اوربا.

يترتب على انخفاض كميات ونوعية المنتجات النفطية سواء بسبب الاثار المباشرة (في مصافي دول الخليج العربية- عدا العراق) وغير المباشرة نتيجة للوضع في الخليج العربي الى ما يلي:

ارتفاع أسعار جميع المنتجات النفطية، وتأثيراتها التراكمية على جميع النشاطات الاقتصادية.

ان شحة كيروسين (النفط الابيض) الطائرات ومحدودية توفرها ستأثر سلبا وحتما على نشطات الطيران الحربي الأمريكي والإسرائيلي، وخاصة إذا ما استمر هجومها على إيران لفترة أطول. كما تساهم شحة كيروسين الطائرات الى تقييد حركة الطيران المدني من والى دول الخليج، مما يسبب مشكلة كبيرة في اجلاء المقيمين الأجانب العاملين في الخليج الراعبين في المغادرة. وبسبب ارتفاع نسبة المقيمين الأجانب الى المواطنين في دول الخليج- عدا العراق، فان المغادرة الكثيفة لهؤلاء المقيمين تأثير سلبي كبير جدا على مستوى رفاهية المواطن الخليجي، ارتفاع الكلفة السياسية المجتمعية للعدوان.

عدم توفر وقود ناقلات النفط (بنكرسي) في مرافئ التحميل والخدمة والتامين، سيقلل من حركة تلك الناقلات وكلفتها. حيث أشار أحد المصادر الى ارتفاع كلفة نقل الطن المتري الواحد من الخليج الى الصين الان بنسبة 560% مما كانت عليه قبل أيام وهو 89 دولار. كما أشار مصدر اخر الى وجود 55 ناقلة نفط عملاقةVLCC  محملة بالنفط لازالت عالقة في الخليج. كما وأشارت وكالة لويدز لتامين النقل البحري يوم 6 آذار الحالي بانه منذ يوم الأحد الأول من آذار الحالي، شهد مضيق هرمز عبور 40 سفينة على الأقل، ويتواجد نحو ألف سفينة، نصفها تقريباً ناقلات نفط وغاز، بقيمة إجمالية تتجاوز 25 مليار دولار في الخليج والمياه المحيطة به.

ان عرقلة حركة النقل البحري من والى دول الخليج سيؤثر وبشكل سلبي كبير على النقل التجاري وسلاسل التوريد إضافة الى ما سبق ذكره بشأن النفط والغاز. وكلما طالت فترة العدوان على إيران، كلما تعاظمت الاثار الكارثية على دول الخليج العربية.

توسيع العدوان بالتوريط والتفرقة

لا يجوز اغفال او تقليل أهمية الدور المخابراتي في القيام بأفعال، او بث معلومات او ترويج تحليلات او تشويه الحقائق او خلق حوادث افتراضية او استخدام التقنيات الحديثة وخاصة تسهيلات الذكاء الاصطناعي، اضافة الى الأساليب التقليدية. قد تنجح بعض هذه المحاولات وتفشل بعضها، ولكن يبقى خطرها قائما، بدرجة او بأخرى، في توسعة رقعة الحرب او في حدتها وكثافتها او في اطالتها.   

تعرضت بعض المنشاة النفطية لدول الخليج الى اضرار كبيرة، منها منشاة راس لفان لتسييل الغاز في قطر– أكبر منشاة للغاز المسيل في العالم ومصفى راس تنورة السعودي- أكبر مصفى في المملكة بطاقة قدرها 550 ألف برميل يوميا، وميناء جبل علي في دبي، وخزانات النفط في إمارة الفجيرة.

قامت بعض الأجهزة الخليجية باتهام إيران على انه هجوم مدبر ووعدت بحق الرد، وتم تأييد ذلك من قبل كل من الإدارة الامريكية وإسرائيل، ثم تبنت بعض الدول الاوربية وقيادة حلف الناتو هذا الموقف؛ تدحرج ينذر بالخطر في الموقف الأوربي لدعم وتوسيع العدوان الأمريكي الإسرائيلي. رفضت إيران هذا الاتهام وأشارت الى وجود ادلة على قيام عناصر مخابرات إسرائيلية وامريكية وغربية بذلك واتهام إيران بالهجوم لتوريط دول الخليج بالحرب. علما ان الإعلامي الأمريكي تكر كارلسون قد صرح بما يؤكد ذلك.

تتكرر نفس المحاولات، بواسطة صواريخ او مسيرات /درونات، اتجاه تركيا واذربايجان. نفت إيران قيامها بهذه الهجمات واتهمت أطراف أخرى وخاصة إسرائيل بذلك؛ لم تقتنع اذربايجان بذلك وأعلنت مساء يوم 6 آذار سحب بعثاتها الدبلوماسية من طهران وتبريز.

بين الاتهام والانكار تصعب تحديد الحقيقة، وقد اثبتت التجارب الدولية وباستمرار ان الحقيقة اول ضحايا الحرب. وعليه يكون من المطلوب اجراء تحقيق دولي تقوم به أطراف لا علاقة لها بالدول المنخرطة بالعدوان ودول المنطقة، للمساعدة في اثبات حقيقة تلك الهجمات على منشئات الدول المجاورة، عندما يعاد الاعتبار الى مبادئ القانون الدولي ويصبح للتحقيقات الدولية أي قيمة!!

بدأت التحليلات بتأكيد ان المهم في الامر هو ان المهمة الأساسية لتواجد القواعد الامريكية في دول الخليج العربي لم تكن لحماية تلك الدول، بل لحماية إسرائيل وتوسيع نطاق الهيمنة الامريكية وحماية مصالحها. وبذلك أصبحت هذه القواعد عبئا، سياسيا واجتماعيا، مكلفا على دول الخليج وجعلها أكثر عرضة للمخاطر الإقليمية- تذكروا الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية، الدوحة.

كما وتحذر التحليلات من محاولة الإدارة الامريكية واسرائيل توريط دول الخليج في الحرب ضد إيران، وقد ذكرت بعض وسائل الاعلام الامريكية بقيام كل من قطر والسعودية بحث الرئيس الأمريكي على مهاجمة إيران وبقوة!!. (ان صح هذا فانه يذكرني بما ذكر عن رئيس الوزراء في العراق نوري السعيد حينما طلب من الحكومة البريطانية ضرب الرئيس جمال عبد الناصر بقوة اثناء العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي- الإسرائيلي عام 1956. ما اشبه اليوم بالبارحة!!)

ان آثار العدوان الحالي كارثية بما فيه الكفاية لغاية تاريخ. ومشاركة دول الخليج بالعدوان على إيران ستكون لها اثارا أكثر دمارا واطول مدةً وأعمق تأثيرا سلبيا واسوء طائفيا يمتد الى عقود، خاصة إذا وجدت إيران نفسها امام تهديد وجودي ويستخدم ترامب السلاح النووي التكتيكي، قد تلجا الى بديل شمشون، " عليَ وعلى اعدائي"؛ وتذكروا حروب قبائل الجزيرة "داحس والغبراء" و"البسوس".

وفي هذا المجال، ولكن على مستوى اخر، يتكرر التركيز في الاعلام الغربي على خلق فجوة، او دق إسفين، بين إيران وكل من الدولتين النوويتين، الصين وروسيا، على انهما أصدقاء لا يعتمد عليهما وقت الحاجة-Fair-weather friends.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول الغربية لدعم العدوان الأمريكي الإسرائيلي وتأليب دول الخليج على إيران، لازال الموقف الروسي الصيني، العلني، ضبابيا لا يتعدى التصريحات والمواقف الدبلوماسية، وهذا ما دفع المفكر الروسي ألكسندر دوگن للتحذير وبشدة بما معناه إذا لم تدافع روسيا عن إيران فستواجه روسيا نفس المصير. كما وارى ان الدور الصيني في الاقتصاد الدولي، من خلال مبادرة الحزام والطريق سيتقزم بشكل كبير للغاية إذا ما تمكن ترامب من اضعاف القوة العسكرية الإيرانية. عندها ينتهي دور طريق الشمال -الجنوب من بتروس بيرغ مرورا ببحر قزوين وإيران الى كل من باكستان والهند. ويضعف دور واهمية كل من تجمع شنغهاي وبريكس وكل طموحات النظام العالمي متعدد الأطراف؛ أي خسائر جيوسياسية واستراتيجية وجيو اقتصادية لكل من الصين وروسيا.

ولكن بالمقابل، تذكر وسائل الاعلام الغربية عن مصادر مخابراتية أمريكية، قيام روسيا، الى جانب طرف اخر، يُلَمح بكونه الصين، بتزويد إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف المواقع الامريكية العسكرية.

العالم على مفترق طرق خطير جدا بسبب طغيان "حق القوة العدوانية الغاشمة" وما يتطلب لمواجهتها وتحجيمها واضعافها ومنع استمرارها.

ومن الجدير بالإضافة ما يجري بعد قيام الرئيس الأمريكي ترامب بالاتصال ببعض القيادات الكردية العراقية والطلب منهم حث القوى الكردية على التحرك المسلح في غرب إيران وتعهده بتقديم المساعدة والحماية. وقد ذكرت وكالات الانباء عن اتصال الرئيس ترامب بقيادة الحزب الوطني الكردستاني بافال الطلباني وخَيَره بين الوقوف الى جانب اميركا وإسرائيل او الى جانب إيران- نفس مقولة جورج بوش الابن في احتلال العراق عام 2003: معنا او ضدنا!!

ان صدقوه واستجابوا لطلبه، فهذا يعني انهم لم يتعلموا دروس التاريخ الكردي المتكرر منذ وقت "جمهورية مهابات" مرورا باتفاقية الجزائر بين الشاه وصدام وصولا الى تجربة "قسد" السورية ووقتنا الحالي. وقد احسنت عقيلة رئيس جمهورية العراق بالرد على ترامب بان الكرد ليسوا مرتزقة وطالبته بتركهم. علما ان الدستور العراقي النافذ يمنع استخدام الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية العراقية للعدوان على الدول المجاورة.

لم تنجح، لحد الان، كل تلك المحاولات في توسعة رقعة الحرب وجر أطراف أخرى اليها. لكن قيام العدوان الأمريكي الإسرائيلي مؤخرا بقصف منشئات تحلية المياه والمصافي الإيرانية قد ينقل مديات العدوان الى اتجاهات أكثر خطورة واعلى احتمالية في استمرار وتوسعة العدوان.

اسعار النفط والمنتجات النفطية وعلاوات المخاطر

تبين بيانات موقع "اويل برايس دوت كوم" تغير أسعار النفط في الأسواق الامريكية والدولية بشكل متواصل على طول ساعات التداول اليومية. وبمتابعة حركة أسعار نفط برنت Brunt  في اميركا، عقود/تسليم نيسان، منذ بداية العدوان فقد قفزت الأسعار من  70.57 دولار للبرميل في 27 شباط الى اعلى سعر في صباح يوم 6 آذار الحالي 89.21 دولار للبرميل، ثم الى 93.64 في منتصف اليوم، أي بزيادة 23.07 دولار، او بزيادة نسبتها 32.7%. ونفس النمط جرى على أسعار نفط وسيط غرب تكساس  WTI  حيث ارتفعت الأسعار خلال نفس الفترة من 65.16 الى 90.56 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 25.40 دولار، او بزيادة نسبتها 39%؛ هذه زيادات كبيرة جدا ومؤثرة في فترة زمنية قصيرة، ولا زال العدوان في مراحله الأولى! ومن الطبيعي ان تنعكس هذه الزيادات في أسعار النفط الخام الى زيادات مماثلة وربما أكثر في أسعار المنتجات النفطية داخل الأسواق الامريكية والدولية. فقد وصلت اسعار البنزين والديزل الان الى اعلى مستوياتها في أمريكا- 3.262 دولار و4.124 دولار/گالون على التوالي، حسب بيانات GasBuddydata. 

دفعت هذه الزيادات الناجمة مباشرة عن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران الى قيام العديد من الجهات المختصة بإعداد توقعات لمستويات أسعار النفط في ضوء مجريات وسيناريوهات ومدة العدوان. ففي أحدث تقرير لمجموعة فتش Fitch Group يتوقع ان تصل أسعار النفط بين 90 دولار و130 دولار للبرميل في ثلاثة سيناريوهات حربية للدوان. وبينت توقعات أخرى وصول الأسعار الى 150 دولار للبرميل.

من الجدير بالذكر ومن خلال متابعة التحليلات المتخصصة منذ بداية العدوان وجود تحول تدريجي في ارجاع التأثير على أسعار النفط الدولية من علاوة المخاطر الجيوسياسية Geopolitical risk premium    التي تكون عادة آنية وقصيرة الاجل الى علاوة مخاطر العرض    Supply risk premiumالتي تكون عادة آنية متواصلة خاصة إذا كانت ناجمة عن تأثر المنشاة والمرافق المنتجة للنفط ونقله وتسويقه بشكل كبير. فقد صرح وزير الطاقة القطري سعد الكعبي بما معناه ان الامر يتطلب أسابيع الى أشهر لعودة الإنتاج لما كان عليه حتى لو توقفت العمليات الحربية الان.

ولكن بالمقابل قد تتمكن السعودية بتصدير عدة ملايين من البراميل يوميا من ميناء ينبع على البحر الأحمر بعد ضخه من سواحل الخليج. كذلك يمكن للرئيس الأمريكي منح سماحات   waivers لشراء النفط والغاز الروسي، كما حصل فعلا مع شركة هندية. وقد تدفع ظروف شحة وارتفاع كلفة النفط والغاز المسال دول الاتحاد الأوربي الاستدارة، بواقعية سياسية، نحو مصادر الطاقة الروسية. وبسبب توقف انتاج وصادرات النفط والغاز من دول الخليج، يمكن لروسيا تعظيم انتاجها وتصديرها للنفط حيث تصبح حصص انتاج "أوبك+" غير ملزمة كأمر واقع، طالما استمر العدوان. كل هذه الاحتمالات ممكنة (ليس آنيا ولكن في الامدين القصير والمتوسط)، وإذا ما حصلت سيترتب عنها: تقليل بعض الشيء من حدة ازمة المعروض النفطي والغاز، وتطور جيواستراتيجي لصالح روسيا.

ومع ذلك، وبما انه من المتوقع تدمير المزيد من المنشئات النفطية والطاقات الإنتاجية وانعدام حركة الناقلات النفطية، كلما اتسع نطاق العدوان ودخول أطراف إقليمية ودولية واطالة مدة العدوان، عندها تصل أسعار النفط الى مستويات، ربما غير مسبوقة. في هذه الحالة تعكس علاوة مخاطر العرض تأثير ثلاث متغيرات: التوفر Availability، الايصال Deliverability   الاعتماد   Reliability وعندها تبرز مشكلة قدرة التحمل (المالية)  Affordability على المستوى الفردي والعائلي والمجتمعي والاقتصاد الكلي- بكافة قطاعاته في الدول المستهلكة (اعتبارات الاقتصاد السياسي والجيواقتصادي). من الجدير بالتذكير بروز مشكلة قدرة التحمل (المالية) في الآونة الأخيرة بشكل مكثف في داخل الولايات الامريكية.

سيكون لإيقاف تصدير النفط والغاز من دول الخليج العربية انعكاسات مالية سلبية كبيرة ومؤثرة على استثمار فوائض العوائد النفطية الخليجية (الصناديق السيادية) في مختلف المجالات في أمريكا والدول الاوربية. كما بدأ بإصدار تقارير من مؤسسات وهيئات دولية عديدة تناولت تأثير العدوان على مختلف جوانب الاقتصاد الدولي: التضخم، البطالة، معدلات النمو، الإنتاج الزراعي والمنتجات الغذائية، سلاسل التوريد، تعاظم عدم اليقين،  وغيرها. (هذه المسائل مهمة للغاية، لا يسع المجال للغوص فيها)

القسم الثاني: التأثيرات الفعلية والاحتمالية على العراق

تتأثر جميع قطاعات الاقتصاد العراقي، وبالتبعية جميع شرائح المجتمع وبشكل آني مباشر بالآثار السلبية المترتبة والتي ستترتب عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.

نسبب توقف الصادرات النفطية من المنافذ الجنوبية بشكل تام، وما يمكن تصديره من المنافذ الشمالية عن طريق تركيا ضئيل جدا، فلن تتوفر الموارد لتمويل متطلبات الميزانية طالما استمر العدوان بوتيرته الحالية او بتوسعه. ولنفس السبب تتوقف جميع الاستيرادات بتوقف حركة النقل البحري الدولي، حتى وان توفرت للعراق الاحتياطات المالية الكافية لعدة أشهر. بالتأكيد سيكون لهذا الوضع اثاره السلبية على مستويات المعيشة، والتضخم، وسعر صرف الدولار في السوق الموازية، والبطالة، ومستويات الفقر، وغيرها مما تناوله بعض المسؤولين والمتابعين في العراق.

وعليه، تركز هذه المساهمة على القطاع النفطي وإجراءات وزارة النفط وشركاتها لمواجهة متطلبات هذه المرحلة الحرجة

أولا- إيقاف الإنتاج النفطي 

تشير المعلومات الى اصدار توجيهات رسمية من قبل وزارة النفط لإيقاف الإنتاج من الحقول النفطية.

لم أجد في موقع الوزارة "النص" الرسمي لتلك التوجيهات. وما عثرت عليه في المصادر النفطية الغربية صورة كتاب برقم ع/190/ 1716 بتاريخ 3/3/2026 صادر من "هيأة العمليات" في شركة نفط البصرة موجه الى "هيأة تشغيل حقل الرميلة" ورد فيه، "يرجى تقليص الإنتاج والضخ بمقدار (100%) من حقل الرميلة الجنوبي اعتبارا من الساعة 15:00 مساءاً ليوم 3/3/2026"

أود في هذا المجال بيان ما يلي:

1-ضرورة تفعيل مادة القوة القاهرة. أرى على وزارة النفط التوجيه، فورا، الى المؤسسات النفطية التابعة لها التي لها عقود مع الشركات النفطية الدولية والعراقية تفعيل مادة القوة القاهرة في العقود التي تكون فيها الشركة طرفا تعاقديا. ان ما ورد في كتاب هيأة العمليات المشار اليه أعلاه، يشير الى امر واقع - de-facto ولم ترد فيه الإشارة الى او تفعيل مادة القوى القاهرة التعاقدية. واعتقد، من الناحية القانونية، ان الإشارة الى "الامر الواقع" فقط لا يشكل تفعيلا للمادة التعاقدية للقوة القاهرة، وخاصة إذا ما وصل الامر الى تفعيل مادة التحكيم الدولي.

2-وفيما يتعلق بعقود تطوير الحقول والرقع الاستكشافية- لكافة جولات التراخيص وكذلك "الاتفاقيات" خارج تلك الجولات، مثل الاتفاقية مع توتال انرجيز، فان طلب "تقليص الإنتاج Production curtailment " دون تفعيل مادة القوة القاهرة، قد يعني تعاقديا تفعيل مادة تقليص الإنتاج التي تلزم العراق بتعويض الأطراف الأجنبية/العراقية عن كمية ومدة الإيقاف، استنادا للمادة 12.5 (e) (f) .  

3-ليس من الواضح ان كانت هيأة العمليات قد قامت بتوجه كتب مماثلة تتعلق بالحقول النفطية الأخرى التي توقف الإنتاج فيها. ان كانت ام لا، أرى على الوزارة القيام بما ذكر في الفقرة (1) أعلاه.

ثانيا: تشغيل المصافي وإنتاج المنتجات النفطية

أعلنت وزارة النفط يوم 3 آذار الحالي تشغيل كافة المصافي العراقية بطاقتها القصوى. وهنا لابد من التساؤل:

1-هل بالإمكان، تقنيا، تشغيل كافة المصافي بطاقاتها التصميمية بهذه السرعة والمرونة؟ تشير المعلومات ان مجموع طاقة المصافي التصميمية حوالي 1.55 مليون برميل يوميا، في حين ان الطاقة التشغيلية الفعلية اقل من ذلك بكثير جدا 

2-مع توقف الإنتاج في كافة حقول جولات التراخيص، فهل بالامكان تزويد المصافي بما يكفي من النفط الخام لتشغيلها بطاقاتها القصوى؟  في هذا المجال تشير بيانات سومو ان كمية النفط المصدر من المنافذ الجنوبية في شهر كانون ثاني الماضي أكثر من 3.263 مليون برميل يوميا، معظمها من حقول جولات التراخيص. وفي حالة توقف انتاج تلك الحقول، فليس بإمكان الحقول التي تدار بالجهد الوطني انتاج وتوفير حوالي 1.55 مليون برميل يوميا لتلبية حاجة المصافي و250 ألف برميل يوميا لسد حاجة محطات توليد الطاقة الكهربائية.  

 3-وإذا ما افترضنا تشغيل المصافي بكامل طاقاتها التصميمية، فهل تتوفر طاقات كافية لخزن المنتجات الفائضة عن الاستهلاك الداخلي.؟ تشير بيانات صادرات المنتجات النفطية خلال عام 2025 الى تصدير ما مجموعه 11.650 مليون طن متري، تتضمن الكبريت وزيت الوقود والنفثا ووقود الطائرات، وتبلغ كمية زيت الوقود منها 10.478 مليون طن متري.  وفي ضوء المعلومات الرسمية الموثقة، لا اعتقد بوجود طاقة خزن كافية لاستيعاب الفائض من انتاج زيت الوقود لأكثر من ثلاثة أسابيع، مما يحتم إيقاف بعض المصافي وتخفيض الإنتاج في البقية الى حوالي نصف الطاقة التشغيلية الحالية.

يضاف الى ذلك معضلة استيراد الديزل/كازاويل والبنزين. وكما تشير البيانات الرسمية ان العراق استورد في عام 2025 حوالي    1523227 طن متري من البنزين و594188 طن متري من الديزل/كازاويل. طبعا، لا يمكن استيراد هذه المنتجات طالما استمر العدوان وتوقف حركة الملاحة والتجارة.

أرى على وزارة النفط ان تكون تصريحاتها وتصريحات الشركات التابعة لها واقعية وصريحة ووفر البيانات الدقيقة بشأن توفر المنتجات النفطية وضرورة الترشيد في استهلاكها.

ثالثا: انتاج وتجهيزات الطاقة الكهربائية

سيتأثر انتاج الطاقة الكهربائية بشكل مباشر وكبير ويستمر طالما استمر العدوان وغلق منافذ الخليج لأسباب عديدة منها:

توقف الإنتاج في الحقول النفطية التي تقوم بتزويد المحطات الكهربائية بحوالي 250 ألف برميل يوميا وكميات كبيرة من الغاز الجاف بالغاز.

توقف تجهيزات الغاز الإيراني لإنتاج الكهرباء.

توقف تصدير الكهرباء الإيرانية الى العراق.

انعدام إمكانية استيراد الكهرباء بواسطة البواخر (التركية) المتخصصة.

استحالة اكمال والاستفادة من المنشاة العائمة المتعلقة باستيراد الغاز المسال المتعاقد عليه مع الشركة الامريكية- إيكسلريت أنرجي.

الاحتمالية العالية جدا بعدم إمكانية الاستفادة من مشروع الربط الكهربائي الخليجي، بسبب توقف انتاج النفط والغاز في دول الخليج وحاجة تلك الدول لسد الطلب المحلي على الطاقة. وينطبق نفس الامر، ربما، على الأردن.

الموقف قاتم الى حد كبير.

ولكن توجد بارقة امل ضئيلة، كقطرة في بحر. حيث أعلن وزير النفط يوم 6 آذار الحالي إنجاز وتحقيق توليد 160 ميكاواط من الطاقة الكهربائية الشمسية، كجزء من المرحلة الأولى من هذه المحطة البالغة" 250 ميكاواط "، ضمن الاتفاقية مع شركة توتال انرجيز.

لم تقم وزارة الكهرباء بإصدار أي بيان حول هذا الامر، وهل تم ربط هذه المحطة بنجاح مع الشبكة الوطنية.

في هذا المجال أرى اعطاء الاولوية للحقول النفطية التي تدار بالجهد الوطني والتي يتم استثمار الغاز المصاحب فيها في توليد الطاقة الكهربائية، إضافة الى تجهيز تلك المحطات بالنفط الخام، كما ذكر أعلاه.  

الوضع في الإقليم لا يحسد عليه بسبب توقف انتاج النفط والغاز، حيث انعكس ذلك مباشرة على انتاج الطاقة الكهربائية.

رابعا: صادرات النفط وعوائده

مع انعدام التصدير من المنافذ الجنوبية، يبقى امام العراق بديل التصدير من المنفذ الشمالي عن طرق تركيا والتصدير بالصهاريج عن طريق الأردن.

الكميات التي يمكن تصديرها بواسطة أنبوب الإقليم تتوقف، فنيا وافتراضيا، على كميات انتاج الإقليم وكميات انتاج شركة نفط الشمال المتاحة للتصدير وكميات النفط التي يمكن ضخها من جنوب ووسط العراق الى الشمال. لكن الامر معقد بعض الشيء ويتطلب جهود سياسية مكثفة بين الحكومتين الاتحادية والاقليم،, خاصة وان أنبوب النفط (الاتحادي) كركوك-فيشخابور لم يتم إنجازه رغم تصريحات وزارة النفط ووعودها. كما يبدو ان أنبوب نفط بصرة-حديثة لم يكتمل بعد.

اما التصدير عن طريق الأردن بواسطة الصهاريج فمحدود للغاية، ومكلف.

أرى على وزارة النفط دراسة موضوع إمكانية التصدير عن طريق تركيا سواء من نفط شركة نفط الشمال او من انتاج حقول الجهد الوطني في وسط وجنوب العراق.

وفيما يتعلق بأسعار تصدير النفط، فكما هو معلوم لا تقوم شركة سومو بإعلانها، ولكن ما يتوفر من معلومات من المصادر النفطية الدولية مفيدة. يتضح من بيانات تلك المصادر عن اسعار النفط العراقي في الأسواق الامريكية، ارتفاع أسعار نفط "بصرة ثقيل" من 67.47 دولار عند بداية العدوان في 28 شباط، الى 82.61 دولار في يوم 6 آذار. اما نفط "بصرة متوسط" فقد ارتفع سعره من 69.42 دولار الى 84.56 دولار في نفس الفترة.  أي في كل من النوعين ازدادت الأسعار بواقع 15.14 دولار وبنسبة 22% خلال الأسبوع الأول من العدوان على إيران.

ومن الجدير بالذكر ولتجنب المقارنة غير الدقيقة، لا تستخدم سومو منذ مدة كل من اسعار نفط برنت ونفط تكساس الوسيط كنفوط إشارة Marker Crude في معادلة تسعير صادراتها الى الأسواق الامريكية، بل تستخدم ASCI (مقياس اركوز للنفوط الحامضية).

 المعلومات أعلاه تشير الى عدم تهيئة وزارة النفط وضعف في قدرتها لمواجهة الاثار الكارثية للعدوان الأمريكي الإسرائيلي، رغم ان هذا العدوان كان متوقعا ومعروف علنا ومخططا له منذ ولاية ترامب الأولى، وتتحمل حكومتي الكاظمي والسوداني مسؤولية وخطيئة ما يتعرض له الاقتصاد العراقي والقطاع النفطي. 

قالت العرب قبل قرون عديدة، "لا يَصلح الناس فوضى لا سُرات لهم ...  ولا سُرات إذا جُهالهم سادوا".

(استشارية التنمية والأبحاث – النرويج)

النرويج

8 آذار 2026