كلما اشتدت العواصف في الشرق الأوسط، أجد نفسي أفكر في العراق. ليس فقط بوصفه بلداً في قلب المنطقة، بل بوصفه أيضاً مرآة تعكس تعقيدات السياسة والجغرافيا في هذه البقعة المضطربة من العالم.

العراق بلدٌ لا يستطيع الهروب من موقعه. فالجغرافيا وضعته منذ قرون عند تقاطع طرق الإمبراطوريات والمصالح الكبرى. واليوم، في زمن الصراعات الإقليمية المتجددة، يبدو أن هذا الموقع لا يزال يفرض على العراق أدواراً لم يخترها دائماً.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في الجغرافيا وحدها. فالجغرافيا قد تكون قدراً، أما السياسة فهي في النهاية نتاج قرارات البشر.

فمنذ عام 2003 يعيش العراق تجربة سياسية جديدة كان الأمل أن تقوده إلى بناء دولة حديثة ومستقرة. غير أن السنوات الماضية كشفت أن بناء الدولة أصعب بكثير من إسقاط نظام سياسي.

لقد نشأ في العراق نظام سياسي قائم على التوافق بين القوى المختلفة، لكن هذا التوافق تحول تدريجياً إلى محاصصة سياسية بغيضة أضعفت مؤسسات الدولة واغرقتها في الفساد. وفي كثير من الأحيان بدا وكأن السلطة في العراق ليست مركزاً واحداً، بل شبكة من التوازنات بين قوى متعددة.

هذه المعادلة جعلت الدولة تبدو أحياناً قوية في الشكل، لكنها ضعيفة في قدرتها على اتخاذ القرار.

وأحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في العراق اليوم يتعلق بالسيادة. فالدولة الحديثة تقوم أساساً على احتكار استخدام القوة، لكن الواقع العراقي أكثر تعقيداً.

هناك مؤسسات أمنية رسمية، لكن هناك أيضاً قوى مسلحة متعددة نشأت في ظروف مختلفة، بعضها ارتبط بالحرب ضد الإرهاب، وبعضها ارتبط بظروف سياسية وإقليمية معقدة.

هذا التعدد في مراكز القوة يجعل مفهوم السيادة في العراق موضوعاً دائماً للنقاش، ويجعل الدولة في أحيان كثيرة مضطرة إلى إدارة التوازنات بدلا من فرض القرار.

فعلى المستوى الإقليمي، يقف العراق في منطقة وسطى بين قوتين مؤثرتين: إيران والولايات المتحدة. ولكل منهما حضور سياسي وأمني واقتصادي داخل العراق.

ومنذ سنوات تحاول الحكومات العراقية اتباع سياسة توازن دقيقة بين هذين الطرفين. لكنها مهمة صعبة بطبيعتها، لأن التوتر بين هذه القوى غالباً ما ينعكس مباشرة على الساحة العراقية.

وفي كل مرة تتصاعد فيها التوترات في المنطقة، يعود السؤال نفسه: هل يستطيع العراق أن يبقى خارج الصراع، أم أنه سيجد نفسه مرة أخرى جزءاً منه؟

المفارقة أن العراق، رغم ثروته النفطية الهائلة، ما زال يعاني من اقتصاد هش. فالدولة تعتمد إلى حد كبير على النفط، بينما يعاني الاقتصاد الإنتاجي من ضعف واضح.

الفساد الإداري، وضعف الإدارة، والتوترات السياسية كلها عوامل جعلت التنمية تسير ببطء شديد. والنتيجة أن بلداً يمتلك إمكانات كبيرة يجد نفسه أحياناً عاجزاً عن توفير أبسط الخدمات لمواطنيه.

في السنوات الأخيرة شهد العراق موجات احتجاج واسعة كان أهمها انتفاضة تشرين، عبّر فيها الشباب عن شعور متزايد بالإحباط من الأداء السياسي. لم تكن تلك الاحتجاجات مجرد مطالب خدمية، بل كانت أيضاً تعبيراً عن أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين المجتمع والدولة.

فعندما يفقد المواطن الثقة بمؤسسات الدولة، يصبح إصلاح النظام السياسي أكثر صعوبة.

إن العراق يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون دولة محورية في المنطقة، موقع استراتيجي، ثروة طبيعية، مجتمع شاب، وتاريخ حضاري عريق.

لكن تحويل هذه المقومات إلى قوة حقيقية يتطلب شيئاً واحداً قبل كل شيء: بناء دولة قوية، دولة المواطنة، تحكمها المؤسسات، لا التوازنات الطائفية المؤقتة.

وجاءت الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لتعقد الأمور أكثر، فالعراق، بحكم موقعه وتشابك علاقاته، يقف على خط تماس مباشر مع أي تصعيد إقليمي. المشكلة أن العراق يجد نفسه بين معادلتين متناقضتين؛ علاقات سياسية واقتصادية عميقة مع إيران، مقابل شراكات أمنية واستراتيجية مع الولايات المتحدة. وفي لحظة الحرب تصبح السيادة العراقية على المحك: هل تستطيع الدولة العراقية أن تمنع تحويل أرضها إلى ميدان صراع، أم أن الجغرافيا والتوازنات الداخلية ستفرض عليها دوراً لم تختره؟

وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر للعراق اليوم. ليس فقط أن ينجو من العواصف الإقليمية، بل أن يجد أخيراً توازنه الداخلي بدون التدخلات الطائفية.

10 أذار 2026