
بدأ في فيينا يوم الاثنين الماضي الاجتماع الاستثنائي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية(IAEA) بطلب من إيران وروسيا، لبحث ملف إيران في ظل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وأوضحت الوكالة الدولية أن الاجتماع سيبحث مسائل متعلقة بالضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران.
أن مصداقية الوكالة الدولية على المحك من جديد، حيث يواجه مديرها العام الحالي رافائيل غروسي تهم التورط مع إدارة الثور الهائج ترامب وحكومة الصهيوني الفاشي نتنياهو، في شن الحرب على إيران.
وكانت الوكالة الدولية قد اتهمت بتورطها مع إدارة مجرم الحرب بوش الأبن في شن الحرب على العراق في عام 2003، بذريعة "امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل" كذباً وزوراً.
غروسي متهم بتورطه بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل في شن الحرب على إيران مرتين خلال 7 أشهر. والحرب الأخيرة، المتواصلة لحد اليوم، هدفها المُعلن سياسي-إسقاط النظام الإيراني، بعد ان كان هدفها القضاء على برنامجها النووي، الذي أعلن ترامب أنه تم "تدميره بالكامل في العام الماضي".ويُهدد تطورالحرب إلى انزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة، التي ستكون لها بدون شك تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والدولي.
وبذلك ورط غروسي الوكالة الدولية بمخالفة طبيعة وجودها، وخرق أهدافها الأساسية.وهي التي لم تصدر أي إدانة، ولا حتى إنتقاد بسيط لأمريكا وإسرائيل في شنهما الحرب على دولة هي عضو في الوكالة الدولية، بدون تخويل دولي، وخلافاً للقانون الدولي، ولمبادي واتفاقيات ومعاهدات الأمم المتحدة، معرضة السلم والأمن الدوليين للخطر. مثلما لم تحاسب إسرائيل على امتلاكها أسلحة نووية، حيث تؤكد تقارير دولية امتلاكها 80- 120 رأساً حربيا نوويا، ولم توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ولا تسمح للوكالة الدولية بالتحقق والتفتيش والرقابة، فارضة نفسها فوق القانون الدولي، ومتحدية سلطة الوكالة الدولية، بعلم وتجاهل الحكومات الغربية، بينما تتعرض الدول الأخرى للحرب والخراب والدمار لمجرد الشك بسعيها لبرنامج نووي للأغراض السلمية.
لقد تأسست الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في 29/6/ 1957، كمنظمة دولية غير حكومية، مستقلة، تابعة للأمم المتحدة، وتعمل بإشرافها، بغرض تشجيع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والحد من التسلح النووي. ولهذا فهي منوطة بأعمال الرقابة والتفتيش والتحقيق في الدول التي لديها منشآت نووية.
يقع مقرها الرئيسي في مدينة فيينا بالنمسا، ويوجد لها مكاتب إقليمية في جنيف ونيويورك وكندا وطوكيو. وقد تعاقب على الوكالة 6 مدراء عامين، هم: ستريلنج كولى، سيجفارد إيكلوند، هانز بليكس، محمد البرادعى، يوكيا أمانو، والحالي رافائيل غروسي.
ويبلغ عدد فريق أمانة سكرتارية الوكالة 2200 فرد متعددي التخصصات المهنية، وموظفي دعم من أكثر من 90 بلدًا. كما يشمل الجهاز الإداري للوكالة منظومة متكاملة من الموظفين كخبراء.
ويضم مجلس المحافظين 35 عضوا يتم اختيارهم وفق العدد والآلية الآتية: 13 عضوا يتم اختيارهم من خلال المجلس وتكون عضويتهم لمدة سنة، و11 عضوا يتم انتخابهم كل عام من قبل المؤتمر العام، وتكون عضويتهم لمدة سنتين. وتحدد برامج وميزانيات الوكالة من خلال هيئات صنع القرار بها التي تتشكل من 35 عضوًا من مجلس المحافظين والمؤتمر العام المؤلف من ممثلي جميع الدول الأعضاء.
ومن واجبات الوكالة الدولية مراقبة المنشآت النووية وما يتصل بها بموجب اتفاقيات الوقاية مع أكثر من 140 دولة. وتعمل من أجل الأمن، والحث من الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية. ودورها الرئيسي هو الإسهام لتحقيق السلام والأمن الدوليين وضمن مشاركتها بأهداف الألفية: تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
ان المحاور الرئيسية المساندة والمؤيدة للوكالة الدولية للطاقة الذرية هي التالية:
1- تعزيز الضمانات والتحقق عبر التفتيش النووي في العالم، مع أكثر من أربعة عقود من إثبات (التحقق) بالتجربة. ويتمثل عمل مفتشيها في التأكد من المواد النووية والأنشطة النووية غير المستخدمة لأغراض عسكرية. تعمل الوكالة على منع المزيد من انتشار الأسلحة النووية. وكانت الوكالة الدولية مسؤولة عن الملف النووي في العراق- وفقاً لقرار مجلس الأمن، وحاليا الملف الإيراني.
2- تعزيز السلامة والأمن: تساعد البلدان على تحسين السلامة والأمن النوويين، والاستعداد والاستجابة للطوارئ. وعملها هذا محكوم بالاتفاقيات والمعايير والتوجيهات الدولية. والهدف الرئيسي هو حماية الناس والبيئة من الآثار الضارة للإشعاع. وان قسم إدارة السلامة والأمن النوويين هو المحور التنظيمي لهذا العنصر من عمل الوكالة.
3- تعزيز العلم والتكنولوجيا: تُعد ُالوكالة الدولية نقطة التمركز العالمية لتنسيق تعبئة (توجيه) الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية للاحتياجات الهامة للبلدان النامية ولجهودها الرامية لمحاربة الفقر والمرض وتلوث البيئة، وغيرها من اهداف التنمية المستدامة.
الى هذا، توجد، اعتباراً من عام 2023 نحو 32 دولة حول العالم تقوم بتشغيل 413 مفاعلًا نوويًا لتوليد الكهرباء و58 محطة نووية جديدة قيد الإنشاء. وبحلول نهاية عام 2022، اعتمدت 12 دولة على الطاقة النووية لتزويد ما لا يقل عن ربع إجمالي الكهرباء لديها. وفي فرنسا وسلوفاكيا وأوكرانيا، تشكل الطاقة النووية أكثر من نصف إجمالي إنتاج الكهرباء.
كما تقع السلامة النووية على عاتق كل دولة تستخدم التكنولوجيا النووية وتعمل وكالة الطاقة الذرية من خلال إدارة شؤون السلامة والأمن النووي على توفير إطار نووي عالمي قوي ومستدام وواضح للسلامة والأمن لحماية الناس والمجتمعات والبيئة. ويوفر هذا الإطار التنمية المتناسقة، ويعمل على تطبيق معايير السلامة والأمن والمبادئ التوجيهية والمتطلبات. ولكن ليس لديه ولاية لفرض تطبيق معايير السلامة داخل البلاد
والوكالة الدولية كمنظمة دولية مستقلة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، مُلزمة بتقديم تقريرا سنويا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك، عند الاقتضاء، إلى مجلس الأمن، في حالة عدم امتثال دولة ما لالتزاماتها المتعلقة بالإجراءات الوقائية، فضلا عن المسائل المتعلقة بالسلام والأمن الدولي.. ما عدى الربيبة إسرائيل-كما أسلفنا.
وفي إطار معاهدة 1968 لحظر انتشار الأسلحة النووية تجري الوكالة الدولية عمليات تفتيش موقعي لضمان استخدام المواد النووية للأغراض السلمية فقط. وإنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية كنهج إقليمي لتعزيز المعايير العالمية المتعلقة بعدم الانتشار النووي ونزع السلاح وتوحيد الجهود الدولية من أجل السلام والأمن الدوليين.
بشأن الاتهامات الموجهة للوكالة الدولية، قديماً وحديثاً. فقد وجه لها الاتهام أيام كان مديرها العام المصري محمد البرادعي، بتورطها في الحرب على العراق عام 1002.وقد نفى ذلك البرادعي. ونفى امتلاك الوكالة الدولية لما يثبت امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. وقد نالت الوكالة ومديرها العام البرادعي، جائزة نوبل للسلام، في عام 2005، تقديرا لجهودهما المبذولة لمنع استخدام الطاقة النووية للأغراض العسكرية، وكفالة استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية بأكثر الطرق الممكنة أماناً. وعقاباً له على موقفه الرافض لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، لم يتم التجديد له بضغط من الإدارة الأمريكية والحكومات الغربية.
أما الأرجنتيني روفائيل غروسي، فثمة أدلة كثيرة تثبت تورطه. وقبل تناول الاتهامات، ننقل ما كتبه عنه الدبلوماسي والوزير العراقي الأسبق د. حسن الجنابي:
لقد قاد الحظ غروسي ليصبح مديراً عاماً للوكالة الدولية، نتيجة للعرف المعتمد في وكالات الأمم المتحدة القائم على التداول الجغرافي للمناصب العليا في المنظمة، فهو مثّل ويمثّل عنصر مواجهة دائمة مع إيران. وأعتقد انه يعتبر تلك "المواجهة" نافذته لتأمين دعم الغرب لتجديد عهدته لأربع سنوات أخرى، وقد حصل على مراده وسيبقى حتى نهاية 2027 بعد تثبيته بالمنصب لدورة ثانية. وعلى العكس من سابقه، الياباني يوكيا أمانو، المعروف بابتعاده عن الإعلام، والتركيز على العمل الفني للوكالة في مجال عملها الحسّاس، فإن غروسي مغرم بالظهور الإعلامي الذي من خلاله تعثرت أجواء عمل الوكالة - مع إيران مثلاً- والأصح هو انزلاقها نحو التسييس أكثر من أي وقت مضى.
وللمقارنة فقد حصل الاتفاق المعروف باتفاق (5+1)، والذي هو اتفاق شامل بشأن البرنامج النووي الإيراني، أثناء تولي يوكيا أمانو رئاسة الوكالة الدولية. وقد لعبت الوكالة دوراً محورياً في التوصل الى ذلك الاتفاق، بالتعاون مع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، والإتحاد الأوربي، دون أن يظهر يوكيا أمانو في الإعلام ليسّوق لنفسه، أو للوكالة، عن ذلك المنجز الهام للأمن الدولي.
بينما غروسي لم يترك مناسبة دون أن يظهر في الاعلام، أو يصدر تصريحاً، أو يعقد اجتماعات في أوقات زمنية حرجة. وبالعودة قليلاً الى الخلف، فليس من دون مغزى الإشادة التي "تبرع بها" وزير خارجية ترامب في عهدته الأولى مايك بومبيو لصالح غروسي، ودعمه له لتولي رئاسة الوكالة خلفاً للياباني أمانو، حينها، ولا أعتقد بأن ذلك الدعم كان بعيداً عن الموقف من الملف الإيراني ("المدى"،14/7/ 2025)..







