
شكل إعلان وفاة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي يوم السبت 1 آذار 2026، وما أعقبه من ترتيبات دستورية مؤقتة لإدارة شؤون الدولة، لحظة مفصلية في تاريخ النظام السياسي في إيران. وقد تُوِّجت هذه المرحلة بقرار مجلس خبراء القيادة في 8 آذار 2026 انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية، وهو تطور أعاد طرح التساؤلات حول العلاقة بين النص الدستوري والواقع السياسي في عملية انتقال القيادة.
يمثل انتقال السلطة العليا في إيران مسألة مركزية في بنية النظام السياسي، إذ يجمع بين قواعد دستورية محددة وآليات مؤسسية تهدف إلى ضمان استمرارية الدولة ومنع حدوث فراغ في قمة هرم السلطة. ورغم وضوح النصوص الدستورية التي تنظم اختيار المرشد، فإن التجربة التاريخية – كما حدث عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني – تشير إلى أن الواقع السياسي قد يفرض قدراً من المرونة في تفسير الشروط الدستورية.
ينظم الدستور الإيراني هذه المسألة عبر منظومة مترابطة من المواد (5) و(107) و(109) و(110) و(111). فالمادة (5) تقرر مبدأ ولاية الفقيه بوصفه الأساس المرجعي لمنصب القيادة. أما المادة (107) فتمنح صلاحية تعيين القائد حصراً إلى مجلس خبراء القيادة المنتخب شعبياً، مع التأكيد على مساواة القائد أمام القانون، كما تجيز اختيار قائد فرد أو مجلس قيادة إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وتحدد المادة (109) الشروط الواجب توافرها في القائد، وهي:
- الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية.
- الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة.
وعند تعدد من تتوفر فيهم هذه الشروط، يفضل من يمتلك رؤية فقهية وسياسية أرجح من غيره.
أما المادة (110) فتعدد صلاحيات القائد، ومنها رسم السياسات العامة للنظام، والقيادة العليا للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلم، وتعيين وعزل عدد من كبار المسؤولين، فضلاً عن المصادقة على انتخاب رئيس الجمهورية. وتفسر هذه الصلاحيات الواسعة حساسية المنصب وأهمية المعايير التي تحكم اختيار القائد.
وفي حالة شغور المنصب بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العزل، تنص المادة (111) على أن يتولى مجلس خبراء القيادة تعيين القائد الجديد بأسرع وقت ممكن. وإلى حين إعلان القائد، تتولى هيئة قيادية مؤقتة مكوّنة من رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، يتم اختياره من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام، والذي اختار علي رضا أعرافي، ممارسة صلاحيات القيادة بصورة مؤقتة. وقد قيّد الدستور هذه الهيئة في القرارات المصيرية، مشترطاً أغلبية معززة في قضايا مثل السياسات العامة أو الحرب والسلم، بما يؤكد الطبيعة الانتقالية لدورها.
وفي ضوء هذه الآلية الدستورية، جاء قرار مجلس خبراء القيادة في 8 آذار 2026 بانتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى ليعكس ممارسة المجلس لسلطته التقديرية في تقييم شروط المادة (109). وقد أثار هذا الاختيار نقاشاً سياسياً وقانونياً حول طبيعة المعايير التي جرى اعتمادها، ولا سيما في ظل الجدل الذي يحيط بمستوى الاجتهاد الفقهي من جهة، وبالعوامل السياسية والمؤسسية المرتبطة باستمرارية النخبة الحاكمة من جهة أخرى.
ويعيد هذا التطور إلى الأذهان سابقة عام 1989، حين اختير علي خامنئي مرشداً أعلى بعد وفاة روح الله الخميني، رغم أن شرط المرجعية الدينية لم يكن متحققاً فيه آنذاك بالمعنى التقليدي. وقد جرى لاحقاً تعديل الدستور لتخفيف هذا الشرط، فاستبدل مفهوم «المرجعية» بمتطلب «الاجتهاد المطلق والكفاءة القيادية». وقد عكس ذلك قدرة النظام على المواءمة بين متطلبات النص الدستوري والاعتبارات السياسية المرتبطة بالحفاظ على استقرار السلطة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم انتخاب مجتبى خامنئي بوصفه امتداداً لهذه المرونة المؤسسية التي تسمح للنظام بالتكيف مع التحولات السياسية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الإطار الدستوري الذي يمنح مجلس خبراء القيادة الدور الحاسم في عملية الاختيار.
وعليه، فإن منظومة المواد (107) و(109) و(111) تشكل إطاراً متكاملاً لتنظيم انتقال القيادة في إيران: فمجلس الخبراء هو الجهة الحصرية للاختيار والرقابة، والمجلس المؤقت يمثل آلية لضمان استمرارية الدولة في مرحلة الفراغ، بينما تتيح التجربة التاريخية إمكان تطوير التفسير الدستوري أو تعديله إذا اقتضت الظروف ذلك.
وخلاصة القول إن الدستور الإيراني يوفر آلية واضحة لانتقال القيادة، ويقيد السلطة المؤقتة لضمان الاستقرار المؤسسي. غير أن التجربة التاريخية – سواء في عام 1989 أو في الانتقال الذي شهدته إيران في آذار 2026 – تؤكد أن النظام قد يلجأ، عند الضرورة، إلى إعادة تفسير النص أو تعديله لتجاوز الجمود الدستوري. ولذلك يظل انتقال القيادة محكوماً بالنصوص الدستورية، لكنه في الوقت ذاته مفتوح على احتمالات التكييف المؤسسي إذا ما اقتضت موازين القوى والاعتبارات السياسية ذلك.
رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية







