السياسية فن الممكن في ظروف طبيعية وفي سياق الصراعات غير المسلحة التدميرية وان فسحة المناورة في السياسة تبقى قائمة حين يعترف أطراف الصراع بوجود فسحة للحل خارج إطار فائض القوة العدواني، ما اعلنه ترامب ان هناك مفاوضات مع ايران وتسير بشكل ممتاز مع قادة محترمين ولا نعرف كما لا تعرفه ايران اذا كان هناك أصناف عدة من القادة: محترمين وغير محترمين. 
ولكن هل يمارس ترامب فن المباغتة بعد خمسة ايام من استراحة المعارك ام انه وقع تحت ضغوطات العالم لتجنب استمرار الحرب نظرا لما يهدده سلوك ترامب للسلم العالمي ولأمن الطاقة، أم انه يبحث عن مخرج لإنقاذ إسرائيل من حجم الخراب الذي وقعت فيه جراء الضربات الأيرانية الموجهة للعمق الأسرائيلي فأسرائيل رغم تفوقها الأستخبارتي المعلوماتي والتكنولوجيا  فهي لا تتحمل الضربات الأيرانية التي تؤدي نتائجها الى هجرة قسرية للأسرائيلين لم يتعودوا عليها من قبل وتشل حياتهم اليومية وتعبث في اوقات استرخائهم ولم يحصل أن نقلت المعركة إلى العمق الأسرائيلي كما يحصل اليوم منذ العام 1948مع اجتهادنا في مبررات التوقيت ودوافعه.
نعرف ان النتائج غير محسومة واذا ما استمرت الحرب فأن الخراب وعدم الاستقرار سيؤدي بحرب شاملة في المنطقة لن ينجوا منها احد بما فيها دول الخليج  العربي والكيان الصهيوني، وأعتقد أن سقوط النظام الأيراني بالقوة المفرطة سيفتح عهدا لخراب شامل  تدشنه صفحات جديدة من الأرهاب وعدم الاستقرار. 
ترامب ليست سياسي من الطراز الأول ولا هو منظر في الفكر السياسي ولا يؤمن بالديمقراطية كطريقة للحكم بل هو نموذج لرجل اعمال لا يوجد لديه اي بعد انساني في الحسابات السياسية بل ان حسابات الربح والخسارة والأستحواذ على المال والموارد دون أي وازع أخلاقي تشكل الجزء الأعظم من سلوكه وان منافساته مع العالم الخارجي قائمة على الربح المطلق مقرونة باستخدام القوة لتنفيذ ذلك. 
وانه يتعامل مع السياسة الدولية بمنطق الصفقات ذات الربح السريع وليست بأستراتيجيات بعيدة المدى  ولا يعنيه السلم والأمن الدوليين إلا بقدر ما يستفيد من ذلك وليست بقيم انسانية خالصة ولا توجد لديه قيم فاصلة بين التدمير والبناء إلا من منظور المصلحة الشخصية الخالصة. 
ترامب لا يمتلك اي معلومات عن العلوم الاستراتيجية كسابقيه وطاقمه كذلك فهو يتخذ القرارات من الأعلى الى الأسفل ولن يستمع الى مستشاريه إلا بقدر ما ينسجم مع سلوكه في الربح والخسارة فهو يقرر والآخرين ينفذون. 
وتشكل نرجسيته الخبيثة احد اهم مصادر الخطر على الداخل الأمريكي وعلى العالم الخارجي فهو يحب نفسه ولم يرى فيها غير الربح والفوز على الجميع وإن حصلت الخسارة لديه فهي ربح مضاعف واذا اعترف يوما انه خسر فأنه سيصاب بمقتل وقد تنهار امريكا على يديه كدولة عظمى وتدخل في فوضى قد تهدد امريكا ونظامها الديمقراطي كما حصل ذلك كمقدمات في خسارته لولاية ثانية على يد بايدن، فالديمقراطية لدى ترامب هي الفوز اولا وأخيرا. 
وصل "ترامب" إلى البيت الأبيض على سفينة "الشعبوية".تلك "الموضة" التى خلبت عقل المواطن الأمريكى لبعض الوقت، وأحس معها بالانبهار بشخصية «ترامب» الذى يحمل خطاباً جديداً ويؤدى بطريقة شديدة الإثارة، وكأنه شخصية وقعت من أحد أفلام الأكشن.
منذ وصوله إلى البيت الأبيض بدا "ترامب" جريئاً.. فردياً.. لا يعرف الحسابات السياسية ولا يريد أن يفهم شيئاً عنها.. يبيع العقل فى سوق الإثارة.. يضع الأوهام فى علب شديدة الشياكة.. ويبيعها بأغلى الأثمان.. لا يحب المؤسسات لأنه جاء من خارج المؤسسة السياسية.. من يختلف معه فى الرأى يطيح به فى عرض الطريق. سيخسر ترامب مهما بلغ من حنكة في المراوغات وتشويه الحقائق, فالديمقراطية رغم انها لعبة في بعض وجوههها إلا انها تستند الى الذكاء الاجتماعي في الوعي وقراءة المستقبل, وان ترامب لا يمتلك تلك الفطنة في ادارة الصراع داخل امريكا وخارجها ولا يفهم سوى لغة الفوز المطلق. 
في تلك البيئة السيكولوجية المريضة للرئيس الأمريكي ترامب والبيئة المتشددة للنظام الأيراني هل يمكن الوصول إلى تسوية مع النظام الأيراني بأعتباره نظام عقائدي لا يعرف غير اللونين الأسود والأبيض ولا يؤمن بمنطقة رمادية في السياسة وكلاهما يؤمن بأما الفوز أو الشهادة كل حسب طريقته. 
أن العدوان الأمريكي الأسرائيلي الغاشم على ايران هو اعتداء على دول المنطقة بأكملها حيث عدم الاستقرار والفوضى والحرمان وسلب ارادة الشعوب في تغير نظمها نحو الأفضل وبطرق سلمية مستمدة من ارادة الشعوب وفي اطار عملية الصراع الأقتصادي والأجتماعي. 
أن هذه الحرب العدوانية تستهدف فرض أجندة ما يسمى " شرق أوسط جديد " الذي يستهدف مزيدا من الأمن لأسرائيل ومزيدا من الأنكار لحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة على أرضه.