لم يتعرض حزب في تاريخ العراق السياسي الحديث للقمع والملاحقة والسجن والتعذيب والنفي والإعدام بحق رفيقاته ورفاقه ومنهم قياداته كما الحزب الشيوعي العراقي، والمفارقة هو أنه تعرض لكل تلك الويلات من مختلف الانظمة السياسية الحاكمة دون استثناء. هذه الويلات والمصاعب التي لاحقت الحزب ولم تنقطع لليوم لا يجب قراءتها كحملة اضطهاد منظمة ومستمرة فقط، بل دليل على عدم مغادرة الحزب مواقعه النضالية ، وعدم مساومته على اهدافه رغم التضحيات الكبيرة في مسيرته ، التي ظل فيها ملتصقا بهموم الناس وآمالهم وتطلعاتهم. لهذا لم يكن عداء الانظمة المختلفة للحزب وملاحقته والتضييق عليه سياسة عابرة، بل سياسة سلطات لا تحتمل قرب الشيوعيين من الجماهير والتواجد بينهم. كما أن استمرار القمع عبر أنظمة مختلفة هو دليل على تأثير الحزب، لا ضعفه كما يتوهم البعض.

 لم تكتف الأنظمة الحاكمة بمطاردة الشيوعيين وقمعهم فقط، بل أنهم عملوا بالفعل والقول على سحق الحزب وإنهاء وجوده، ومن اوائل من تبنى هذه السياسة كان الجنرال بكر صدقي الذي شنّ هجوما على الحزب بتاريخ 17 آذار 1937 قائلا: إنّ هناك هناك اشخاصا تحدثّوا عن "استعداد مسبق لتقبّل الشيوعية في هذا البلد"، "ولكن أين هي مصانعنا وأين هم عمالنا.".. "أين هم رأسماليّونا وأين هو رأس المال الذي سيسببون الاضطهاد به" (1)

 وردّا على تساؤل بكر صدقي "أين هم عمالنا"، "أضرب عمّال الميناء يوم 24 آذار ( مارس) 1937، وتبعهم عمال شركة السجائر الوطنية في بغداد وشركة النفط العراقية في كركوك يوم 5 نيسان ( ابريل) 1937، وانتشرت الاضرابات يومها بتتابع سريع الى مختلف مواقع الحفريات ومحطات ضخ النفط والى سدّ الكوت وورشات السكك الحديدية في بغداد ومصانع الحياكة في النجف والقاعدة العسكرية في الحبانية" (2)

لم يكن دافع الاضرابات سياسيا الا بشكل جزئي كما يقول بطاطو، لكن، "اذا كان الاستياء العام قد مهد الطريق امام الإضرابات، فإن المبادرة جاءت- جزئيا- من الشيوعيين...." (3)، ووقتها اطلق بكر صدقي جملته التهديدية التي اعلن فيها "استعداد الجيش .. لسحق أية حركة – شيوعية كانت او غيرها- تنتهك حرمة العرش وإن بدرجة صغيرة" (4) ... فهل نجح بكر صدقي في سحق الحزب الشيوعي العراقي و انهاء وجوده..!؟

لم يكن بكر صدقي اوّل من حاول انهاء وجود الحزب، بل سبقه في العام 1935 رستم حيدر الذي قال وبعد الضربات الموجعة للحزب الفتي وقتها، من ان الحزب يعيش ايامه الاخيرة. ووقع مدير الامن العام بهجت العطية بنفس خطأ صدقي ورستم، من ان الحزب يعيش ايامه الاخيرة خصوصا بعد إعدام قادته، في حين كانت الشيوعية ووفق بطاطو "عاملا من عوامل الحياة في العراق". اما البعث فقط سقط مرتين في اوهامه، مرة في انقلاب شباط الاسود وهو يحول العراق الى مسلخ بشري للشيوعيين، ومنهم قادته . ومرة نهاية سبعينات القرن الماضي، حينما لاحقت اجهزته القمعية الشيوعيين في كل زاوية من زوايا الوطن.

 لم تكن ملاحقة الشيوعيين ومحاولة انهاء وجودهم من اهداف الانظمة الحاكمة فقط، بل تعدتها الى الاحزاب السياسية العراقية المختلفة، فقد تعرض الحزب لهجمات دموية ادت الى استشهاد العشرات من رفيقاته ورفاقه من قبلهم، واغتيالات طالت ناشطيه حتى بعد الاحتلال الامريكي للبلاد وقيام "نظام ديموقراطي". وإن كانت حكومات ما قبل الاحتلال قد عملت على انهاء الحزب عن طريق القمع المنظم والاعدامات، فان نظام المحاصصة يعمل على نفس النهج، لكن عبر "انتخابات" يحتكر فيها كل شيء، ويضيق فيه الخناق على الشيوعيين والديموقراطيين لابعادهم عن المشهد السياسي.

 مثلما فشلت الانظمة السابقة في مساعيها لانهاء الحزب، فان نظام الحكم في العراق اليوم سيفشل هو الاخر وسيلحق في اوهامه كل الذين سبقوه. لقد اثبتت فترة نضال امتدت لاثنين وتسعين عاما ومستمرة لليوم، من ان الحزب :

 "باق واعمار الطغاة قصار.. من سفر مجدك عاطر موّار" .... (الجواهري)

 المجد للحزب الشيوعي العراقي في عيد تأسيسه الثاني والتسعين

المجد لشهيدات وشهداء الحزب والعار لقتلتهم

أجمل التهاني لرفيقات ورفاق الحزب وأصدقائه ومناصريه

  المصادر

(1) العراق- الكتاب الثاني، الحزب الشيوعي العراقي، ص96 – حنا بطاطو

(2) المصدر السابق ص 97

(3) المصدر السابق ص 98

(4) المصدر السابق ص 97