يكرر بنيامين نتنياهو، منذ أعوام، أنه يريد "إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط"، ويردد، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن إسرائيل تخوض حرباً مستمرة على ست جبهات. وفي 15 أيلول/ سبتمبر 2025، فاجأ المراقبين بتصريحه أن إسرائيل ستضطر، بسبب عزلتها الدبلوماسية، إلى الاعتماد على نفسها والتحوّل إلى "إسبرطة عظمى".

في اليوم الذي أعقب صدور ذلك التصريح، نشرت قناة " 12" مقالاً لمحللها السياسي أمنون أبراموفيتش، نقلته نشرة "مختارات من الصحف العبرية"، بعنوان: "نحن في إسبرطة، ونتنياهو وعائلته في وليمة رومانية"، ذكر فيه أن نتنياهو سيجعل من إسرائيل "سوبر- إسبرطة"، التي "عزلت نفسها وحاربت حتى فنائها، وسقط فيها أعداد هائلة من القتلى والجرحى، وأصبح سكانها فقراء، ومَن استطاع مغادرتها غادر، وألغت الديمقراطية، وتبنّت سياسة مسيانية، وسعت للنصر المطلق، فضعُفت وهُزمت"، وتساءل روبنشتاين، في معرض مقارنته بين أوضاع إسبرطة وبين أوضاع إسرائيل: "هل يتحدث نتنياهو عن اقتصاد اكتفاء ذاتي؟ هل رؤيته هي رؤية إسبرطة؟ حسناً، لنسِر معه؛ المواطن الإسبرطي كان مُلزماً العمل، فإسبرطة لم تموّل بطالة متوارثة عبر أنظمة تعليم لا - دولانية، ولا عبر مخصصات أطفال، أو دعم حضانات، أو منح دراسية لأبناء المعاهد الدينية، والمواطن الإسبرطي كان مُلزماً الانخراط في الجيش والخدمة حتى سن متقدمة، فلم يكن هناك قانون تهرُّب من الخدمة العسكرية"[1].

ماذا كانت طبيعة إسبرطة التي يريد نتنياهو التشبه بها؟

تأسست المدينة-الدولة إسبرطة بعد أن استوطن الغزاة الدًوريون (Dorians) منطقة لاكونية في جنوب اليونان بدءاً من القرن الحادي عشر قبل الميلاد. ومع أنه لا يعرف شيء كثير عن هذه المدينة-الدولة حتى القرن الثامن قبل الميلاد، فإن من الواضح أن هؤلاء الغزاة اتبعوا طريقة فريدة في الحكم، طبعت تاريخ إسبرطة طوال العصور التالية بطابعهم.

تميزّت إسبرطة بإخضاع مواطنيها إلى دورات تدريب عسكري، وجعلهم يعيشون حياة بسيطة في قاعات مشتركة. فالذكور كانوا يخضعون، منذ سن السابعة، لإعداد عسكري، إذ كانوا يُقسّمون إلى فئات عمرية ويعيشون في ثكنات، وهو إعداد يزداد مشقة بدءاً من سن العشرين. وقد أنتج هذا الإعداد الشاق جيشاً من المحترفين القادرين على خوض معارك قتالية متطورة. وأولى الإسبرطيون أهمية بالغة للشؤون الدينية، فكانوا يقدمون القرابين إلى آلهتهم قبل المعارك وبعدها، ويمتنعون عن حشد جيشهم عند حلول أحد الأعياد الدينية المهمة[2].

كان المجتمع الإسبرطي مجتمعاً هرمياً ينقسم إلى ثلاث طبقات: في الأعلى بضعة آلاف من المواطنين المتساوين من أحفاد الغزاة، الذين يكرسون معظم وقتهم للخدمة العسكرية، ويحتكرون السلطة ويمتلكون الأراضي التي لا يزرعونها بأنفسهم؛ في الوسط، كان هناك طبقة يكرس أفرادها انفسهم للأنشطة الحرفية والتجارية، ويعيشون، بصفتهم مواطنين أحراراً، وفقاً لعاداتهم الخاصة، على أطراف الإقليم؛ أما في أسفل الهرم الاجتماعي، فكانت هناك طبقة العبيد، التي ينحدر أفرادها من شعوب مُستعبدة او محتلة أراضيها، ويعيشون محرومين من جميع الحقوق المدنية، ويجري استغلاهم في زراعة أراضي أحفاد الغزاة. وقد تمكنت إسبرطة، في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، من هزيمة جميع أعدائها، بما في ذلك أثينا، لتوسع إمبراطوريتها من اليونان إلى حدود بلاد فارس، وأقامت أنظمة حكم أوليغارشية في كل مكان تحت إشراف حكامها.  لكن، بعد انتصارها وهيمنتها على اليونان المنقسمة، سحق اليونانيون جيش إسبرطة في سنة 371 قبل الميلاد، جراء الفساد الذي أضعفها والنقص الحاد في عدد مواطنيها ومقاتليها، ولم تضطلع إسبرطة منذ ذلك الحين سوى بدور تاريخي ثانوي إلى أن اندثرت[3].

هل إسرائيل هي "إسبرطة الحديثة"؟

في 23 آذار/مارس 2026، في خضم الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، كتب الصحافي، في المجلة الإلكترونية الفرنسية "أوريان 21"، سيلفان سيبل مقالاً بعنوان: "إسرائيل: كيف تبقى إسبرطة العظمى؟"، أشار فيه إلى أن إسرائيل  لطالما احتاجت إلى "تهديد وجودي" وشيك، بحيث لم يكن تاريخها، منذ الغزو الصهيوني لفلسطين وحتى يومنا هذا، "سوى سلسلة شبه مستمرة من النزاعات المسلحة"، التي تنطوي على "تحديات هي دائماً وجودية"، مضيفاً أن إسرائيل ليست دولة تمتلك جيشاً، بل جيشاً يمتلك دولة، إذ تمتلك "جيشاً قوامه 650 ألف رجل، من ضباط محترفين ومجندين واحتياطيين مجتمعين، مقابل عدد سكان يزيد قليلاً عن 10 ملايين نسمة – وهي نسبة فريدة من نوعها في العالم"، ذلك أن فرنسا تمتلك "ما يزيد قليلاً عن 200 ألف عسكري مقابل 69 مليون نسمة"، كما بنت إسرائيل في غضون بضعة عقود "مجمعاً صناعياً عسكرياً يجعلها تحتل المرتبة الثامنة في السوق العالمي للأسلحة والمعدات العسكرية". وخلص سيبل إلى أن مقارنة إسرائيل بإسبرطة هي مقولة قديمة، وهي "تعبر، عموماً، عن انتقاد لاذع لدولة إسرائيل لكن نتنياهو، على العكس من ذلك، يتبنى هذه المقارنة؛ ففي 15 أيلول/سبتمبر 2025، أعلن أمام حشد من المستثمرين والمسؤولين الاقتصاديين الإسرائيليين أنه يعتزم جعل دولته إسبرطة عظمى"، متجاهلاً حقيقة أن هذه المدينة-الدولة اندثرت "من دون أن تترك للبشرية أي إرث يمكن وصفه بـ«حضاري»، كما فعلت أثينا أو روما"[4].

وكان الصحافي والباحث السياسي الفرنسي بيير هاسكي، قد  نشر في 17 أيلول/سبتمبر 2025، أي  بعد يومين من تصريح بنيامين نتنياهو، مقالاً بعنوان: "نتنياهو يريد تحويل إسرائيل إلى إسبرطة عظمى، في إشارة تاريخية تثير القلق"، ذكر فيه أن إسبرطة  كانت "تلك المدينة-الدولة في اليونان القديمة، المعروفة بتنظيمها العسكري، وانضباطها، والطاعة الصارمة للدولة، وكانت أيضاً مجتمعاً هرمياً للغاية، لم يكن فيه للجميع الحقوق نفسها، وكان البعض يُستعبد فيه"، معتبراً أن بنيامين نتنياهو بلجوئه إلى هذه المقارنة يوجه رسالة إلى مواطنيه، وكذلك إلى بقية العالم، مفادها أن إسرائيل "في حالة حرب مستمرة، وأن الحرب لم تعد مجرد فترة استثنائية بين فترات عادية، كما كان الحال في الماضي، بل أصبحت الآن حالة دائمة"، كما أنها، على غرار إسبرطة، "اقتصاد حرب، بما في ذلك الاكتفاء الذاتي النسبي في إنتاج الأسلحة"، وستضطر "إلى المرور بعزلة دولية  نسبية"، وخصوصاً في ظل "الانتقادات المتزايدة القادمة من أوروبا"[5].

السابع من تشرين الأول/اكتوبر نقطة التحوّل

كانت الحرب التي شنتها إسرائيل، بالتشارك مع الولايات المتحدة الأميركية، في 28 شباط/فبراير 2026، على إيران جزءاً من سلسلة طويلة من التصعيد تعود إلى حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، التي استمرت في جبهات عديدة خلال سنتَي 2024 و2025، وبلغت ذروتها في حرب الاثني عشر يوماً التي خاضتها إسرائيل ثم الولايات المتحدة ضد إيران، في الفترة من 13 إلى 24 حزيران/ يونيو 2025.

شكّلت الحرب على قطاع غزة إذن نقطة التحوّل التي أشعلت فتيل هذا التصعيد. فمن خلال الإضرار بصورة جذرية بقدرة الردع الإسرائيلية، أجبرت هجمات "حماس" إسرائيل على الرد بقوة هائلة، وحشد بنيامين نتنياهو قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، بحيث كشفت استطلاعات الرأي "عن مجتمعٍ يسيطر عليه هوس الإبادة الجماعية، مجتمعٌ يتجاهل عمداً موت الفلسطينيين ومعاناتهم، ويتغاضى علناً، على أقل تقدير، عن التطهير العرقي". ويرى الباحث آساف ياكير أن "حكم نتنياهو الطويل إلى حد كبير اعتمد على قدرته على إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن الاحتلال ليس مسألة ملحة"، وأكد لمؤيديه ومعارضيه على حد سواء "إمكانية الحفاظ على الأمن، مع استمرار قمع الفلسطينيين"، لكنه "فشل فشلاً ذريعاً، وانهار وعده بأن ينعم الإسرائيليون بالأمن والازدهار في ظل وجود أراضٍ فلسطينية محاصرة باستمرار، وخاضعة للعدوان العسكري والقمع السياسي". وكان من الممكن، كما تابع، أن يؤدي السابع من تشرين الأول/اكتوبر "إلى انهيار شرعية إسرائيل، وإزاحة نتنياهو وقادة الجيش الإسرائيلي، لكن هذا لم يحدث، بل على العكس، عزز ذلك مواقعهم في التشكيل الجديد للنظام الإسرائيلي الذي ظهر منذ ذلك الحين"، وسمحت الحرب على غزة لنتنياهو "باستعادة مكانته السياسية تدريجياً، كما عززت التحالف بين شركائه في الائتلاف-قادة المستوطنين واليهود المتشددين-وحزبه، الليكود"[6].

الحرب على إيران "هوس" و"ثابت إيديولوجي"

وصف دوف ألفون، رئيس تحرير صحيفة "ليبراسيون" الباريسية السابق ورئيس تحرير صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية السابق، حرب بنيامين نتنياهو على إيران بأنها "هوس" و"ثابت أيديولوجي"، وذلك في حديثه لإذاعة "فرانس إنتر" يوم الجمعة في 10 نيسان/أبريل الجاري، وكشف أنه التقى بنيامين نتنياهو قبل 20 عاماً عندما كان وزيراً للمالية، وأنه بعد عشر دقائق من حديثهما عن مشروعه، الذي "حقق نجاحاً كبيراً لتحويل إسرائيل إلى إمبراطورية تكنولوجية"، قال له الوزير: "دعنا نتحدث عن إيران على أي حال". ووفقاً لاستطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي" فإن 81% من الرأي العام الإسرائيلي يدعم الضربات على إيران، في حين يرى 63% من المستطلعين أن الحملة العسكرية عليها يجب أن تستمر حتى سقوط النظام. وتوقف دوف ألفون عند قرار دونالد ترامب بالتوصل إلى هدنة الأسبوعين، فقال: "تسلسل الأحداث خلال الـ 48 ساعة الماضية بسيط للغاية؛ دونالد ترامب هو من أدلى بتصريح [التوصل إلى هدنة]"، مشيراً إلى أن نتنياهو لم يتراجع، خلال الحروب التي خاضها في السنوات الأخيرة، إلا ثلاث مرات كانت جميعها بعد مكالمات من دونالد ترامب". وفي حديثه إلى الإذاعة نفسها، رأى دينيس شاربيت، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة في إسرائيل، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "لديه هدف أيديولوجي واضح للغاية: يريد أن يُخلّد اسمه في التاريخ باعتباره من غيّر وجه الشرق الأوسط تماماً"، وأضاف: "لكن التاريخ لا يكترث بنوايا السياسيين، فمهما بلغ غرورهم، بل وحتى جنون العظمة، غالباً ما ينتهي بهم الأمر بنتائج متباينة"، مقدراً أن المجتمع الإسرائيلي "يرى بوضوح أن استخدام القوة كغاية في حد ذاتها، من دون تحقيق نتائج ملموسة، يبقى فشلاً"[7].

"الإسرائيليون يعتقدون أن السبيل الوحيد للعيش بأمان هو الحرب"

هذا ما توصلت إليه عالمة الاجتماع السياسي نيتزان بيرلمان، بعد عام على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فذكرت أن إسرائيل "تعيش في حالة طوارئ، عندما لا تكون في حالة حرب، ولم يعرف الإسرائيليون قط أي أمر آخر، لدرجة أن اتفاقيتّي السلام مع الأردن ومصر لا تُؤخذان على محمل الجد، لكن من الصحيح أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر كان نقطة تحول رئيسية في المنطقة، نقطة تطرف وانقسام". فمباشرة بعد أحداث ذلك اليوم، ساد انطباع "بأن الجيش الإسرائيلي، المؤسسة التي يثق بها الإسرائيليون ثقةً كبيرة، لم يعد يؤدي وظيفته، وهذا تحوّل كبير لأن الأمن في إسرائيل هو الأولوية القصوى... لكن منذ ذلك الحين، ولا سيما مع اغتيالات قادة حماس وحزب الله، استعادت هذه الصورة عافيتها". وأضافت عالمة الاجتماع السياسي أن الجديد الذي نلمسه في صراعات اليوم، مقارنةً بالصراعات السابقة، هو "وجود اليمين المتطرف في الائتلاف الحاكم، وسعي وزرائه لتصعيد التوترات مع جميع الدول المجاورة، وقيام نتنياهو باستغلال هذا الشعور بالخوف والحرب الدائمة للبقاء في السلطة"، لتخلص إلى أنه "لم يعد أحد يؤمن بإمكانية السلام، وبالتالي، فإن الحل الوحيد لأمن الإسرائيليين هو الحرب، بينما في داخل الحكومة، ينصب التركيز على أهمية السيطرة العسكرية على هذه المنطقة"[8].

ويتفق الصحافي ميرون رابوبورت، وهو من الأصوات القليلة في إسرائيل المناهضة للحرب، مع هذا التحليل، فيقدّر أن القوة باتت بالنسبة للإسرائيليين "هي السبيل الوحيد للتعامل مع دول المنطقة"، وأن اليمين القومي والديني الحاكم أصبح "متعصباً للموت والعنف" بصورة لم يسبق لها مثيل[9].

هل يدري الإسرائيليون أن ثمن الحرب سيكون باهظاً للغاية؟

لاحظ الصحافي الإسرائيلي المناهض للاحتلال والحرب جدعون ليفي أن العداء إزاء الآخرين أصبح هو عامل التماسك الاجتماعي في إسرائيل، وذلك على الرغم من أن ثمن الحرب الذي يدفعه المجتمع الإسرائيلي باهظٌ للغاية، وإن كان من الصعب حالياً تقييمه بدقة، وكتب: "من المرجح أن يستغرق الأمر سنواتٍ عديدةً لقياس حجم الضرر الناجم عن المواجهة مع إيران والتدخل العسكري في غزة، وهو ضرر يشمل الاقتصاد والأمن ومكانة إسرائيل الدولية ومصير شعبها، فضلاً عن إراقة الدماء والدمار الواسع النطاق والقلق الذي سيلازمنا لسنواتٍ طويلة قادمة"، إذ "تتزايد حالات إفلاس الشركات، ويعاني النظام التعليمي من شللٍ تام، ويعاني الناس من انهياراتٍ عصبية؛ هذا البلد، الذي يعتبر نفسه طبيعياً، يعيش منذ عامين ونصف في ظروفٍ غير طبيعية، وقد دفع كل إسرائيلي ثمن ذلك وسيستمر في دفعه بطريقةٍ أو بأخرى". ويرجع الصحافي نفسه جذور هذه الظروف غير الطبيعية إلى صدمة السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ملاحظاً أن أغلبية لإسرائيليين برّروا ما حدث في غزة  من منطلق أنه "لم يكن لجيشهم الحق في شن حرب إبادة فحسب، بل كان هذا واجباً أيضاً"، بحيث "تقبّل المجتمع التكلفة بسهولة تامة، بما في ذلك على المستوى الأخلاقي، بينما لم تكشف وسائل الإعلام تقريباً أي فظائع ارتُكبت في القطاع الفلسطيني، وكان لدى البلاد حجة دامغة لتجاهل الغضب القادم من أماكن أخرى مفادها أن العالم معادٍ للسامية"[10].

من جهته، أدان الصحافي والمؤرخ الإسرائيلي جيرشوم غورنبرغ حالة الحرب الدائمة، التي "يُبقيها بنيامين نتنياهو عمداً، للتهرب، من بين أمور أخرى، من مشاكله القانونية"، وتطرق، في مقال نشره في مجلة "ذا أتلانتيك"، إلى الظروف غير الطبيعية التي يعيشها في ظل تكرار الحرب التي تشنها بلاده، فكتب: "في هذه الأيام في إسرائيل، ما لم يكن منزلك مزوداً بغرفة مضادة للقنابل، فمن الأفضل أن تخلد إلى النوم مرتدياً ملابس لا تخجل من ارتدائها في ملجأ من الغارات الجوية، ذلك أنه من المرجح أن يوقظك هاتفك ليحذرك من اقتراب الصواريخ: أولاً، رسالة نصية تحثك على الذهاب إلى منطقة آمنة، وبعد بضع دقائق، رسالة ثانية تطلب منك الاحتماء". وأضاف أن الحكومة في إسرائيل "وافقت على إعادة فتح أماكن العمل المزودة بملاجئ، لكن معظم الأطفال ما زالوا في منازلهم ويتلقون دروسهم عبر الإنترنت؛ إنه عبء على جميع الآباء، وخصوصاً على العزاب أو الذين تم استدعاء شركائهم للخدمة العسكرية". وعن وضعه الشخصي ذكر: "أعيش في القدس؛ بناتي بالغات ويعشن في تل أبيب، وهي مدينة تتعرض للغارات الجوية بشكل متكرر؛ ذات يوم، أخبرتني إحداهن عبر الهاتف أنها استيقظت ست مرات الليلة الماضية، وبعد قليل، قالت: عليّ الذهاب يا أبي، هناك إنذار غارة جوية"[11].

النصر العسكري لا يحل القضايا السياسية الأساسية

يجمع المراقبون على أن إسرائيل تحقق، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتصارات عسكرية تكتيكية بارزة لكنها تعجز عن تحويلها إلى مكاسب سياسية استراتيجية. فالقضية الفلسطينية ستظل مطروحة على جدول أعمال حكام إسرائيل إلى أن تجد حلاً عادلاً لها. كما أن الحرب لن تفعل سوى مفاقمة الفوضى ولن تفضي إلى قيام "شرق أوسط جديد"، إذا كان الأمر يتعلق بنظام مستقر أعيد تشكيله على أساس توافق القوى الفاعلة في المنطقة. من جهة ثانية، لم يكن في وسع إسرائيل أن تحقق هذه الانتصارات العسكرية التكتيكية لولا وقوفها أكثر من أي وقت مضى تحت مظلة القوة العظمى السائدة في هذا العصر، وهو ما يتعارض بصورة صريحة مع تصريح نتنياهو بأن إسرائيل ستصبح "إسبرطة العظمى" المعتمدة على نفسها، كما ذكر داني تروم، عالم الاجتماع السياسي ومدير الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، الذي قدّر أن "ربط إسرائيل بصورة إيجابية بإسبرطة في خطاب رئيس الوزراء ليس من قبيل الصدفة"، ذلك أن إسبرطة كانت "تحكمها طبقة عسكرية، جعلت من الحرب الفن السياسي بامتياز". وخلافاً لهذا الربط بين إسرائيل وإسبرطة، رجع عالم الاجتماع السياسي إلى حنة أرندت التي ربطت مستقبل الدولة اليهودية في حال قيامها بـ "التفاهم مع العرب"، وحذرت، في مقالة نشرتها في مجلة "مينورا" اليهودية سنة 1945 بعنوان: "إعادة النظر في الصهيونية"، من أنه إذا خرجت الدولة اليهودية العتيدة منتصرة من الحرب "فسوف تجد نفسها معزولة، محاصرة من كل جانب، ومواجهة لعداء لا هوادة فيه من جيرانها العرب"، وستكون حينئذ "منشغلة بالكامل بالكفاح من أجل البقاء ومحكوم عليها بأن تكون مجرد دولة قبلية إسبرطية"، وهو ما "سيقطعها في آن واحد عن محيطها الإقليمي وعن العالم اليهودي بمكونيه الصهيوني وغير الصهيوني"، كما سيبعدها "عن التوقعات اليهودية التي تغذت طوال فترة نفي الشعب، بحيث تحل محل صورة الرائد الصهيوني - القادر على تحقيق إنجازات رائعة - صورة الجندي المكرس نفسه أساساً للقتال"[12].