في صباحٍ مثقلٍ بالمطر، لم يكن صوت الماء في العراق هذا العام مجرد خلفيةٍ هادئة، بل كان حاضرًا بقوة، يطرق الأبواب، ويملأ الشوارع، ويترك في القلب شيئًا من القلق… وشيئًا من الرجاء، في يوم الأرض، وجدت نفسي أفكر: هل ما نراه كارثة؟ أم رسالة؟

لا يمكنني أن أنسى تلك الصور، شوارع تحوّلت إلى أنهار، سيارات توقفت في منتصف الطريق، وعائلات تحاول أن تنقذ ما تستطيع من داخل بيوتٍ دخلها الماء دون استئذان.

الأرقام هنا ليست مجرد أرقام، لكنها تحمل وجوهًا، أشخاص فقدوا حياتهم وعوائل تشردت، 

وفي أماكن أخرى، غمرت المياه عشرات المنازل، وانهارت جدران، وتوقفت طرق، وتلوثت مياه السيول بمياه الصرف الصحي، بسبب تهالك الشبكات أو غيابها أصلًا، وأصبحت خطرًا صامتًا. وكأن المدن لم تكن مهيأة لاستقبال هذا القدر من الحياة.

فكيف يمكن لمطرٍ هو في الأصل نعمة… أن يبدو بهذا الثقل؟ الإجابة ليست في السماء، بل في الأرض… في طرقٍ بلا تصريف، ومدنٍ لم تُبنَ لتتنفس الماء.

ولكن رغم كل ذلك، هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله. فهذا الماء نفسه، الذي أقلقنا، كان في مكانٍ آخر يعيد الحياة. ففي بعض المناطق تراجعت آثار الجفاف بنسبة تصل إلى 75%.

وجرى ارتفاع كبير في الخزين المائي، بمئات الملايين من الأمتار المكعبة، وتحسّن واضح في منسوب الأنهار والسدود، الأرض التي كانت متعبة، شربت أخيرًا، ومحاصيل الحنطة تنفّست، والتربة استعادت شيئًا من قوتها.

لكن المشهد الأكثر تأثيرًا بالنسبة لي لم يكن في المدن… بل في الجنوب. هناك، حيث تمتد الأهوار العراقية، لم تكن السيول كارثة، بل كانت أشبه بعودة الروح.
المياه التي تراجعت لسنوات، بدأت ترتفع من جديد، لتغمر المسطحات المائية التي كادت أن تختفي. عاد القصب ليقف، وعادت الطيور المهاجرة لتجد مكانًا تهبط فيه، وعادت الحياة لتدب في بيئة كانت تترنح على حافة الجفاف. ولم يكن ذلك مجرد تحسن بيئي… بل كان استعادة لذاكرة كاملة. ذاكرة الماء، وذاكرة المكان، وذاكرة الإنسان الذي عاش هناك منذ آلاف السنين.

الحقيقة، كما شعرت بها، ليست في صورة واحدة. بل هي في ذلك التناقض المؤلم، ماءٌ يغرق بيتًا… ويحيي أرضًا. مطرٌ يربك مدينة… وينقذ وطنًا من العطش. وسيولٌ تُقلق الشمال… لكنها تعيد الجنوب إلى الحياة.

وهنا، أدركت شيئًا مهمًا، المشكلة ليست في الماء… بل في الطريقة التي نستقبله بها.

فما كان سيحدث لو كانت الأمور مختلفة، لو كانت هناك شبكات تصريف حديثة، لو كانت المدن مخططة لتحتضن المطر بدل أن تخافه، لو كنا نستثمر كل قطرة بدل أن نخشاها، ربما كانت نفس هذه السيول ستُكتب كخبرٍ مفرح بالكامل… لا كحكاية نصفها ألم.

ورغم كل ما حملته هذه السيول من خير، شعرت أن ما نعيشه هو انفراج وقتي… لا حل دائم.

نعم، امتلأت السدود. نعم، ارتوت الأرض نعم، عادت الأهوار إلى الحياة. لكن السؤال الذي بقي في داخلي: ماذا بعد؟

هل سنعود إلى نفس الأزمة بعد أشهر؟ هل سننتظر المطر القادم كمن ينتظر صدفة؟ الحقيقة المؤلمة هي أن ما حدث لم يكن نتيجة تخطيط… بل نتيجة ظرف طبيعي. وهذا يعني أن الفائدة، رغم أهميتها، قد تكون مؤقتة إذا لم تتحول إلى سياسة مستدامة وقوانين تحكم مشاركة المياه مع دول الجوار.

في يوم الأرض… لم أعد أرى الطبيعة كعدو. ولم أعد أرى الكوارث كقدرٍ أعمى.

أصبحت أراها كمرآة. مرآة تقول لنا بوضوح أنتم لم تستعدوا… فدفعتم الثمن، لكنكم ما زلتم تملكون الفرصة.

في ذلك الصباح، حين هدأ المطر أخيرًا، لم يختفِ أثره. بقي في الطرق… وفي الأرقام… وفي داخلي. وتعلّمت شيئًا بسيطًا، لكنه عميق.

الماء لا يأتي ليؤذينا… بل يأتي ليُعيد التوازن.

وفي يوم الأرض، ربما يكون السؤال الأصدق ليس ماذا فعلت الطبيعة بنا؟

بل ماذا فعلنا نحن عندما جاءت؟

 

22 نيسان 2026Top of Form

يوم الأرض الأممي