في الوقت الذي تم فيه تكليف رئيس الوزراء القادم من قبل الإطار التنسيقي أنقسم الرأي العام العراقي بين قلة مؤيدة انحصرت في معظمها بين قوى المحاصصة التي تنتظر توزيع المغانم وأغلبية ساخطة من الشارع العراقي الفاقد للأمل بعد تجربة 23 عاما من حكم ذات الوجوه التي اهدرت موارد العراق المالية والبشرية. كيف تستطيع القوى المتنفذة اقناع الشعب العراقي أن القادم يحمل بصيص الأفضل. 

أن الأزمة ليست في الأشخاص الذين يتم اختيارهم بل في طابع الأزمة البنيوية السياسية للنظام السياسي التي تنتج تلك الأشخاص وتحتكر أداءهم لإعادة تكريس ذات البنية السياسية المريضة القائمة على المحاصصة، فكيف لنا أن نفسر حالة الانسداد لعدة أشهر ثم العثور المفاجئ على " منقذ " بسيرة ذاتية لا تعني الكثير على مستوى قيادة البلد ومعالجة ازماته المستفحلة. 

وكأن العراق يخلو من الكفاءات والمخلصين، ولماذا أبعدوا محمد السوداني وهو واحد منهم وليست عدوهم بل يدور في أجندتهم قلبا وقالبا ولكن سقفهم عالي في ابقاء المحاصصة وحالة التردي العام في كل المجالات. 

أما التكهنات بصدد مبررات هذا الخيار فلا تختلف عن بعضها من حيث القيمة العملية سواء كانت فرصة الإطار للانهزام من تجاوز المدد الدستورية أم انه خيارهم للمرحلة القادمة لأن فرص الخلاص تقاس بمخرجات البدائل والفخار يكسر بعضه. 

لماذا يذهب الناس إلى الانتخابات كي ينتخبوا ممثليهم " كما يفترض "ثم يأتوك برئيس وزراء لا صلة له بنتائج الانتخابات ولا علاقة له بالسياسة ولا بالأحزاب وكأنه قدم للعراقيين من كوكب آخر، أنه مظهر صارخ للفساد في الحياة السياسية وعدم الاحترام لإرادة الناخب، وعلى ما يبدو من كل التجارب السابقة أن مقاطعة الانتخابات هي الطريق السالك لأسقاط الشرعية عن نظام المحاصصة والفساد . 

أو كما قالها أحد قادة الإسلام السياسي المعروف " بصراحته المفرطة والمتهورة " :

"اخوان والله ماكو داعي كل أربع سنوات تصرفون مليارات على الانتخابات ومتعبين الناس تطلع تنتخب ومعطلين الدوام واجراءات امنية ودعايات، هي مثل كل مرة تنتهي الانتخابات ويجتمعون نفس الربع ويتفقون بيناتهم على الوزراء ورئيس الوزراء".

الأمر المخزي والمعيب عندما تنهال التبريكات والتهاني من المكونات الطائفية والأثنية السياسية الأخرى بإنجاز التكليف لرئاسة الوزراء وكأن شيئا لم يحصل من المعاناة السابقة بانتظار تقاسم الكعكة وسيسقى الجميع من ذات كأس المرارة وعدم الاستقرار والمحاصصة البغيضة. 

هل يستطيع المكلف التغريد خارج سرب من قدموه لرئاسة الوزراء أم أنه واحد منهم في الخفاء وما عليه إلا تنفيذ اجندتهم بأشكال أكثر هدوء ممن سبقوه باعتباره " مستقلا ". 

بعد تكليف رئيسا لوزراء العراق من قبل الإطار التنسيقي بدأت موجات من الهجوم المفرط على ملابسات الخيار وتوقيته استنادا إلى عدم الثقة في الجهة التي كلفته وفي المقابل موجات من المديح المفرط لشخص المكلف، البعض منها مبني على معرفة به بغض النظر عن المزاج والتحيز والبعض الآخر من المطبلين والانتهازيين واشباه المحللين السياسيين الذين يرون في مدحه فرصة سانحة في الحصول على منصب " مستشار " أو غيرها من المناصب، وبكل الأحوال فأن من أسوأ السلوكيات والعادات المريضة هو المدح او الذم المريض الذي لا يستند إلى حيثيات الملاحظة الموضوعية والواقعية بعيدا عن الكراهية او المحاباة. 

ما يجمع عليه العراقيون ان هذا الخيار هو خيار اللحظة الأخيرة من قبل قوى معهود لها بالانسدادات وخلق الأزمات. اما المكلف فأما يقع في أسر مكلفيه او يكون شجاعا ويغرد خارج السرب لما فيه مصلحة العراق، سوف يرى العراقيون في أقرب وقت الملامح الأساسية لهذا الخيار وتداعياته، رغم ان التكهنات الأولية الواسعة لا ترى أن شيئا جديدا تقدميا سيحصل.