
إن سلوك ترامب العدواني تجاه إيران ليس حرباً معزولة أو مجرد حلقة أخرى من حلقات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. بل هو جزء من العدوان الإمبريالي الأمريكي الإسرائيلي المستمر في المنطقة، والذي يَتكشّف ضمن مواجهة أوسع بين مراكز إمبريالية متنافسة. وكما هو الحال دائماً، تدور هذه المواجهات حول الصراع على الأسواق وتفتيت المنافسين.
يتحدد موقف الصين في المنطقة بصياغات دبلوماسية تستند إلى مصالح مادية ملموسة. تُصدِّر إيران الغالبية العظمى من صادراتها النفطية، حوالي 90 td المئة، إلى الصين.
طوّرت الصين علاقات اقتصادية واسعة مع ممالك الخليج، الحلفاء القدامى للولايات المتحدة. هذه ليست تفصيلة عابرة، بل هي علاقة هيكلية، تَعمل العقوبات في ظل ظروف تَشَكّلِها، وانخفاض الأسعار، وشبكة كاملة من الآليات المصممة، للالتفاف على السيطرة الغربية. لذا، عندما تدخل الولايات المتحدة في حرب مع إيران، فإنها تُضعِف شُركاء إيران التجاريين. ليس هذا من قبيل الصدفة، بل استراتيجية مُتعمّدة.
المَجاعة
يُخلِّف حصار مضيق هرمز عواقب وخيمة على إنتاج الغذاء العالمي. فالجوع والمجاعة هما من النتائج المتوقعة للحرب مع إيران.
لا يُمكن للأساليب الزراعية الحديثة تحقيق الغَلّة المرجوة إلّا من خلال استخدام كميات كبيرة ومتكررة من الأسمدة الصناعية. وهنا تُعدّ دول الخليج عامِلاً مُهِمّاً.
بعد سبعة أسابيع فقط من بدء الحرب، بات نقص الغذاء، بل وحتى المجاعة، أكثر احتمالاً لملايين الأشخاص في الدول الهشة في أفريقيا وآسيا. وقد حذّرتْ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) من أنّه في حال استمرار الأزمة، فقد ترتفع أسعار الأسمدة العالمية بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المئة في المتوسط خلال النصف الأول من عام 2026.
حصة دول الخليج في السوق
على مدى العقدين الماضيين، احتلتْ دول الخليج، كالمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، مكانة مركزية في الاقتصاد الغذائي العالمي.
تُؤثِّر دول الخليج اليوم بشكل مباشر على إنتاج وتوزيع الغذاء من خلال توفير المواد الكيميائية الخام الأساسية، وتصدير كميات كبيرة من الأسمدة المُصنّعة، والسيطرة على الممرات اللوجستية التي تُنقل عبرها المواد الغذائية والزراعية الخام إلى أجزاء واسعة من الشرق الأوسط ووسط وشرق آسيا وأفريقيا.
إن هذا التكامل العميق مع النظام الغذائي العالمي هو ما يجعل الصراع الحالي أكثر وضوحاً، وكيف تُمارس الإمبريالية دورها كقوة طبيعية، وما تُخلّفه مِن عواقب.
تُمثِل المنطقة اليوم قلب الزراعة الحديثة، ليس فقط كمُنتِج رئيسي للأسمدة بحد ذاتها، بل أيضاً كقوة دافعة لصناعة الأسمدة في الدول المجاورة.
في السنوات الأخيرة، تطورت شركات الطاقة الحكومية الكبرى في المنطقة، مستفيدةً من الغاز الرخيص والبنية التحتية الصناعية الضخمة والاستثمارات المدعومة من الدولة، لتصبح أيضاً من كبار منتجي المواد الكيميائية الخام التي تعتمد عليها الزراعة الحديثة. وقد تحقق ذلك بفضل الأرباح الاقتصادية الهائلة التي حققتها دول الخليج من خلال زيادة صادرات المواد الهيدروكربونية إلى الصين وبقية دول شرق آسيا في قطاع الصناعات الكيميائية.
الأسمدة الزراعية
يُستخدم حوالي 70 في المئة من الأمونيا في العالم في إنتاج الأسمدة، ويأتي ما يقرب من 30 في المئة منها من الشرق الأوسط. وتُعدّ المملكة العربية السعودية ثاني أكبر مُصدّر للأمونيا في العالم، بينما احتلت عُمَان المرتبة السادسة في عام 2024.
وتُعتبر صادرات الأمونيا من دول الخليج ذات أهمية خاصة للأسواق التي هي خارج أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. ففي عام 2024، زوَّدتْ المملكة العربية السعودية وعُمَان وقطر مجتمعةً الهند بأكثر من ثلاثة أرباع وارداتها من الأمونيا. ونتيجةً لذلك، أصبح إنتاج الغذاء في جنوب آسيا وشمال أفريقيا يَعتمِد بشكل كبير على دول الخليج.
ويَمُر حوالي نصف إجمالي الكبريت المنقول بحراً في العالم عبر مضيق هرمز، ويُنتَج معظمه من قِبل شركات الطاقة في دول الخليج. ويُعَدّ المغرب، موطن أكبر صناعة فوسفات في العالم، أكبر مستورد للكبريت في العالم، حيث يأتي حوالي ثلاثة أرباع وارداته من دول الخليج.
تَأثّر الخدمات اللوجستية
تعتمِد تَكلِفة وتوافر الإمدادات الغذائية العالمية على التوزيع بقدر اعتمادها على الإنتاج. يجب تخزين الحبوب وغيرها من المواد الغذائية الأساسية ونقلها ومعالجتها وإعادة توزيعها عبر مسافات طويلة، غالباً من خلال عدد محدود من الممرات التجارية شديدة التركيز. وهذا مجال آخر برزت فيه دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة، بنفوذ متزايد.
تُصنَّف الإمارات العربية المُتحدة حالياً ضمن أكبر خمسة مراكز لإعادة التصدير على مستوى العالم، حيث تُصدِّر كميات كبيرة من القمح والأرز، وخاصة إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثل الصومال وغانا وموزمبيق وزيمبابوي.
يَمُر 60 في المئة من تجارة الصين مع أوروبا وأفريقيا عبر الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب جزء كبير من تجارة الصين مع الشرق الأوسط.
تستند هذه القوة اللوجستية في دول الخليج إلى السيطرة، التي تربط بين الموانئ، ومرافق التخزين، والنقل البري، والمناطق الحرة، وتصنيع الأغذية. لذا، لا يقتصر الأمر على إيران وحدها في هذه الحرب.
ستزداد غلاءً
إنّ أولى علامات الصدمة بدأت تَظهَر في أسعار المواد الغذائية وتكاليف الإنتاج الزراعي. وسيؤثر ارتفاع الأسعار على النظام الغذائي بشدة على الدول خارج العالم الغربي، رغم أنَّ ارتفاع الأسعار نُلاحظه يومياً في دولنا الأوروبية. على سبيل المثال، قَدَّرت منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة أن السودان استورد 54 في المئة من أسمدته عن طريق البحر من منطقة الخليج عام 2024، وهي أعلى نسبة في العالم. تليها سريلانكا بنسبة 36 في المئة ، ثم تنزانيا بنسبة 31 في المئة ، والصومال بنسبة 30 في المئة ، كما أن دولًا مثل كينيا وموزمبيق مُعرَّضة بشدة للتأثر.
وقدَّرَ برنامج الأغذية العالمي أن 45 مليون شخص إضافي سيُدفعون إلى براثن الجوع الحاد نتيجة للحرب، ثُلثَاهُم تقريباً في أفريقيا.
المصادر: نيويورك تايمز / الأمم المتحدة
(*) رئيسة الحزب الشيوعي الدنماركي
(**) عن جريدة "الشيوعي" في عددها السادس الصادر في بداية شهر يونيو/حزيران ٢٠٢٦







