
لم تكن الماركسية في وجدان يوسف سلمان يوسف (الرفيق فهد) ترفاً فكرياً أو مادة للسجال الأكاديمي، بل كانت "مرشداً للعمل" وسلاحاً لتغيير بنيوي في مجتمع عراقي يرزح تحت وطأة شبه المستعمرة والإقطاع. بدأ فهد قراءته لكارل ماركس في أواخر عشرينيات القرن الماضي من خلال أمهات الكتب باللغة الإنجليزية التي كان يجيدها، ثم صقل هذه المعرفة عبر دراسته الأكاديمية والحزبية في "جامعة كادحي الشرق" بموسكو في منتصف الثلاثينيات. تميزت قراءته بكونها قراءة تطبيقية توطينية، سعت إلى تحويل الماركسية من سياقها الأوروبي الصناعي إلى سياق شرقي وعربي محلي.
ركز الرفيق فهد في كتاباته وكراساته التثقيفية على أعمال ماركسية محددة، واعتبرها الركيزة الأيديولوجية لبناء الحزب:
- "بيان الحزب الشيوعي" (1848): كان هذا الكتاب بمثابة "الإنجيل الثوري" لفهد. لم يكتفِ بقراءته، بل قام بترجمة أجزاء منه وتلخيص مفاهيمه وتوزيعها على حلقات العمال الأولى في الناصرية والبصرة. اتخذ من شعار البيان "يا عمال العالم اتحدوا" أساساً لأولى منشوراته السياسية عام 1932.
- "رأس المال" ونظرية فائض القيمة: ركز فهد على التفسير الاقتصادي لماركس، وتحديداً كيف يستولي الرأسمالي (أو الشركات الاحتكارية الأجنبية في حالة العراق) على جهد العامل (فائض القيمة). وظّف هذا المفهوم لتعريف العمال العراقيين بحقوقهم المسلوبة.
- كتابات ماركس حول الدولة والصراع الطبقي: (مثل "الثامن عشر من برومير" و*"الحرب الأهلية في فرنسا"*). استوعب فهد من هذه الأعمال أن الدولة ليست كياناً محايداً، بل هي أداة في يد الطبقة المهيمنة لقمع الطبقات الأخرى، وهو ما صاغه لاحقاً في كراسه الشهير "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية".
تميزت قراءة فهد لثلاث أفكار ماركسية كبرى وطبقها على الواقع العراقي: 1. المادية التاريخية وجدلية التطور آمن فهد بمقولة ماركس إن الاقتصاد هو المحرك الأساسي للتاريخ (البناء التحتاني)، وأن الأفكار والسياسة والقوانين هي (بناء فوقي). لكنه قرأها قراءة مرنة؛ فرأى أن المجتمع العراقي لم يمر بمرحلة الرأسمالية الصناعية كاملة، بل هو مجتمع هجين تجمع بنيته الاقتصادية بين الإقطاع العشائري، والرأسمالية الكولونيالية التابعة (الشركات البريطانية والنفط). لذا، استنتج أن الثورة في العراق يجب أن تمر بمرحلة "الثورة الوطنية الديمقراطية" قبل الانتقال إلى الاشتراكية.
بينما كان السياسيون التقليديون في العراق يرون في النخبة أو العشائر قادة المجتمع، التقط فهد نبوءة ماركس حول دور "البروليتاريا" (الطبقة العاملة). أدرك فهد أن العمال في مشاريع النفط، والموانئ، والسكك الحديدية في العراق هم الطبقة الأكثر تنظيماً وقدرة على قيادة التغيير، رغم صغر حجمهم العددي آنذاك مقارنة بالفلاحين.
طبق فهد مفهوم "الأممية البروليتارية" لماركس من خلال الدمج بين القضية الوطنية العراقية والقضايا العالمية. كان يرى أن تحرر العامل العراقي من الاستعمار البريطاني هو جزء من المعركة العالمية ضد الإمبريالية، وضمن هذا الإطار جاءت وصيته الشهيرة برفع راية "ماركس وأنجلز ولينين".
لم يترك فهد الأفكار حبيسة المجلدات، بل نقلها إلى الشارع والمعمل عبر خطوات عملية غيرت وجه التاريخ السياسي للعراق:
· تأسيس "حزب لينيني الطراز": جسّد فهد فكرة ماركس حول ضرورة وجود أداة سياسية مستقلة للطبقة العاملة. أعاد بناء الحزب الشيوعي العراقي على أسس "المركزية الديمقراطية"، محولاً إياه من حلقات مثقفين معزولة إلى حزب جماهيري منظم بخلايا حديدية.
· تنظيم الحركة النقابية والعمالية: ترجم فهد أفكار كتاب "رأس المال" عملياً عبر النزول إلى القواعد العمالية. ساهم الحزب تحت قيادته في تنظيم أكبر الإضرابات العمالية في تاريخ العراق (مثل إضراب عمال النفط في "كاوورباغي" 1946، وإضرابات عمال السكك والموانئ)، انتزاعاً للحقوق الاقتصادية وتعميقاً للوعي الطبقي.
وفي كراسه "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية" (1944)، فرّق فهد عملياً بين الماركسية الثورية والاشتراكية الإصلاحية؛ حيث قاد الحزب للمشاركة في وثبة كانون 1948 ضد معاهدة "بورتسموث" الاستعمارية، مجسداً فكرة أن الشيوعيين هم طليعة الديمقراطية والتحرر الوطني.
· وأسس جريدة "القاعدة" والمجلات الحزبية لتبسيط الماركسية بهدف نشر الثقافة والوعي الجماهيري:؛ فصارت المفاهيم الماركسية المعقدة تُشرح بلغة بسيطة يفهمها العامل والفلاح العراقي الأمي، مما خلق بيئة ثقافية يسارية امتد أثرها لعقود.
ويقدم كراس "حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية"، الذي أصدره الرفيق فهد عام 1944، وثيقة فكرية وتجذيراً نقدياً اعتمد فيه بشكل مباشر على المنهج الماركسي-الينيني لتحديد هوية ومسار الحركة الشيوعية في العراق. جاء هذا الكراس رداً على محاولات تصفية الحزب وتحويله إلى منظمة إصلاحية مهادنة للنظام الملكي والوجود البريطاني.
و اعتمد فهد في كراسه على الأطروحة الماركسية الكلاسيكية الصارمة التي تميز بين "الاشتراكية العلمية" و"الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية". وهاجم فهد الأفكار التي تحاول إفراغ الماركسية من مضمونها الثوري، موضحاً أن "الاشتراكية الديمقراطية" في السياق العالمي والعراقي ما هي إلا واجهة لبرجوازية صغيرة تسعى للمساومة مع السلطة وتخدير وعي الجماهير.
وستند الكراس إلى كتابات لينين (المستمدة من النظرية التنظيمية لماركس) ليؤكد أن الحزب الشيوعي ليس نادياً للمثقفين أو صالوناً للنقاش الفكري، بل هو منظمة ثورية حديدية قائمة على الانضباط والمركزية الديمقراطية. شدد فهد على أن القيادة يجب أن تكون بيد الطبقة العاملة وعناصرها الأكثر وعياً، وليس بيد النخب البرجوازية التي يسهل شراؤها من قبل السلطة الحاكمة. و طبيقاً لكتاب ماركس "الحرب الأهلية في فرنسا" وكتيب لينين "الدولة والثورة"، حلل فهد في الكراس الدولة العراقية آنذاك، مبيناً أنها ليست جهة محايدة لرعاية مصالح الجميع، بل هي أداة بيد تحالف (الإقطاع العشائري، البرجوازية الكومبرادورية، والاستعمار البريطاني) لقمع كادحي العراق. وأوضح فهد أن المراهنة على تغيير النظام الملكي من داخل مؤسساته وصناديق اقتراعه المزيفة هي وهم؛ مبرزاً ضرورة النضال الجماهيري المنظم لخلق موازين قوى جديدة.
و في هذا الكراس، قدم فهد قراءة مرنة للماركسية تناسب بلداً نامياً كالعراق؛ فرغم تمسكه بالاشتراكية كهدف نهائي، إلا أنه أوضح أن المهمة الراهنة والملحة للحزب هي "الثورة الوطنية الديمقراطية". وحدد فهد حلفاء الطبقة العاملة في هذه المرحلة وهم: الفلاحون (الذين يمثلون الأغلبية الساحقة ويعانون من بطش الإقطاع)، والبرجوازية الوطنية الصغيرة المتضررة من الاحتكارات الأجنبية، شريطة أن تحتفظ البروليتاريا بقيادة هذا التحالف لضمان عدم انحرافه.
وتحول هذا الكراس من مجرد كراس نظري إلى "دستور عملي" للشيوعيين العراقيين:وحسم الكراس الصراع الفكري الداخلي، وأدى إلى تماسك الحزب الشيوعي العراقي والتفافه حول قيادة فهد، ممهداً الطريق لنموه كأكبر قوة سياسية يسارية في البلاد. وكان الكراس الدافع الأساسي وراء تبني الحزب لسياسة الخط الصدامي والجماهيري، وهو ما تجلى لاحقاً في قيادة إضرابات العمال الكبرى و"وثبة كانون" المجيدة عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث الاستعمارية.
إن عبقرية الرفيق فهد تنحصر في أنه لم يتعامل مع نصوص كارل ماركس كنصوص جامدة أو مقدسة، بل كدليل استرشادي صهر فيه خصوصية المجتمع العراقي. لقد استطاع من خلال هذه القراءة العملية والمنظمة أن يحوّل "الماركسية" من بضعة كتب أجنبية مهربة في الموانئ، إلى قوة سياسية واجتماعية كبرى هزت العرش الملكي والنفوذ البريطاني، ودفع حياته ثمناً لها على أعواد المشنقة عام 1949 وهو يهتف بحياة الحزب والطبقة العاملة.







