للمفكر الأستاذ الدكتور ياسر صالح قرأتُ منذ سنوات كتابهُ الضروري عن (روزا لوكسمبورغ) وللأسف توارى الكتاب في غابة مكتبة البيت، قبل أحييه بمقالةٍ يستحقها. كتابه (الدولة ، السلطة.../ بيت الكتاب السومري/ ط1/ بغداد) لم أحصل عليه. لكنني أقرأ كل ما يكتبه المفكر صالح ياسر في موقع حزبنا الشيوعي العراقي.

(*)

عنوان المبحث لم يكتفِ ب(المكر والواقع الصارم) وكأن العنوان من خلال طولهِ أشبه بمقدمة للبحث. أعني مقدمة وجيزة. وكلمة (التشريح) تحيلني إلى جاك ديريدا وحدهُ. ويحق لي أن أقرأ عنوانين للمقالة، العنوان الجمالي هو (مكر الأيديولوجيا)

وبقية الكلمات التي في العنوان، تجسّد العنوان التفسيري. العنوان الجمالي من كلمتين من لغتين: (مكر) لفظة عربية. و(أيديولوجيا) لفظة فلسفية يونانية. وهذه اللفظة الفلسفية خضعت للمرونة، فتنقلت من الفلسفة إلى اللغة وإلى السياسة. ومن المتكلم الفرد إلى الجماعي أو إلى لا متكلم على الإطلاق. وهذا يعني أن هذا التنقل بين حقول المعرفة للفظة يؤكد تجسيدا للتناقض القائم في قلب اللغة. والتناقض هو نواة تجربة الفرد المتكلم، فعندما يتكلم الفرد، تكون اللغة هي التي تتكلم، واللغة تتكلم فقط حين يتكلمها الإنسان وهو يعالج المعنى الذي يريد التعبير عنه.

(*)

يعلن المفكر.. مع الكلمة الأولى في السطر عن وظيفة هذه المقالة

(لهذه المقالة هدف محدد يتمثل في الرد على بعض الأطروحات السائدة التي تقدم لنا الدولة وكأنها تقف فوق الطبقات الاجتماعية أو على مسافة ، متساوية، منها، أي تظهر كمحاولة ل(المصالحة) بين الطبقات، وباختصار شديد تقدم لنا لا بسة ثوب(حياديها) المبجل!)

(*)

قد يكون سؤالي الأول : مَن المتكلم؟ الشخص أم النص؟ أو اللغة من خلال النص هي التي تتكلم؟ أم النص ينوّب أو يكمل ما بدأه سابقا من عنوان المقال، نلتقط (على طاولة التشريح مجددا) إذن المتكلم واصل ما انقطع من كلامٍ بخصوص الموضوعة ذاتها. والبينة الثانية، ما ثبته كاتب المقال في حاشية المتن، من خلال جهده المعرفي المطبوع كتباً. إذن الفعل اللغوي المعرفي ليس رد فعل بل هو فعل ضمن المنطق الجدلي

(*)

لم يكتف الكاتب الدكتور صالح ياسر بمفردة ( الأيديولوجيا)

لو كان مكتفيا بها لسارت المقالة في منحى آخر، ربما تكون منشغلة بالمفهوم وفاعليته وتاريخيته وأهميته. لذا جعلها المفردة التالية، أما المفردة الأولى فهي مفردة (مكر) التي وظيفتها فضح الكلمة الثانية .و(مكر الأيديولوجيا) تركيب إضافي مكون من أسمين. والمكر هو الاحتيال والخديعة وإظهار أمر وإخفاء خلافه. والمكر هو تدبير لإيقاع الضرر بالغير في سرية تامة.

(*)

 إذن وظيفة الكاتب في المقال هو تشريح المكر وجعله ظاهرا لنا أجمعين. كرد على بعض الأطروحات السائدة التي تجعل (الدولة) فوق الطبقات الاجتماعية. حين يعنون الكاتب مقالته(مكر الأيديولوجيا) إذن المعنى ليس كيانا بسيطا أو مفرداً بل هو أثر من آثار العلاقات بين أطروحة ما أو مقولة ما ----- والعالم. بين المتكلم وبين اللغة التي تكلم بها. هنا سوف تتشكل علاقات . العلاقة الأولى هي علاقة تسمية أو تعيين. المتكلم يعيّن حالة ً ثم يبدأ بتفكيكها جهاراً. أما العلاقة الثانية فهي تتجسد في الإيضاح من خلال العلاقة بين المتكلم والأطروحة التي يتبناها ويدافع عنها. وأثناء اشتغال المتكلم بكشوفاته الساطعة بمعرفياتها: تظهر العلاقة الثالثة وهي علاقة الدلالة المشعة بإيحاءات المفهوم.

وهكذا وحدة المعنى المفقودة تستعاد بالعلاقة الرابعة التي وفرت: الحس. الفهم. المعنى الإدراك.. بهذه المهارات كان كاتب المقال متسلحاً

 

(تعقيب خاص)

 من جانبي يمكنني أن أشارك بالرد على قدر طاقتي وأقول أن سلطة الدولة تمتلكها بشكل عام ،الفئة أو الطبقة المهيمنة وتجعلها تعمل لحسابها ذلك أن استقلالية جهاز الدولة لا يمكن أن يكون في استقلاله عن الطبقات الاجتماعية المتصارعة. واستقلاله مشروطٌ بتبعيته للطبقة المسيطرة أعني أن استقلال جهاز الدولة يتحدد بالنسبة لعناصر الطرف المسيطر، ويوصينا المفكر الشهيد مهدي عامل أن نعرف الفاصل الدقيق بين جهاز الدولة وسلطة الدولة فجهاز الدولة أداة سياسية في خدمة الطبقة المسيطرة. أما سلطة الدولة فهي أشبه ما تكون جهاز خدمي لصالح الفئة التي السلطة بحيازتها. ويؤكد لنا مهدي عامل أن العلاقة الوثيقة التي تربط وتطور علاقة الهيمنة الطبقية بعلاقة السيطرة الطبقية هي التي تحدد بالضرورة: أحزاب الطبقة المسيطرة كجهاز تابع لجهاز الدولة. وقوة هذا الحزب أو ذاك كأداة للممارسة السياسة، تكمن بالذات في كونه جهازاً، في تبعيتهِ لجهاز الدولة، لا في استقلالهِ عنه. لأن وظيفته في خدمة الفعل السياسي لفئة معينة. إذن الأحزاب المسيطرة تكمن قوتها في استخدامها لجهاز الدولة

(مكر السلطة)

 أن مسألة اللغة والسلطة تعد من المسائل الجوهرية، فنحن أمام ظاهرة راسخة هي أن السلطة توجهت إلى استثمار اللغة

في الحياة اليومية والنشاط التقني، والسلطة هنا تسعى للتخفي خلف أو داخل اللغة، وهكذا صارت اللغة من أهم بضائع السلطة

أن التحول إلى اللغة يعني الكفاح في سبيل فرض النظام الجديد أو الطلاء الجديد الذي تنتجه السلطة من أجل فرض حضورها في المجتمع وكافة ميادينه: الاقتصادية والاجتماعية والسياسة والدينية. والسلطة تسعى بكل قوتها للبحث عن طرائق مبتكرة في تشغيل اللغة لصالحها. وتبث زيفها الذي يدعي أن السلطة مثل الأواني المستطرقة في العدالة، والحقيقة أن العدالة متوفرة فقط في حيز سلطوي. ربما يكون المحاصصة. أعني أن السلطة (تفيد بعض الناس وتضر البعض الآخر. ويسعى الذين يستفيدون منها إلى توسيع نطاقها ويصورها في صورة توحي بأنها أكمل مما هي عليه في الواقع) بشهادة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. هنا سيتضح وجود صراع بين أنماط الخطاب فالسلطة تنتج خطابها بقوة النمط المهيمن في مجال اجتماعي معين، ثم تقوم بإنتاج افتراضات أيديولوجية معينة باعتبارها تتفق مع المنطق السليم. افتراضات وظيفيتها الغش والاختفاء وتضليل المواطن. والأمر بحق كما يقول المفكر الفرنسي بورديو (الإقرار بالمشروعية من خلال عدم تبين التعسف) وبالطريقة هذه يتم تطبيع المواطن. وهنا الكارثة: القتيل يساعد قاتلهُ

(*)

التطبيع / التدجين ينطلق من منصة المؤسسات أعني أن خطاب التطبيع لا يختص بفئة معينة من المؤسسة، بل هو لسان حال المؤسسة. وهكذا خطاب يتطلب منا إجراء مقارنة بين : نظم المعنى لا بين معاني الألفاظ. لنتوقف عند مصطلح(الشمولي) فهو يتضمن الفاشية والشيوعية والماركسية.

(*)

في كتابه (السلطة والرخاء) يخوض المفكر منصور أولسون في الفصل الثالث من كتابه في قضايا ومفاهيم تتعلق بجوهر مقولات النظرية الاقتصادية ومدى نجاح وفشل الأسواق في تحقيق الكفاءة الاقتصادية والكفاءة الاجتماعية مشيراً إلى الصفات الطوعية التي تحقق النفع المتبادل لأطراف الصفقة من دون أي تدخل حكومي أو خارجي وتبرز هنا مقولة آدم سميث(اليد الخفية) التي تقود كافة الأطراف في عملية التبادل التي يحركها النفع الذاتي، ثم يدخل تعقيدا جديداً اسمه(تكلفة المعاملات) أي الرشاوى المرتفعة المؤدية إلى الحد من الصفقات. ويؤكد منصور ولسون أن عدم الكفاءة في السوق الحرة وأن الأفراد الذين يحققون مصلحتهم بإمكان بعضهم خدمة مصالحهم من خلال التهديد باستخدام القوة. وهكذا يمكنه أن يحصل بالمجان على ما كان يمكن أن يكون مكلفا بالنسبة إليه. فهنا تنتعش جماعات الضغط المختلفة للحصول على تشريعات وإجراءات تحقق مصالح هذه الجماعات  بمساعدة تكتلات المستوردين وعمليات التواطؤ في لعبة أسعار السوق.

(*)

مِن جانب ثان يرى المفكر مهدي عامل إن الخوف الذي ينتاب الفكر الطائفي ليس خوفاً على الوجود الديني للطوائف، بل هو خوف على وجودها السياسي، أن يكون زواله، بإلغاء الطائفية، أو التعددية السياسية، خطراً على وجود الدولة. من هنا أتت ضرورة أن يستنفر هذا الفكر كامل طاقاته لإظهار أن وجود الطوائف رهن بوجود النظام السياسي كنظام طائفي. وهذا، في وجهٍ منهُ، صحيح، بالمعنى السياسي الذي  يحدده مهدي عامل لمفهوم الطوائف، لا بالمعنى الديني الذي يحدده له الفكر الطائفي. ثم  يعلن مهدي عامل(أخاطر إذن  فأقول: إما أن يكون للطوائف وجود سياسي يلغي وجودها الديني، وإما أن يكون لها وجود ديني يلغي وجودها السياسي. ولا توفيق بين الحالتين. في الحالة الأولى تكون الدولة طائفية، وبها تقوم الطوائف. في الحالة الثانية تكون الدولة ديمقراطية وطنية وتكون الطوائف مستقلة عنها/ 168/ في الدولة الطائفية/ دار الفارابي/ ط3/ 2003) في ص259 يميّز مهدي عامل بين (الطائفة) و(الطائفية)

: الطائفة هي عندي تلك العلاقة السياسية من التبعية الطبقية التي تربط بين الطبقات الكادحة أو قسماً منها بالبرجوازية، في علاقة تمثيل سياسي طائفي. أما الطائفية فهي النظام السياسي لسيطرة هذه البرجوازية المسيطرة.

مقالة الأستاذ الدكتور منشورة في موقع الحزب الشيوعي العراقي.