توصلت لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة، والتي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2021 للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي إسرائيل، في تقرير جديد لها، إلى أن دولة الاحتلال تستهدف الأطفال الفلسطينيين عمداً. وقالت اللجنة أن لديها أدلة كافية تؤكد بأن هذه الأعمال "جزء من استراتيجية متعمدة لتدمير مستقبل الفلسطينيين في قطاع غزة من خلال استهداف أطفالهم". ودعت اللجنة المجتمع الدولي برمته إلى الوفاء بالتزاماته بموجب القانون الدولي.

في أيلول الفائت، اتهمت اللجنة دولة الاحتلال بارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. وذكر تقريرٌ أن هناك أدلة كافية للاستنتاج بأن أربعة من أعمال الإبادة الجماعية الخمسة المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 قد ارتكبتها سلطات الاحتلال وقواتها الأمنية.

وأكدت اللجنة في تقريرها الجديد أن القتل الممنهج للأطفال يُعدّ أحد العناصر الأساسية التي تُبين نية سلطات الاحتلال وقواها الأمنية لإبادة السكان الفلسطينيين في قطاع غزة، كلياً أو جزئياً. وقال سرينيفاسان موراليدار، المحامي الهندي ورئيس اللجنة، خلال عرض التقرير في جنيف في 23 حزيران 2026: "حتى بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، ما يزال الأطفال يُقتلون ويُصابون بجروح خطيرة، بينما تواصل إسرائيل تجاهل وقف إطلاق النار والحماية التي يكفلها القانون الدولي للأطفال الفلسطينيين".

ووفقًا لوزارة الصحة التابعة لحماس في القطاع، والتي تعتبرها الأمم المتحدة مرجعًا موثوقًا، أسفرت هجمات قوات الاحتلال على قطاع غزة عن مقتل 73,035 فلسطيني على الأقل، بينهم أكثر من 21,280 طفلًا،. وتوثق اللجنة مقتل 20,179 طفلًا فلسطينيًا على الأقل، وإصابة 44,143 آخرين على مدى عامين، أي ما يعادل 30 في المائة من إجمالي الضحايا في غزة، بالإضافة إلى قتل 213 فلسطيني آخرين في الضفة الغربية. وقد طلبت اللجنة من دولة الاحتلال التعليق 13 مرة على هذه الجرائم، ولم تتلقَّ أي رد. يبدو أن المحتلين لا يبالون بالرد أصلًا. فهيم يقتلون الأطفال كأداة سياسية، لتحقيق هدف الإبادة الجماعية الكاملة للشعب الفلسطيني، وبعد ذلك ينفون كل شيء.

لقد أكد عضو اللجنة كريس سيدوتي: "كان أصعب قرار اتخذناه أثناء إعداد هذا التقرير هو عدم ذكر أسماء الأطفال الفلسطينيين الذين وصفنا تصفيتهم وإصاباتهم ومعاناتهم. ولم نذكر أسماءهم لأننا خشينا العواقب على عائلاتهم"، أي ان سلطات الاحتلال ستستهدف، في هذه الحالة، عوائل الضحايا.

وتوصل التقرير أيضا الى، أن قتل الأطفال وتشويههم جزء من استراتيجية تهدف الى اجتثاث الشعب الفلسطيني بيولوجيا، وانهاء وجوده مستقبلا. وقد تسببت دولة الاحتلال في أزمة أيتام حادة، اذ يعاني الأطفال المصابون من إعاقات مدى الحياة. كما أن الهجمات على أقسام الولادة وحديثي الولادة، فضلاً عن الحصار، تقوض الصحة الإنجابية وتزيد من حالات الإجهاض. وفي الضفة الغربية، وثّقت اللجنة حالات تعذيب وعنف جنسي وإجبار على التعري وحرمان من الطعام للأطفال المحتجزين.

وقال موراليدار: "إن حماية ورعاية وبقاء الأطفال الفلسطينيين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وباستهدافها للأطفال، فإن إسرائيل تهاجم أساس وجود الشعب الفلسطيني وقدرته على تحديد مستقبله".

وتابع التقرير إن دولة الاحتلال تتحمل المسؤولية القانونية عن عدم حماية الأطفال الفلسطينيين من هجمات الجنود والمستوطنين ا في الضفة الغربية.

وحددت اللجنة وحدات عسكرية داخل جيش الاحتلال مسؤولة عن عمليات القتل والإصابة المستهدفة للأطفال الفلسطينيين. وقد استخدمت هذه الوحدات أسلحة دقيقة، مثل الطائرات المسيرة أو القناصة، لاستهداف الأطفال في أعضائهم الضرورية لاستمرار الحياة، كما نشرت أسلحة شديدة الفعالية في هجمات على مبانٍ سكنية ومدارس ومخيمات لاجئين مكتظة بالأطفال.

إطلاق نار متعمد على أطفال غزة

كانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد ذكرت بالفعل في نيسان 2024 أن الجنود الإسرائيليين كانوا يطلقون النار عمداً على الأطفال، جاء ذلك في مقال بعنوان: "ليست حرباً عادية"، نشر في 2 نيسان 2024.

وفي العام الفائت، أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن جنود الاحتلال كانوا يستخدمون المراهقين الفلسطينيين كـ „أهداف للتدريب"، حيث كانوا يطلقون النار عليهم: أيام الاثنين في بطونهم، وايام الثلاثاء في ركبهم، وهكذا. وأوضح الجراح البريطاني نيك ماينارد في برنامج "صباح الخير بريطانيا" كيف كان جنود الاحتلال يمارسون هذه "اللعبة" عندما أطلقوا النار على الأطفال الفلسطينيين في نقاط توزيع الطعام.

وتأكيدا لهذه الحقيقة يقتبس التقرير في الصفحة 13، عن طبيب عالج المصابين خلال مهمة طبية في قطاع غزة: "استنادًا إلى تكرار الإصابات وأجزاء الجسم المستهدفة، أفترض أن الجنود الإسرائيليين أطلقوا النار عمدًا على الشباب الذكور كما لو كانت لعبة إطلاق نار تستهدف جزءًا مختلفًا من الجسم في أيام مختلفة. وهناك نمط واضح للغاية يشير إلى أن هذه حالة إطلاق نار مستهدف على أجزاء مختلفة من أجسام الأطفال".

وثقت اللجنة حالات حققت فيها، تبين ر نمطًا متكررًا لاستهداف الأطفال عمدًا من قِبل قوات الاحتلال في قطاع غزة. وتشمل هذه الحالات قتل أطفال بالرصاص أثناء محاولتهم الوصول إلى بر الأمان مع عائلاتهم، فضلًا عن حالاتٍ وقعت في أماكن الإيواء مثل مخيمات النازحين ومراكز توزيع الغذاء وغيرها من المواقع في جميع أنحاء غزة. وجمعت اللجنة وحللت وحافظت على مقاطع فيديو وصور وتقارير طبية، بما في ذلك صور الأشعة المقطعية، كما راجعت تقارير تحقيق صادرة عن عدة جهات مستقلة. وأجرت اللجنة أيضًا مقابلات مع العديد من الشهود، بمن فيهم أطباء، واستشارت اثنين من أطباء الطب الشرعي المستقلين لتحليل الحوادث.

توثيق حالات ملموسة

بدأ من الصفحة 14، يوثق التقرير العديد من الحالات: "مقتل عائلة مكونة من سبعة أفراد، من بينهم هند رجب وأربعة أطفال آخرين، في تل الهوى"؛ "مقتل فتى يبلغ من العمر 15 عامًا يحمل راية بيضاء وشقيقه في خان يونس"؛ "إصابة رضيع يبلغ من العمر 10 أيام في مخيم النصيرات بواسطة طائرة مسيرة"؛ "إصابة طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات في مخيم خان يونس للنازحين"؛ "في إحدى الحالات، تم نقل ابني عم يبلغان من العمر 16 عامًا إلى المستشفى، حيث أصيب كل منهما بطلق ناري في الرأس".

 ويشير التقرير في الصفحة 23 الى:" في 16 تشرين الثاني 2025، قُتل فتى فلسطيني يبلغ من العمر 14 عامًا برصاص جنود إسرائيليين خلال عملية عسكرية إسرائيلية في مخيم الفراع للاجئين في طوباس. وقع الحادث عندما خرج الفتى للعب مع أصدقائه وابن عمه. بعد إصابته، ظل الفتى ينزف على الأرض لمدة 45 دقيقة على الأقل، وهو يتوسل طلبًا للمساعدة، بينما وقف الجنود الإسرائيليون حوله دون تقديم أي مساعدة. تُظهر مقاطع فيديو راجعتها اللجنة الفتى ملقىً على الأرض وهو يرمي قبعة باتجاه الجنود الذين تجمعوا حوله، في محاولة على ما يبدو لجذب انتباههم؛ وركل أحد الجنود القبعة باتجاهه. ويظهر نحو عشرة جنود يحيطون بالفتى. يقوم أحدهم بتصويره بهاتفه المحمول، بينما يبدو أن آخرين يفتشون المنطقة المحيطة والأسطح. ثم يضع جندي حجرًا بجانبه. كما أطلق الجنود الإسرائيليون أربع رصاصات باتجاه والدة الفتى التي حاولت الاقتراب منه؛ أصابت هذه الرصاصات جدارًا وباب منزلهم. وتعمّد جنود إسرائيليون منع سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني كانت تنتظر في مكان الحادث، وذلك بتوجيه أشعة الليزر من أسلحتهم نحو رأس المسعف والسائق. وبعد وفاة الصبي، صادر الجنود جثمانه ومنعوا عائلته من رؤيته. وما تزال سلطات الاحتلال تحتجز جثمانه.

وجّه عضو اللجنة، كريس سيدوتي، كلمةً مباشرةً إلى مواطني دولة الاحتلال خلال عرض التقرير، قائلاً: " لديّ ثلاثة أسئلة أوجّهها للشعب الإسرائيلي اليوم، من خلال هذا المؤتمر الصحفي. أريد أن أتحدث إليهم مباشرةً، أيّ نوع من الجنود أولئك الذين يتركون طفلٍ في الرابعة عشرة من عمره بالنزف حتى الموت طيلة 45 دقيقة؟ وأيّ نوع من القادة العسكريين الذين يرسّخون ثقافةً يشعر فيها الجنود بحريةٍ تامةٍ في فعل مثل هذه الأمور دون أيّ عقاب؟ وأيّ نوع من القادة عندما يُصدرون الأوامر، يُدلون بتصريحاتٍ لا تُبرّر هذا السلوك فقط، بل تُشجّعه بنشاط؟"

تدمير الطفولة

الإصابات الجسدية والنفسية الشديدة، والصدمات الجماعية، واليتم، والانفصال عن العائلة، والإعاقة، والنزوح المتكرر، والجوع، وانهيار أنظمة التعليم والرعاية الصحية، كلها عوامل دمرت الطفولة وستؤثر على حياة أطفال غزة طيلة حياتهم.

يُحتجز الأطفال الفلسطينيون ويتعرضون للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة الخطيرة في السجون ومراكز الاحتجاز، دون أي معلومات عن أماكن تواجدهم. وتستخدم قوات الاحتلال العنف الجنسي ضد الأطفال في إطار الإذلال والقمع الجماعي المتجذر في نمط طويل الأمد، قائم على أسس عرقية وجنسانية، ومتوارث عبر الأجيال، من الاحتلال والعداء..

وقد أثرت هجمات قوات الاحتلال المتعمدة على أقسام حديثي الولادة في غزة بشكل مباشر على بقاء المواليد الجدد على قيد الحياة وعلى مستقبل الفلسطينيين الإنجابي، بما في ذلك زيادة حالات الإجهاض والتشوهات الخلقية والمخاطر الصحية المستمرة التي يتعرض لها المواليد الجدد، مما أدى إلى تدمير حياة الرضع الفلسطينيين واستمرار وجودهم في البلاد.

وتسببت المجاعة التي فرضتها قوات الاحتلال خلال عمليات التطويق والحصار في وفاة أطفال فلسطينيين وأثرت بشدة على صحة العديد من الآخرين، جراء حرمانهم من العناصر التغذية الأساسية وزيادة خطر الإصابة بالأمراض في ظل انخفاض معدلات التطعيم وانعدام الأمن الغذائي وتدمير الخدمات الصحية.

وبموازاة ذلك، أدى تفكيك وتدمير دور الأيتام والمؤسسات التعليمية في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، إلى عرقلة الرعاية المعرفية والاجتماعية والعاطفية للأطفال ونموهم، وزعزعة أسس المجتمع الفلسطيني.

قال موراليدار: "حتى لو توقفت القنابل والأسلحة في غزة والضفة الغربية، فلن يتعافى الأطفال الفلسطينيون بين عشية وضحاها. إن تدمير صحتهم وتعليمهم ونموهم أمر لا رجعة فيه".

لقد عانى الأطفال الفلسطينيون من أضرار نفسية جسيمة، وحُرموا من أي شعور بالأمان والمستقبل. وتُعدّ الأضرار النفسية ظاهرةً تمتد عبر الأجيال، مُنتجةً ما يُعرف بـ „النفسية المُحتلة"، حيث تُقوّض حرية اللعب والتخيّل والأمل وتكوين الهوية.

وباستهدافها المُتعمّد للأطفال، تُقوّض دولة الاحتلال النسيج الاجتماعي الفلسطيني، مدمرة حيويته الديموغرافية وقدرته على الحفاظ على حقه في تقرير مصيره. أكد موراليدار: "إن حماية الأطفال الفلسطينيين ورعايتهم وبقائهم على قيد الحياة مُرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وباستهدافها للأطفال، تُهاجم إسرائيل وجود الشعب الفلسطيني وقدرته على تحديد مستقبله".

 المجتمع الدولي والوفاء بالتزاماته

دعت اللجنة دولة الاحتلال إلى الكف عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الأطفال الفلسطينيين، والكفّ عن جميع الأعمال المرتبطة بذلك. كما دعت اللجنة إلى إنهاء وجود قوات الاحتلال المستمر في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفقًا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية. وقدمت اللجنة توصيات إلى جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لضمان المساءلة عن هذه الجرائم.

ويجب على المجتمع الدولي ككل الوفاء بالتزاماته بموجب القانون الدولي، والمطالبة بإنهاء الأعمال العدوانية وانهاء الاحتلال، وإعطاء الأولوية للمساءلة وحق الضحايا في الوصول إلى العدالة كجزء لا يتجزأ من أي عملية سياسية تقوم على المشاركة الفعّالة للفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال.

ان الصور التي نشرتها وسائل الاعلام، في جميع انحاء العالم، تعكس بشاعة جرائم جيش الاحتلال وقواه الأمنية.