
لا زال حدث الرابع عشر من تموز 1958، تحت مرمى النقد الذي يصل عند البعض حد الشتيمة. فالحدث أخذ مساحة واسعة بعد الأحتلال الأمريكي للبلاد، وأخذت المساحة هذه اليوم تسير بأتجاه واحد وهو محاولة قوى المحاصصة من الغاء هذا الحدث الذي غير وجه العراق، من الذاكرة الشعبية العراقية، خصوصا وأنّ قوى المحاصصة هم ورثة أنقلاب الثامن من شباط الذي قتل 14 تموز.
تعتقد القوى المضادة للحدث من تلك التي في السلطة أو خارجه اليوم، من أنّه غير وجه العراق الذي بنظرهم كان يسير نحو بناء نظام ديموقراطي ودولة مؤسسات، وكأنّ 37 عاما تقريبا وهو عمر النظام الملكي، لم تكن كافية للبدء بأصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، لتحقيق ما يعتقدون من أنّ النظام الملكي كان في طريقه لتحقيقها!
كل تجربة تاريخية لا تقيّم في وقت حدوثها فقط، بل في الزمن التي كانت فيه صاحبة القرار. وحكمنا على حدث كالرابع عشر من تموز، علينا النظر اليه من خلال انجازاته في عمر الحدث القصير جدا مقارنة مع العهد الملكي والبعث ونظام المحاصصة اليوم، لا من خلال ما آلت اليه الامور في البلاد بعد انهيار التجربة بانقلاب غيّر مسار البلاد، وكان بوابة لوصولها الى ما هي عليه اليوم، لأننا في هذه الحالة سنكون بعيدين عن الأنصاف في تقييم تاريخ العراق الحديث. وقد يقال أنّ حدث 14 تموز شأنه شأن انقلاب شباط 1963 غيّر هو الآخرمسار البلاد، وهذا صحيح جدا، لكن في أي اتجاه غيّرته، وماذا حقققته خلال الفترة التي كانت مقاليد السلطة بيدها؟
14 تموز لم تكن نتيجة انقلاب عسكري فوقي، على الرغم مما احاط بها من سرية في التخطيط والتنفيذ، لانها وما ان اعلن نجاحها حتى كانت الجماهير تملأ شوارع مدن العراق للتعبير عن دعمها لقادة الأنقلاب. والأنقلاب الذي اصبح ثورة مثلما جاء به بطاطو، كان نتيجة لنضال القوى الوطنية العراقية المناوئة للسلطات الملكية منذ أربعينيات القرن الماضي. فبرامج الاحزاب الوطنية العراقية كانت تدور حول الاستقلال الناجز والسيادة الوطنية والغاء معاهدة 1930، وتقليص حجم االبلاط الملكي السياسي، وغيرها من الأهداف التي كانت تهم شعبنا وقتها.
لقد نجحت الثورة في أنهاء النظام الملكي وتاسيس الجمهورية، وحققت خلال عمرها القصير أنجازات لم تحققها أية حكومة حكمت البلاد قبلها ولا بعدها، الا انها فشلت في بناء نظام ديموقراطي، كون عقلية العسكر لا تسمح بترسيخ مؤسسات ديموقراطية، وظلّ الجيش هو اللاعب الرئيسي في السلطة حتى ساعة انهيار التجربة.
أنّ الحدث الذي بدأ كانقلاب عسكري فوقي ثم تحول الى ثورة كمل يقول بطاطو (1) ، اشار وقت حدوثه أي الأنقلاب/ الثورة، سهولة انهيار النظام الملكي، أذ يقول بطاطو " وبغضّ النظر تماما عن فجائية الأنقلاب وفعاليته، هناك كذلك حقيقة أن الملكيين لم يكونوا يملكون في 14 تموز ( يوليو)، وعلى مستوى القاعدة، أكثر من مظهر سلطة كانوا قد فقدوا منذ مدةكل شروط وجودها الحقيقي، أي ثقة وأخلاص القطاعات الاوسع من العناصر الواعية سياسيا في الجيش وبين المواطنين عموما. وبكلمات اخرى، فأن الانقلاب نجح بهذه السرعة وهذا الحسم لانه كان يعبّر عن توجه عام في المجتمع، وأن كان هذا التوجه يحمل طابعا سلبيا" (2).
لو كانت ثورة 14 تموز حدثا عابرا لما بقيت بعد ما يقارب سبعة عقود محورا لهذا الجدل الدائر. فاستمرار الصراع حولها يكشف أنها لم تكن مجرد تغيير في السلطة، بل تحول جوهري في تاريخ الدولة العراقية. ولذلك فإن الجدل الدائر بشأنها اليوم لا يتعلق بالماضي وحده، بل يعكس اختلاف في الرؤى حول طبيعة الدولة العراقية، بين دولة تقوم على السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، ودولة كرّست التبعية والمحاصصة والفساد.
(1) العراق ، الكتاب الثالث، ص116 – حنا بطاطو
(2) نفس المصدر ص 115







