لم تعد مناهضة المحاصصة والفساد والتمييز الطائفي العرقي تقتصر على إطلاق المواقف السياسية أو تنظيم الفعاليات، بل أصبحت تتطلب حضوراً ميدانياً وأساليب عملية للتواصل مع الناس في حياتهم اليومية. وانطلاقاً من هذا الفهم، تسعى العديد من الأحزاب والمنظمات التقدمية إلى تطوير أدوات تساعد ناشطيها على إدارة الحوارات المباشرة داخل الأحياء ومواجهة الفساد والطائفية العنصرية بالحجج والوقائع.

وفي هذا السياق، يمكن الإفادة من تجارب احزاب يسارية بأدواتها للعمل السياسي اليومي وللحملات الانتخابية من خلال إنزال النقاش النظري الى أرض الواقع، في الشوارع والأحياء ومن خلال الحوارات المباشرة مع السكان عند طرق أبواب منازلهم. ليس بهدف حشد الأصوات فقط، وإنما لبناء علاقات طويلة الأمد وتعزيز الثقة بين الحزب والمجتمع المحلي. بدلاً من تركها مجالاً تستثمر من قبل قوى وأحزاب فاسدة لاتمثل مصالح أكثرية الشعب.

صندوق الأدوات أدواتنا

سردية العِرق والطبقة

في الصراعات السياسية لا يتعلق الأمر بالمضامين وحدها، بل أيضاً بالطريقة التي تُروى بها القصص وتُصاغ بها السرديات. فاليمين والمحافظون ينجحون في توظيف خطاب يقوم على بثّ الانقسام، إذ يصرفون الانتباه عن المشكلات الاجتماعية من خلال تأليب فئات المجتمع بعضها على بعض. ومن هنا تنطلق سردية العِرق والطبقة، إذ تقدّم استراتيجية مضادة تقوم على ما يلي:

تعبئة المشاعر: لا يتحرك الناس بدافع العقل وحده. فالتواصل السياسي الفعّال يستند إلى تجاربهم ومشاعرهم وواقعهم اليومي.

تجاوز الانقسام: بدلاً من طرح خيار «إما القضية الاجتماعية أو مناهضة العنصرية»، تربط سردية العِرق والطبقة بين الاثنين، وبذلك تخاطب شرائح أوسع من المجتمع.

كشف المسؤولين الحقيقيين: تُظهر هذه السردية أن اللامساواة الاجتماعية ليست أمراً عارضاً، بل هي نتاج سياسات مقصودة، وأن العنصرية تُستخدم في كثير من الأحيان عمداً لصرف الانتباه عن ذلك.

تنظيم الأغلبية: لا يقتصر الهدف على كسب التأييد، بل يتعداه إلى تحفيز العمل الجماعي، أي جمع الناس معاً لتمكينهم من ممارسة ضغط جماعي منظم.

باختصار، تنقل سردية العِرق والطبقة مسار الخطاب من منطق «الناس في الأسفل ضد بعضهم بعضاً» إلى منطق «نحن معاً في مواجهة أولئك الذين يستفيدون من هذا الانقسام».

 جمهورنا المستهدف

من الضروري تحديد الفئات التي نسعى إلى الوصول إليها. ويختلف الجمهور المستهدف باختلاف السياق (مثل التظاهرات، أو الحملات، أو الاجتماعات)، ولذلك ينبغي مخاطبة كل فئة بالأسلوب الملائم لها. وبوجه عام، يمكن التمييز بين ثلاث فئات:

·        القاعدة التنظيمية (الناشطون، وأعضاء الحزب، والمؤيدون): هؤلاء مقتنعون أصلاً بأفكارنا، لذا يتمثل الهدف الأساسي في تحفيزهم وإشراكهم في العمل، لا في إقناعهم من جديد.

·        القابلون للاقتناع: وهم أشخاص لا يتبنون موقفاً سياسياً ثابتاً، لكنهم يتشاركون معنا بعض القيم، مثل العدالة. وتُعد هذه الفئة الجمهور المستهدف الأهم، لأنها قابلة للاستقطاب والتنظيم من خلال خطاب واضح ومفهوم، وعبر تقديم بدائل ومقترحات عملية.

·        غير القابلين للاقتناع: وهم الذين يرفضون قيمنا من حيث المبدأ، ولذلك فإن توجيه الخطاب إليهم لا يُعد مجدياً من الناحية الاستراتيجية.

فالتوجه أساساً إلى الفئة القابلة للاقتناع، فهي لا تهدف إلى تلقين القاعدة التنظيمية أو استنزاف الجهد في مخاطبة فئات يستحيل كسبها، بل إلى بناء أغلبيات جديدة.

1. إبراز القيم المشتركة وبناء «نحن» الجامعة

بناء شعور بالانتماء من خلال القيم المشتركة.

"رغم الاختلافات نقف إلى جانب بعضنا بعضاً".

*  إظهار الاختلافات.

*  التأكيد على ما يجمعنا.

2. تسمية المشكلة بوضوح

بناء وعي مشترك بالمشكلة

" الإيجارات تواصل الارتفاع، ولم تعد الأجور في كثير من الأحيان تكفي لتغطية تكاليف المعيشة"

الاستناد إلى تجارب ملموسة.

*  تجنب الطروحات المجردة.

3. تسمية الخصم وكشف سياسة بثّ الانقسام

إظهار طبيعة الصراع

«الفاسدون وأصدقاؤه الأثرياء في لوبي العقارات... الخ.»

 *تسمية الخصم بصورة واضحة.

*  إظهار الطائفية والعنصرية بوصفها وسيلة لصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للمشكلة.

 4. طرح رؤية مشتركة والدعوة إلى العمل

تحفيز المشاركة

«يمكننا أن نغيّر هذا الواقع... تعالوا إلى الاجتماع يوم [التاريخ] وشاركوا معنا.»

*  بثّ الأمل.

*  تقديم دعوة واضحة إلى عمل ملموس.

ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه في التطبيق، أمثلة على ذلك                                                                                                                                   

✓   البدء بالقيم المشتركة (التكاتف، والتضامن، والعمل، والأسرة).

✗   بدلاً من البدء بعرض المشكلات.

«بغضّ النظر عن أصولنا أو عمّا هو مكتوب في بطاقة الهوية، فإننا نقف إلى جانب بعضنا بعضاً... بدلاً من: «بسبب ارتفاع الإيجارات، لم نعد قادرين على تحمّل تكاليف المعيشة».

✓   التأكيد على الهوية المشتركة والانتماء إلى المكان.

✗   وصم الأحياء أو المجتمعات المحلية بالمشكلات. «نحن هنا في المحلة، موقع العمل متضامنون ونعمل بجد...» بدلاً من أننا نعاني من مشكلات.

✓   استخدام لغة بسيطة وواضحة.

  ✗ بدلاً من استخدام المصطلحات المتخصصة أو التقنية.

«المزيد من الأموال لتأمين ما نحتاجه فعلاً للعيش الكريم.» بدلاً من: «تراكم فجوة الاستثمار.»                                                                                                            ✓     الاعتماد على السرد القصصي.

✗   بدلاً من الاكتفاء بالأرقام والإحصاءات الجافة.

«أمس فقط تحدثت مع أحد الجيران، وأخبرني عن خوفه الدائم من فقدان شقته.» بدلاً من: «هناك عدد كبير من الأشخاص في محلتنا يبحثون عن استثمار».

✓ تسمية المسؤولين عن المشكلة بصورة مباشرة.

✗  بدلاً من عرضها بوصفها مشكلة مجردة في النظام.

 «سياسيو الحزب الفلاني مع أصدقائهم الأثرياء في لوبي العقارات، يفرّطون في أحيائنا.» بدلاً من: «بسبب سياسة التقشف التي تنتهجها الحكومة وفي المحافظات، تضطر مؤسسات عديدة إلى الإغلاق.»

الرؤية، التعبئة والتواصل

✓  تحديد رؤية واضحة

  ✗ لا تقتصر على الحديث عن المشكلات

رؤيتنا هي أنه في الحي الفلاني يتمكن فيه كل شخص مع أسرته من العيش بأمان وباستقلالية.»

  بدلاً من: (الحي ينهار)

✓   تقديم بديل واضح للخصوم السياسيين

  ✗ تجنّب الصياغات العامة التي تحاول كسب موافقة الجميع

«نحن ندافع عن تحديد سقف للإيجارات – على عكس باقي الأحزاب، وإلى جانب العاملين.»

بدلاً من: (نحن بحاجة إلى سياسة إسكان مسؤولة)

✓ إبراز الإنجازات

  ✗عدم الاكتفاء بالتأكيد على الجهود

«لقد طرقنا حتى اليوم عشرات الآلاف من الأبواب». بدلًا من: نحاول / نريد / نأمل

 ✓   استخدام رموز وصور قابلة للتواصل في الصور والفيديو

  ✗ تجنّب رموز أو أساليب "المشهد اليساري" المغلق

عرض أشخاص عاملين في حياتهم اليومية وبملابس عادية ومنظمة

 بدلاً من: شعارات مثل (لا تمت بصلة مع الأهداف)

  ✓إتاحة المجال للناس للتحدث

  ✗عدم التحدث باسم الناس بدلاً منهم

✓  توجيه دعوة واضحة للعمل (دعوة للعمل)

  ✗ تجنّب الصياغات المبهمة

لذلك تعالوا يوم [التاريخ] إلى اجتماع (على سبيل المثال انقطاع غلاء العقار والكهرباء، مجاري المياه)

بدلاً من: (لذلك علينا أن نتكاتف ونخوض معركة ضد لوبي العقارات).

نصائح عملية لحوارات طرق الأبواب

1. التحضير التضامني

إن وجود مجموعة تضامنية متماسكة هو الأهم لحماية بعضنا البعض. ويشمل ذلك التحضير المناسب للمناطق التي يتم العمل فيها. فوجود أيديولوجيات التقليل من شأن الآخرين، يشكّل تهديدات حقيقية على المستويين النفسي والجسدي.

معرفة منطقة العمل: من أجل الاستعداد مسبقاً، من المفيد دراسة الأحياء المستهدفة بشكل دقيق قدر الإمكان. ويمكن القيام بذلك عبر البحث والاطلاع.

بتوثيق الحوادث ذات الطابع المعادي للناس، أو التمييزي.

في الوقت نفسه، يجب الانتباه إلى التوتر القائم بين ضرورة الحذر من جهة، والقدرة على الفعل السياسي من جهة أخرى: فلا ينبغي لأحد أن يدخل في مواقف قد تكون خطرة دون استعداد مسبق، وخاصة الأشخاص المتأثرين بالطائفية. وفي المقابل، لا ينبغي أن يمنعنا الخوف أو الإفراط في الحذر من مواصلة حوارات طرق الأبواب وغيرها من أشكال التواصل المباشر. المهم هو تقدير المخاطر بشكل واقعي، والاستعداد الجيد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على العمل.

اختيار الفرق بعناية: قبل تنفيذ الأنشطة، يجب مناقشة كيفية التعامل مع الحالات المحتملة من الممارسات اللاإنسانية. ويجب أخذ احتياجات وحدود جميع المتطوعين على محمل الجد وعدم التقليل من شأنها.

قد يكون من المفيد القيام بحوارات طرق الأبواب ضمن فرق مختلطة. وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون لكل شخص الحق في اختيار من يشعر بالراحة معه أثناء هذه الحوارات.

كما يمكن أن يساعد الاتفاق على كلمات أو إشارات رمزية مشتركة في تمكين التواصل السريع حول حالات عدم الارتياح أو الإرهاق أو الحاجة إلى أخذ استراحة.

2. أثناء حملة طرق الأبواب

نحن نعيش في مجتمع يتسم بالطائفية والمذهبية، ويظهر ذلك أيضاً في حوارات طرق الأبواب. فقد تكون هذه الحوارات مرهقة نفسياً ومؤذية في بعض الأحيان. ومع ذلك، لا ينبغي أن ندير ظهرنا بسرعة للأشخاص الذين يعبّرون عن مواقف تمييزية، لأننا كما ذُكر في المقدمة، لا يمكن لليسار أن يحقق أغلبيات اجتماعية إلا إذا نجح في إقناع الناس وتطوير تصورات مشتركة للمستقبل.

غالباً ما ترتبط المواقف الطائفية بحالات من عدم اليقين الواقعي، وتجارب التنافس، ومخاوف التراجع الاجتماعي، وتقدّم تفسيرات بسيطة ظاهرياً لمشكلات معقدة. وفي الوقت نفسه، يشترك كثير من الناس في قيم أساسية مثل التضامن، والأمن، والرغبة في حياة كريمة للجميع. ومن هنا يمكن الانطلاق في الحوار، بغض النظر عن الإنتماء لهذا الطرف أو ذاك. (المتصوَّر).

وهنا يمكن تطبيق سردية العِرق والطبقة والطائفية بشكل جيد: فبدلاً من قبول الانقسام والبحث عن "كبش فداء"، تضع هذه السردية المصالح المشتركة في المركز، وتعزز التضامن عبر الحدود الاجتماعية.

أسئلة المتابعة المفتوحة

إن طرح أسئلة مثل: «ماذا تقصد بذلك تحديداً؟» أو «ما الذي يثير قلقك في هذا الأمر؟» يمكن أن يساعد على كشف المخاوف والاحتياجات الفعلية الكامنة خلف التصريحات العامة والمجردة.

وبالاعتماد على ذلك، يمكن توجيه الحوار نحو المصالح المشتركة والأسباب البنيوية، مثل اللامساواة الاجتماعية أو تزايد الضغوط في الحياة اليومية. كما ينبغي توضيح أن السرديات الطائفية غالباً ما تُستخدم لصرف الانتباه عن المسؤوليات الحقيقية للقرارات السياسية، ولإلقاء اللوم في المشكلات الاجتماعية على مجموعات معينة، بدلاً من تحديد الأسباب السياسية والاقتصادية العميقة الكامنة وراءها.

الانتباه إلى الحدود

إن حوارات طرق الأبواب غالباً ما تكون عملية توازن دقيقة. فحتى لو كان من المجدي أحياناً الاستمرار في الحوار مع أشخاص يبدون مواقف تمييزية في البداية، واستخراج مصالح أو قيم مشتركة معهم، يبقى من المهم في الوقت نفسه الاعتماد على حدسكم وعلى قدرتكم النفسية في تلك اللحظة للدخول في مثل هذه الحوارات من عدمه.

يجب الانتباه إلى حدودكم الشخصية: ليس من الضروري الاستمرار في كل حوار بأي ثمن. وإذا أصبح الموقف غير محترم أو مؤذٍ أو مهدِّد، فقد يكون من الضروري إنهاء الحوار بشكل واعٍ. فلا يوجد أي حوار يستحق أن تعرضوا أنفسكم للخطر بسببه.

نصائح للحماية الذاتية

يمكن أن تكون حوارات طرق الأبواب مرهقة ومتعبة، خصوصاً عند مواجهة سلوكيات تمييزية. لذلك من المهم أن تعتني بنفسك جيداً، وأن يعتني أفراد الفريق ببعضهم البعض بشكل تضامني:

خذوا فواصل منتظمة، واشربوا وتناولوا ما يكفي من الطعام.

لا تكشفوا الكثير عن أنفسكم: قد تساعد التجارب الشخصية – سواء كانت حقيقية أو صيغت بشكل غامض عمداً لحماية النفس – في بناء روابط مع الآخرين. في الوقت نفسه، فإن الإفراط في الانفتاح قد يجعلكم أكثر عرضة للضرر.

لذلك قد يكون من المفيد استخدام اسم مختلف أثناء الأنشطة أو الظهور بشكل واعٍ كفريق. ومن المفيد أيضاً التحدث بصيغة «نحن» بوصفنا يساريين، بدل وضع الفرد نفسه في الواجهة بشكل منفرد.

إذا واجهتم تعليقات طائفية أو سلوكاً تمييزياً، حاولوا الحفاظ على الهدوء والثبات. فالتفاعلات الغاضبة أو الانفعالية بشدة قد تؤدي إلى تصعيد الموقف. إن أنماط الخطاب اليميني لا تقوم على الحقائق، بل على الإثارة العاطفية والاستفزاز – فلا تنجرّوا إلى هذا النمط من التفاعل!

حافظوا على الهدوء، وثقوا بالنصوص/ الخطاب التحضيري الذي تعملون به، وابقوا على مستوى النقاش الموضوعي. وبهذه الطريقة يمكن في كثير من الأحيان نزع فتيل المواقف المتصاعدة مبكراً. ولا تنخرطوا في نقاشات "الصراع الثقافي"، بل حاولوا إعادة التركيز على المصالح المشتركة والمشكلات الملموسة.

3. بعد حملة طرق الأبواب

كونوا إلى جانب بعضكم البعض، وتحدثوا بصراحة داخل الفريق عن الانطباعات والمخاوف، وادعموا بعضكم البعض بشكل متبادل. إن الثقة في الحدس المناهض للطائفية والفساد وللنزعة الفاشية تنشأ أيضاً من خلال العمل المشترك والدعم المتبادل.

خصصوا ما لا يقل عن 20 إلى 30 دقيقة للقاء داخل الفريق من أجل تبادل الخبرات، ومناقشة الوقائع التي حدثت، والتفكير في كيفية التعامل مع مواقف مشابهة في المستقبل.

وعند الحاجة، قد يكون اللجوء إلى دعم مهني مفيداً. من خلال منظمات ديمقراطية، شعبية باستشارات مجانية للأشخاص المتأثرين بالعنف الطائفي أو الجنسي، أو بالتهديدات.

-------------------

(*) من موقع حزب اليسار الألماني، في قسم بعنوان "الحزب في حركة".