
في الأوساط اليسارية، يسود غالباً الاعتقاد بأن الحجج الجيدة وحدها تكفي، وأن الناس سيغيرون آراءهم إذا قدمنا لهم الحقائق الصحيحة وشرحنا العالم بوضوح كافٍ. لكن التواصل في الواقع لا يعمل بهذه الطريقة. فالناس لا يتخذون قراراتهم اعتماداً على المعلومات وحدها، بل يستندون أيضاً إلى تجاربهم الشخصية، ومشاعرهم، وثقتهم بالآخرين، وظروف حياتهم اليومية.
فعندما نعطي شخصاً منشوراً أو مطوية، فهذا لا يعني بالضرورة أنه سيتبنى وجهة نظرنا. وإذا لم يكن لرسالتنا صلة بحياته اليومية، ولم نبنِ معه علاقة ثقة، ولم نخاطبه بلغة تأخذ مخاوفه على محمل الجد، فإن رسالتنا ستبقى بلا تأثير.
لذلك، فإن التواصل الاستراتيجي يعني ألا نفكر فقط في مضمون ما نقوله، بل أيضاً في طريقة عرضه، وتوقيته، والسياق الذي يُقدَّم فيه. والهدف هو ربط الرسالة بواقع حياة الناس، وشرح سبب أهمية سياساتنا بالنسبة لهم بطريقة واضحة ومفهومة.
كما أن التواصل لا ينجح من دون ممارسة عملية. فما نقوله يجب أن يثبت صدقه في الحياة اليومية. وعندما يرى الناس أننا نقف إلى جانبهم ونناضل معهم من أجل قضاياهم، تصبح رسالتنا أكثر مصداقية وتأثيراً.
لماذا نحتاج إلى التواصل الاستراتيجي؟
أولاً: لأن السياسة تعتمد أيضاً على المشاعر. فلا يكفي أن يكون موقفنا صحيحاً، بل يجب أيضاً أن نصل إلى الناس، ونؤثر فيهم، ونشجعهم على العمل الجماعي.
ثانياً: لأن خصومنا السياسيين يفعلون ذلك منذ وقت طويل. فالقوى اليمينية تستخدم المشاعر بشكل متعمد، وتعتمد على روايات بسيطة وصور واضحة للعدو. كما تطرح القضايا التي تريدها، وتخاطب فئات محددة، وتستخدم كلمات وصوراً تؤثر في الناس. وإذا لم يكن لدينا رد على ذلك، فإننا نترك لهم المجال للتأثير في الرأي العام.
ثالثاً: لأننا نريد كسب أغلبية مجتمعية. وهذا لا يتحقق بمجرد عرض مواقفنا السياسية، لأن ذلك يصل في الغالب إلى الأشخاص الذين يوافقوننا أصلاً. أما إذا أردنا إحداث تغيير حقيقي، فعلينا أن ننطلق من الأفكار السائدة لدى الناس، ونناقشها، ونتحدى حدودها، ثم نساعد على تطويرها. فالمطلوب هو بناء جسور بين تجارب الناس وفهمهم اليومي للعالم، وبين رؤيتنا السياسية.
بعض من التجارب المروية:
1. "فتحت لي إحدى النساء الباب وقالت مباشرة: يجب ترحيل المهاجرين، فقد أصبح عددهم كبيراً جداً.
في البداية شعرت بالارتباك، لكنني سألتها عن عملها. فأجابت بأنها تعمل ممرضة، وأضافت أن نحو 70٪ من زميلاتها المباشرات في العمل من أصول مهاجرة، وأنها تحبهن جميعاً.
ثم بدأنا نتحدث عن النقص الحاد في قطاع الرعاية الصحية، وعن تخفيضات الميزانية، وعن التجارب التي صاحبت حركة العاملين في المستشفيات. وفي نهاية الحديث وعدتني بأنها ستصوت لنا في الانتخابات."
التعامل بجدية مع الفهم اليومي للناس وتطويره
يمتلك الناس دائماً تصورات مسبقة عن كيفية سير العالم. لكن هذا الفهم اليومي غالباً ما يكون متناقضاً، إذ يجمع بين عناصر تدعو إلى التضامن وأخرى تقوم على الإقصاء. ومهمتنا ليست أن نلقّن الناس من الخارج أو نصحح أفكارهم بطريقة مباشرة، بل أن ننطلق من هذا الفهم، ونعمل على تطويره. فمن خلال التجارب الأولى، التي تكون في كثير من الأحيان متناقضة، يمكن أن يتكوّن فهم أوضح للعلاقات والظروف الاجتماعية.
2. "تعلمت في الدورة التدريبية أن أبدأ دائماً بالسؤال السحري: ماذا كنت ستفعل لو كان بإمكانك تغيير الأوضاع؟
كانت معظم الإجابات التي حصلت عليها تكاد تكون اشتراكية: السلام، وتوفير الطعام للجميع، وتقليل الظلم، وتحقيق قدر أكبر من الأمان الاجتماعي."
كيف نتحدث عن قضايا الطبقة؟
"فيما يتعلق بالقضية الطبقية، لا يمكن تجميل الواقع: فحزب "البديل من أجل ألمانيا" (اليميني المتطرف) أصبح اليوم، دون شك، الحزب الذي يحظى بأكبر تأييد بين العمال والعاملات. ويحقق هذا الحزب أفضل نتائجه بين ذوي الدخل المنخفض، ومستويات التعليم المحدودة، والأشخاص الذين يخشون التراجع الاجتماعي. ويرجع ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى أنه يخاطب هذه الفئات بلغة ورسائل مصممة خصيصاً لها.
وكان حزب "البديل من أجل ألمانيا" أول حزب يدرك حجم السخط العميق تجاه النظام السياسي التمثيلي والنخب السياسية التي يُنظر إليها على أنها بعيدة عن هموم الناس في ألمانيا، ثم حوّل هذا السخط إلى خطاب يعتمد على إثارة المشاعر.
فهو يعبر عن المشاعر الأساسية لدى الفئات القابلة للتأثر، مثل الإحساس بالعجز، والمرارة، والغضب، ويقدّم الصراع القومي على أنه حل بسيط وسهل الفهم للظلم الموجود في الواقع.
وتتلخص رسالته في أن الأجانب يهاجمون الألمان العاديين ويسلبونهم حقوقهم، بينما تتواطأ أحزاب المؤسسة الحاكمة مع ذلك بدلاً من الاهتمام بمصالح الشعب."
في الحملة الانتخابية للبرلمان الاتحادي، ومع إطلاق حملة الإيجارات، اتخذنا الخطوات الأولى لمنافسة حزب "البديل من أجل ألمانيا" على صورته باعتباره "حزب العمال". وخلال فترة انتخابية قصيرة جداً، أظهر حزب اليسار الألماني كيف يريد أن يكسب ثقة العاملين الذين أصابهم الإحباط من خلال العمل كحزب طبقي منظم، وذلك عبر التزام واضح بقضايا الحياة اليومية، والتركيز على المطالب الأساسية المتمثلة في خفض الإيجارات والأسعار المرتفعة.
ومن خلال نشاط ميداني واسع وغير مسبوق شمل طرق أبواب المنازل في مختلف أنحاء البلاد، وحملات موجهة خصيصاً للفئات المستهدفة، إلى جانب تقديم دعم عملي مثل مراجعة تكاليف التدفئة، وكذلك وضع سقف لرواتب قيادته الحزبية التي بدت صادقة وقريبة من الناس، تمكن حزب اليسار الالماني من إقناع الكثيرين بأنه جاد في وعوده.
وخلال اللقاءات التي أُجريت مع فريق حملة زهران ممداني في موقع عمله في نيويورك، وأثناء فعاليات حملته الانتخابية في نهاية تشرين الأول 2025، برزت أوجه التشابه بشكل واضح. فحتى في معقل الحزب الديمقراطي الأمريكي، أصبح كثير من العاملين، ولا سيما الذين لا يشاركون في الانتخابات، أكثر عرضة للتأثر بخطاب اليمين بسبب غياب بديل يساري شعبوي.
لكن هناك طريقاً لاستعادة جزء من هؤلاء الناخبين. وقد أكدت لي الرحلة إلى نيويورك أن الهدف الرئيسي لتواصلنا السياسي كحزب يجب أن يكون بناء هوية طبقية جديدة.
فمن منظور التواصل السياسي، تُعد الطبقة في جوهرها هوية جماعية، تماماً مثل الهوية الوطنية أو الانتماء إلى نادي سانت باولي (الألماني) لكرة القدم. إنها مجموعة متنوعة من الأشخاص تجمعهم قيم ومصالح وأحلام مشتركة، وتتوطد روابطهم من خلال النضالات المنظمة والتجارب العاطفية التي تمنحهم شعوراً بالقوة والنجاح. إنها شعور بـ “نحن" المشتركة.
ونحن جميعاً ندرك أن الوعي بالانتماء إلى الطبقة العاملة لا ينشأ تلقائياً منذ الولادة. ولذلك، فمن الضروري، من منظور تاريخي، العمل على مدى طويل وبكل قوة من أجل تشكيل هذا الانتماء الجماعي من جديد.
فالهوية الطبقية وحدها قادرة على منافسة الهوية القومية، وتمكين الناس من النضال معاً، بوصفهم أغلبية، من أجل إحداث تغييرات جوهرية.
ويُثبت الانتصار الأخير الذي حققه زهران ممداني أن الخطاب اليساري القائم على الهوية الطبقية يمكن أن يكون مؤثراً، لكن ذلك لا يتحقق إلا إذا استُخدم بالطريقة الصحيحة.
التواصل حول الهوية الطبقية: ما الذي يهم حقاً؟
الفكرة الأساسية بسيطة. فإذا أردنا أن يشعر الناس بأنهم ينتمون إلى جماعة واحدة، فلا بد من توضيح المشكلات المشتركة التي يواجهونها، والجهات التي تقف في مواجهتهم، وكيف أنهم يتعرضون في حياتهم اليومية لأشكال متشابهة من الظلم، وكيف يمكن أن تصبح حياتهم أفضل.
1. التركيز على الاحتياجات الأساسية
لكي يتكوّن هذا الشعور الجماعي بـ “نحن"، يجب أن تستند إستراتيجيتنا في التواصل، في المقام الأول، إلى الاحتياجات الأساسية للناس. ويشمل ذلك توفير إيجارات وأسعار معقولة، وكذلك حاجة الناس إلى أن تشعرهم السياسة بأن أصواتهم مسموعة وأن همومهم تؤخذ على محمل الجد.
أن السبب الذي يدفع كثيراً من الأشخاص ذوي المواقف التقدمية في قضايا مثل المناخ، وحقوق المرأة، والإجهاض، إلى التصويت بشكل متزايد للأحزاب اليمينية، هو أنهم أصبحوا يجدون صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف المعيشة كما كانوا يفعلون قبل بضع سنوات.
ومن هذا الواقع تنبع قناعتهم بأن من حقهم، أخلاقياً ومادياً، أن تتعامل الحكومة بجدية مع مشكلاتهم اليومية. فالمخاوف المادية الملموسة، وما يرتبط بها من خوف من التدهور الاجتماعي، لا يمكن معالجتها بمجرد الدعوة إلى التضامن الإنساني العام أو استخدام شعارات مجردة.
فإذا كان الناس يشعرون بأن السياسيين لا يهتمون بهم، فلماذا سيهتمون هم بجيرانهم من المهاجرين أو بالعاطلين عن العمل؟
ولهذا، فإن طرح حلول سياسية عملية تقلل شعور الناس بالعجز، وتحسن حياة كل فرد، وتعيد للعاملين كرامتهم، يُعد شرطاً أساسياً لنجاح الخطاب القائم على الهوية الطبقية.
وبعبارة أخرى، لن ينظر هؤلاء الناس إلى الحزب باعتباره بديلاً سياسياً جاداً إلا إذا شعروا بأن خطابه يعبر عن همومهم الحقيقية.
ولذلك، ينبغي أن يكون الإطار الرئيسي لخطابنا السياسي هو:
"حياة كريمة بتكاليف معقولة للجميع."
2. البرامج السياسية وطريق التغيير
يجب أن يستند هذا الإطار التواصلي في عملنا الإعلامي إلى برامج وسياسات طموحة تمنح الناس في حياتهم اليومية أملاً حقيقياً ومستقبلاً أكثر استقراراً. لكن هذه السياسات يجب ألا تبقى مجرد أفكار مكتوبة على الورق، بل ينبغي:
أولاً: عرضها باعتبارها جوهر السياسة اليسارية، بلغة بسيطة وواضحة وقريبة من الناس.
ثانياً: الدفاع عنها بصدق وإقناع وإظهار الالتزام الحقيقي بها.
زهران ممداني قدم برنامجه الانتخابي، الذي حمل شعار "نناضل من أجل العاملين دون أي اعتذار"، بوصفه مثالاً على ذلك. فقد تضمّن مطالب مثل تجميد الإيجارات، وتوفير حافلات مجانية وسريعة، ورعاية أطفال مجانية للجميع. ولم تُطرح هذه الأفكار باعتبارها أحلاماً اشتراكية بعيدة المنال، بل باعتبارها مطالب بديهية يحتاجها كل إنسان ويمكن تحقيقها.
طريق تحقيق هذه المطالب: إشراك الناس في العمل
إن البرنامج السياسي الشعبي يجب أن يقترن بخطة واضحة لكيفية تنفيذه. ولذلك، ينبغي لليسار أن يوضح دائماً أن تحقيق مطالبه الأساسية لن يتم إلا إذا تحرك الناس معاً ونظموا أنفسهم.
فلا أحد سيقدم تجميداً للإيجارات على مستوى البلاد على طبق من ذهب، بل يجب انتزاعه بالنضال والعمل المنظم.
ولهذا الغرض، أنشأ فريق ممداني ماكنة رقمية واسعة النطاق لإدارة الحملة الانتخابية، واستخدم أدوات مثل ManyChat وغيرها لحشد أكبر عدد ممكن من المتطوعين عبر التعليقات والرسائل الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتشجيعهم على المشاركة في حملات طرق الأبواب.
وفي الوقت نفسه، جرى تعزيز الشعور بالهوية الطبقية طوال الحملة، وخاصة أثناء الزيارات الميدانية للمنازل، حيث ركزت المحادثات أيضاً على الأسباب الشخصية التي دفعت المتطوعين إلى دعم ممداني والتحدث بإسمه.
3. سردية الصراع وربط الطبقة بالقضايا المجتمعية
أن وجود برنامج سياسي وحده لا يكفي، بل لا بد أيضاً من تقديم قصة متماسكة عن الطبقة العاملة، تكون جزءاً من رواية أشمل تفسر الواقع وتمنح الناس تصوراً واضحاً للعالم.
"نحن" في مواجهة "هم"
وهنا تطرح أسئلة مثل:
من المسؤول عن أن عدداً متزايداً من العاملين لم يعد قادراً على تحمل تكاليف السكن؟
ولماذا تعجز النخب السياسية الحاكمة عن وضع سياسة إسكان تخدم مصالح العاملين؟
ومن يستطيع فعل ذلك؟
إن الهوية الطبقية، مثل أي هوية جماعية، تحتاج إلى صراع مشترك لا يمكن كسبه إلا بالتعاون. فلا شئ يوحّد الناس أكثر من وجود خصم مشترك.
إن الأحزاب اليمينية أتقنت استخدام هذه الفكرة، لكن نجاح زهران ممداني تمثل في إستبدال الخطاب الذي يركز على الهجرة والأمن بخطاب يركز على الصراع الاقتصادي والسياسي مع النخب المنفصلة عن الناس وطبقة أصحاب المليارات في مدينة نيويورك.
إن حزب اليسار الالماني، من وجهة نظره، لا يستطيع تجنب هذا النهج. ففي السنوات القادمة ينبغي، بحسب رأيه، إبراز الصراع بين من هم في أعلى الهرم الاقتصادي والسياسي ومن هم في أسفله بشكل يومي وواضح.
وبفكرة مفادها أن الخطاب لا ينبغي أن يقتصر على القول:
الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً"
بل يجب أن يصاغ بصورة أكثر مباشرة، مثل:
"الأغنياء يستولون على مساكننا ويدفعوننا نحو الفقر."
إن هذا النوع من الخطاب يعرقل استراتيجية اليمين، ولذلك فإن الأحزاب اليمينية لا تستخدم الخطاب العنصري والإقصائي بدافع القناعة فقط، بل أيضاً بشكل مقصود كوسيلة سياسية.
ويوصف هذا الأسلوب بما يُعرف بـ "استدراج الغضب"، وهو نشر تصريحات أو مواقف مستفزة بهدف إثارة الغضب وجذب الانتباه. ويعتبره، إلى جانب أسلوب "إغراق الساحة"، من أكثر التكتيكات التي يعتمد عليها اليمين، لأن كثيراً من الناس، يقعون في هذا الفخ.
أن الهدف الحقيقي من هذا الأسلوب هو صرف الانتباه عن الصراع الطبقي. فكثيرون ينشغلون بدورات الغضب والجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يدركوا أنهم يخوضون المعركة وفق الشروط التي يفرضها اليمين.
بدلاً من ذلك يُقترح إعتماد ما يسمى "سردية الطبقة والعرق"، وهو نهج في التواصل السياسي نشأ في الولايات المتحدة، واستخدمه سياسيون مثل بيرني ساندرز، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، ثم زهران ممداني.
ويذكر أنه خلال الحملة الانتخابية تعرض ممداني لهجمات عنصرية متكررة بسبب كونه مسلماً ومهاجراً، لكنه لم يكتف بوصف هذه الهجمات بأنها عنصرية، بل قدّمها أساساً باعتبارها محاولة لتقسيم سكان نيويورك وإشغالهم عن القضية الحقيقية، وهي أزمة تكاليف المعيشة والسكن.
وبدلاً من التركيز على إدانة تصريحات خصومه، ركزت حملة ممداني على تفسير سبب استخدامهم لهذا الخطاب، معتبرة أنهم يحاولون خداع الناس وصرف انتباههم عن مشكلاتهم الحقيقية. فالناس لا يحبون أن يشعروا بأنهم يُخدعون، وهو ما ساعد، في نجاح هذا الأسلوب.
من المهم بالنسبة لحزب اليسار الألماني أن يواصل استخدام هذا النهج بعد انتخابات البرلمان الاتحادي، حتى يظهر كقوة سياسية تجمع الناس بدلاً من تقسيمهم.
4. "قصتنا المشتركة" والتواصل القائم على المشاعر
أن حملة ممداني استخدمت القضايا المعيشية اليومية من أجل طرح أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل المجتمع، مثل:
لمن تعود مدينة نيويورك؟
وكيف نريد أن نعيش فيها؟
هل نريدها مجتمعاً ديمقراطياً ومتضامناً، يستطيع فيه الجميع أن يعيشوا بكرامة، ولا يترك فيه الجيران بعضهم بعضاً يواجهون الصعوبات وحدهم؟
أم نريد مجتمعاً يسوده العمل الهش، والوحدانية، وانعدام الأمان، حيث يتحكم المديرون التنفيذيون وأصدقاء ترامب من أصحاب المليارات في حياة الناس، ويستغلونهم ويدفعونهم إلى مغادرة المدينة؟
وكان جواب ممداني، واضحاً وحاسماً:
"نيويورك ملك للأشخاص الذين بنوا هذه المدينة ويحافظون على استمرارها."
ومن خلال هذا الخطاب، أوضح أيضاً الحاجة إلى سياسات مختلفة جذرياً من أجل استعادة هذه القوة لصالح السكان.
كان واضحاً أنه خلال التجمعات الانتخابية الكبرى واحتفال النصر، أن كثيراً من أبناء الطبقة العاملة، الذين شعروا بخيبة أمل لفترة طويلة، بدأوا يستعيدون الإحساس بأن بإمكانهم التأثير في حياتهم ومستقبلهم.
أن حزب اليسار الالماني يحتاج أحياناً إلى تجاوز تردده في ربط المشكلات اليومية بالأسئلة الكبرى المتعلقة بالمجتمع والمستقبل، لأن الناس الذين يسعى الحزب إلى الوصول إليهم يتطلعون إلى أن يكونوا جزءاً من نضال أكبر، داخل مجتمع قوي يتشارك القيم نفسها ويدعم أفراده بعضهم بعضاً.
ولهذا، فإن استخدام السرد القصصي بصورة أكبر في العمل السياسي، يساعد على بناء هذا الشعور الجماعي وإيصال الرسائل بطريقة أكثر تأثيراً.
التأثير في الناس من خلال السرد القصصي يحتاج إلى المشاعر
أن "قصتنا المشتركة" التي قدمها ممداني ألهمت كثيراً من سكان نيويورك الذين شعروا بأنهم تعرضوا للاستغلال أو فقدوا الأمل، لأنها لم تكتفِ بالتعبير عن غضبهم، بل أعادت إليهم أيضاً الشعور بأنهم مرئيون، ومنحتهم الأمل والكرامة.
لكن الخطاب الطبقي، يحتاج أيضاً إلى شعور آخر لا يقل أهمية، وهو الفخر. فالفخر لا يعزز الأمل فحسب، بل يساعد أيضاً على بناء الوعي الطبقي. ومن أمثلة ذلك شعور الناس بالفخر لأن "واحداً منا" أصبح عمدة أغنى مدينة في العالم.
أن الأمر نفسه ينطبق على حزب اليسار الالماني، إذ إن بناء هوية طبقية يعني تقديم شئ يبعث على الفخر لدى العاملين، يكون بديلاً عن الاقتصار على الهوية الوطنية الألمانية.
اكتسب الحزب أولى الخبرات الإيجابية في هذا المجال خلال الحملة الانتخابية للبرلمان الاتحادي، عندما احتفل كثير من سكان حي نويكولن في برلين بفوز فرات كوتشاك بمقعد برلماني وكأنه انتصار شخصي لهم.
لكن هذه المشاعر، لن تترسخ في المجتمع إلا إذا ركز الحزب خلال السنوات القادمة على رواية قصص النضالات المشتركة التي تحمل معنى حقيقياً وتُحدث فرقاً ملموساً في حياة الناس.
5. الانضباط في التواصل
أن شعور أكثر من نصف الناخبين في نيويورك يوم الانتخابات بأن ممداني يخاطب الطبقة العاملة لم يكن أمراً عفوياً أو خاصاً بالمدينة، بل كان نتيجة لانضباط كبير في التواصل السياسي.
فالقصة السياسية لا تؤثر إلا إذا جرى تكرارها باستمرار، وعلى مدى طويل، ومن خلال القنوات المناسبة. أن حزب "البديل من أجل ألمانيا" (اليميني المتطرف) يعتمد النهج نفسه، فسواء فحين تتحدث رئيستهم، أليس فايدل، أو أحد المؤثرين القريبين من الحزب على يوتيوب، يمكن ملاحظة الرسالة نفسها دائماً:
الخصم نفسه، وطريقة عرض المشكلة نفسها، والإجابات نفسها عن قضايا مثل الهجرة، والإسكان، والأمن.
ويعني الانضباط في التواصل، من الناحية العملية، الالتزام دائماً بالإطار نفسه في الخطاب السياسي. فإذا استخدمت روايات مختلفة أو متناقضة حول كيفية تحقيق التغيير أو حول الحلول السياسية، فلن تتمكن من إقناع سوى عدد محدود من الناس.
إن الطريقة الوحيدة لتعزيز الهوية الطبقية في بيئة إعلامية سريعة التغير هي تحديد رسائل رئيسية واضحة، ثم ربطها بكل حدث سياسي جديد.
وبهذه الطريقة يمكن أيضاً الوصول بصورة أفضل إلى الفئات التي تشعر بالتهميش ولا تتابع الأخبار السياسية باستمرار.
ولهذا السبب لم يبتعد ممداني طوال حملته الانتخابية عن رسائله الأساسية، رغم كثرة الأحداث التي شهدها العام الانتخابي.
ويخلص إلى أن الانضباط في التواصل يبدأ أولاً بالانضباط الذاتي.
6. التواصل الشخصي
أغلبية سكان نيويورك انتخبت في النهاية شخصاً اعتقدت أنه يريد خدمة أبناء طبقته الاجتماعية.
وقد وثق الناس بممداني لأنهم عرفوه كشخصية تتمتع بالكاريزما، والمثابرة، والوفاء. كما قدم نفسه بصورة إنسانية، فهو محب للطعام، ويصف نفسه مازحاً بأنه مغني راب غير ناجح، لكنه يمتلك معرفة واسعة بموسيقى الراب في نيويورك، ويتحدث علناً عن حبه لزوجته.
وتجدر الإشارة إلى أن ممداني شارك في إضراب عن الطعام مع سائقي سيارات الأجرة، لإظهار أنه يأخذ قضايا النضال العمالي على محمل الجد.
ويرى أن إظهار هذا الجانب الشخصي يحتاج إلى قدر من الجرأة، لكنه يساعد على بناء علاقة أقوى مع الناس.
وينعكس ذلك أيضاً على أسلوب إنتاج المحتوى السياسي. فقد تميزت مقاطع الفيديو الخاصة بممداني بالعفوية، وبإظهار حبه الحقيقي للمدينة ولسكانها، كما حرص على الوجود في الأماكن التي يرتادها أبناء الطبقة العاملة، ليؤكد أنه واحد منهم.
أن هذا النهج قد يكون مفيداً أيضاً لسياسيي اليسار الألماني عموماً، من خلال تقليل الاعتماد على المحتوى المُصور داخل الاستوديوهات، وزيادة الظهور في الدوائر الانتخابية، والأحياء، والأماكن اليومية التي يلتقي فيها الناس، مثل المتاجر المحلية ونقاط التجمع الشعبية.
لا ينبغي أن يكون المحتوى المرتبط بالطبقة موجهاً دائماً نحو السياسة بشكل مباشر، بل يمكن أن يكون ثقافياً أيضاً.
إن التواصل الطبقي الذي استخدمته حملته كان، بالمعنى التقليدي للكلمة، جزءاً من الثقافة الشعبية.
اليسار يمكنه أيضاً تعزيز علاقته بالفئات التي يريد الوصول إليها، إذا ركز أكثر في تشكيل الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الترفيه وبناء المجتمعات والعلاقات بين الناس، بدلاً من الاكتفاء بالمحتوى السياسي المباشر.
(*) عن موقع حزب اليسار الألماني، في قسم عنوانه "الحزب في حركة".







